الثلاثاء 21 رمضان 1423 هـ الموافق 26 نوفمبر 2002 كثيرا ما يوجه المستشرقون سهامهم الحاقدة ضد الاسلام واتهامه بانه دين يشجع على الرق ويبيح العبودية وجعل الرق جزءا من نظامه ويقسم المجتمع الى سادة وعبيد، وحول الانسان الى سلعة تباع وتشترى كما يتساءل هؤلاء المشككون: لماذا لم ينص الاسلام صراحة فى القرآن على تحريم الرق كما نص على تحريم الخمر والميسر والربا ؟ وغيرها مما كرهه الاسلام . في رد على هؤلاء المشككين يؤكد د .محمد رأفت عثمان عميد كلية الشريعة الاسلامية بالازهر وعضو مجمع البحوث الاسلامية بداية ان وقفة عند حقائق التاريخ تؤكد ان فظائع الرق الروماني فى العالم القديم لم يعرفها تاريخ الاسلام قط ومراجعة بسيطة للحالة التى كان يعيش عليها الارقاء فى هذه الامبراطورية القديمة كفيلة بان ترينا النقلة الهائلة التي نقلها الاسلام للرقيق حيث كان الرقيق فى عرف الرومان ليسوا بشرا بلا حقوق ومن اجل اشباع شهوة الاستعباد فقط وذلك من اجل ان يعيش الرومان عيشة البذخ والمتع الجسدية بكل الوانه من خمر ونساء وحفلات وذلك على حساب استعباد الشعوب الاخرى وامتصاص دمائهم وكان الوضع في مصر الرومانية نموذجا ودليلا دامغا على ذلك ... فكان الرقيق يعملون فى الحقول مصفدين في الاغلال الثقيلة ولم يكونوا يطمعون الا ابقاء على وجودهم ليعملوا وكانوا يساقون بالسوط للعمل وينامون في زنزانات كريهة الرائحة حتى تكتظ بهم في وضع غير ادمي وهم مكبلون بالقيود حتى لا يهربوا، كما كان السادة يتلذذون بوحشية المبارزة بين العبيد وفى حلقات المبارزة بالسيف والرمح ويستمتعون بقتل كل منهما للاخر، وكان السيد له الحق المطلق في قتل العبد وتعذيبه واستغلاله في كل شيء دون حق الشكوى .. ولم تكن معاملة العبيد فى فارس والهند وغيرهم تختلف كثيرا عن ذلك من اهدار انسانية الرقيق بكل بشاعة . ويضيف ان الاسلام على العكس مما يتهمونه جاء ليرد لهؤلاء البشر انسانيتهم وليقول للسادة عن الرقيق: «بعضكم من بعض»، ويقول صلى الله عليه وسلم: «من قتل عبده قتلناه ومن جدع عبده جدعناه ومن اخصى عبده اخصيناه، كما يقول ايضا صلى الله عليه وسلم: انتم بنو آدم وادم من تراب، ويقول عليه السلام: الا لا فضل لعربي على اعجمي ولا لاعجمي على اعرابي ولا لاسود على احمر ولا لاحمر على اسود الا بالتقوى . واضاف ان الاسلام جاء ليأمر السادة امرا بان يحسنوا معاملتهم للرقيق فقال تعالى: «وبالوالدين احسانا وبذي القربى... وما ملكت ايمانكم ان الله لا يحب من كان مختالا فخورا»، وان العلاقة بين السادة والعبيد ليست علاقة الاستعلاء والاستعباد او التسخير او التحقير وانما هي علاقة القربى والاخوة فالسادة يذهبون الى اهل الجارية يستاذنون فى زواجها ويقول تعالى: «فمن ما ملكت ايمانكم من فتياتكم المؤمنات والله اعلم بايمانكم بعضكم من بعض فانكحوهن باذن اهلهن وآتوهن اجورهن بالمعروف».. كما ان الاسلام جعل العبيد اخوة للسادة فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «اخوانكم خولكم فمن كان اخوه تحت يده فليطعمه مما يطعم وليلبسه مما يلبس ولا تكلفوهم ما يغلبهم فان كلفتموهم فاعينوهم»، وزيادة في رعاية مشاعر الرقيق يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: «لا يقل احدكم هذا عبدي وهذه آمتي، وليقل فتاي وفتاتي» ويستند على ذلك ابو هريرة فيقول لرجل ركب وخلفه عبده يجري: «احمله خلفك فانه اخوك وروحه مثل روحك». ويرى ان الرقيق بعد ظهور الاسلام صاروا بشرا لهم روح كروح السادة وقد كانت الامم الاخرى كلها تعتبر الرقيق جنسا آخر غير جنس السادة بمعنى انه خلق ليستعبد ويستذل، ومن هنا لم تكن ضمائرهم لتعذبهم على قتله وتعذيبه، وكيه بالنار، وتسخيره في الاعمال القذرة والاعمال الشاقة الا ان الاسلام رفعه الى مستوى الاخوة الكريمة، لا في عالم المثل والاحلام بل في عالم الواقع . كما ان التاريخ ـ الذى لم ينكره احد ـ حتى المتعصبين من كتاب اوروبا يشهد بان معاملة الرقيق في صدر الاسلام بلغت حدا من الانسانية لم تبلغه في اي مكان اخر حدا جعل الرقيق المحررين يأبون مغادرة سادتهم السابقين مع انهم يملكون ذلك بعد ان تحرروا اقتصاديا وتعودوا على تحمل تبعات انفسهم لانهم يعتبرونهم اهلا لهم يربطهم بهم ما يشبه روابط الدم. ويشير د.محمد رفعت عثمان الى ان الرسول صلى الله عليه وسلم نهى السادة عن تذكير ارقائهم بانهم ارقاء وامرهم ان يخاطبوهم بما يشعرهم بمودة الاهل وينفي عنهم صفة العبودية، وقال لهم في معرض هذا التوجيه: «ان الله ملككم اياهم ولو شاء لملكهم اياكم» فهي اذن مجرد ملابسات عارضة جعلت هؤلاء رقيقا وكان من الممكن ان يكونوا سادة لمن هم اليوم سادة، وبذلك يغض من كبرياء هؤلاء، ويردهم الى الاصرة البشرية التي تربطهم جميعا والمودة التي ينبغي ان تسود علاقات بعضهم ببعض . واما الاعتداء الجسدي فعقوبته الصريحة في الاسلام هي المعاملة بالمثل حيث قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «ومن قتل عبده قتلناه» وهو مبدا صريح الدلالة على المساواة الانسانية بين الرقيق والسادة، وصريح في بيان الضمانات التي يحيط بها حياة هذه الطائفة من البشر ـ التي لا يخرجها وضعها العارض عن صفتها البشرية الاصيلة ـ وهي ضمانات كاملة ووافية تبلغ حدا عجيبا لم يصل اليه تشريع آخر قط من تشريعات الرقيق في التاريخ الانساني كله لا قبل الاسلام ولا بعده اذ جعل مجرد لطم العبد في غير تأديب مبررا شرعيا لتحرير الرقيق علما بان التأديب له حدود رسمها الاسلام لا يتعداها ولا يتجاوزها على اية حال ما يؤدب به السيد ابناءه . ومن جانبه اكد ان الاسلام لم يكتف بتحرير العبيد روحيا بالمساواة او صيانة حقوقهم الانسانية كاملة فقط ولكنه اتاح وسيلتين عمليتين كبيرتين للتحرير الكامل للرقيق انطلاقا من مبدا المساواة الكاملة بين بني البشر التى اقرها الاسلام وهما وسيلتان العتق والمكاتبة حيث شجع الاسلام السادة على التطوع بتحرير من فى ايديهم من الارقاء وكان الرسول صلى الله عليه وسلم هو قدوتهم اذ اعتق كل من عنده من الارقاء وتبعه الصحابة حتى ان ابا بكر رضي الله عنه كان ينفق اموالا طائلة فى شراء العبيد من سادة قريش ليعتقهم ويمنحهم الحرية، كما كان بيت المال يشترى العبيد من اصحابهم ويحررهم حيث يقول يحيى بن سعيد: بعثني عمر بن عبد العزيز على صدقات افريقية فجمعتها ثم طلبت فقراء نعطيها لهم فلم نجد فقيرا ولم نجد من ياخذها منا فقد اغنى عمر بن عبد العزيز الناس فاشتريت بها عبيدا فاعتقتهم، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يعتق من الارقاء من يعلم عشرة من المسلمين القراءة والكتابة او يؤدى خدمة مماثلة للمسلمين ..، كما نص القرآن الكريم على ان كفارة بعض الذنوب هى عتق الرقاب وكذلك كان الرسول عليه السلام يحث المسلمين على عتق الرقاب تكفيرا عن اى ذنب ارتكبه المسلم وساعد ذلك فى تحرير اكبر قدر من العبيد انذاك لعوامل انسانية بحتة. واوضح ان الاسلام جعل الرق كالموت تماما وجعل كفارة من يقتل مؤمنا خطأ ان يسلم ديه الى اهله او يحرر رقبة مؤمنة مما جعل الاسلام يستغل كل الفرص لاحياء الارقاء بتحريرهم من الرق. بينما الوسيلة الثانية هى المكاتبة، وهى منح الحرية للرقيق متى طلبها بنفسه مقابل قدر من المال يتفق عليه السيد والرقيق ويكون العتق فى هذه الحالة اجباريا لا يملك السيد رفضه او تأجيله بعد اداء المبلغ المتفق عليه والا تدخلت الدولة «القاضي او الحاكم» لتنفيذ العتق بالقوة ومنح الحرية لطالبه وقد فتح ذلك باب للكثيرين الذين يريدون الحرية دون انتظار منحه من السيد وله ان يعمل لدى سيده باجر او يعمل لدى غيره حتى يتحرر . واشار الى ان نظام المكاتبة هذا تعلمته اوروبا واخذت به بعد سبعه قرون من اقرار الاسلام له اى فى القرن الـ 14 مع فارق كبير لا يوجد في غير الاسلام وهو كفالة الدولة للارقاء المكاتبين، وجعل احد مصارف الزكاة من اجل تحرير العبيد فقال تعالى: انما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها وفى الرقاب.. فتقرر ان تصرف الزكاة من «بيت المال» مال الخزانه العامة لمعاونه المكاتبين الارقاء لاداء ثمن التحرر اذا عجزوا عن الكسب لادائه. وقال ان الاسلام لم يامر بالغاء الرق بشكل مباشر كما فعل «ابراهام لنكولن» رئيس اميركا باصدار فرمان الغى فيه الرق مما جعل العبيد يذهبون لاسيادهم مرة اخرى ليطلبوا منهم قبولهم عبيدا لديهم مرة اخرى وذلك لان التكوين النفسي لدى العبيد يختلف تماما عن التكوين التنفسي للاحرر من حيث عدم القدرة على تحمل المسئولية وتحمل اعباء الحياة والقيادة واتخاذ القرارات الصائبة وتدبير امور حياته المعيشية والتى كانت تكفل كاملة فى مقابل القيام بخدمة سيدها الامر الذى جعل الاسلام يتدرج فى بناء الشخصية المستقلة القادرة على ادراك ذاتها وتحمل المسئولية من خلال حسن المعاملة والاحساس بالمساواة بينهم وبين سادتهم وادراكهم لكرامتهم الانسانية الامر الذي يدفع هذه الشخصية دفعا لنيل الحرية بعد ان شمت رائحتها وادركت حقيقتها وتسعى للحصول على الحرية ولا تنفُر منها كما حدث فى اميركا. ونجد ان الرسول صلى الله عليه وسلم يؤاخي بين بعض الاحرار من سادة العرب وبعض الموالى .. فآخى بين بلال بن رباح وبين خالد بن رويحه الخثعمي، وبين مولاه زيد بن حارثة وعمه حمزة، وبين خارجة بن زيد وابي بكر الصديق وكانت تصل المؤاخاة الى حد رابطة الدم بينهما ثم قام الرسول صلى الله عليه وسلم بتزويج ابنة عمته «زينب بنت جحش» من مولاه زيد وهذه قمة امثلة المساواة .. بل ارسل الرسول صلى الله عليه وسلم مولاه زيد بن حارثة على رأس جيش فيه من الانصار والمهاجرين من سادات العرب الكثير فلما استشهد ولى ابنه اسامة بن زيد قيادة الجيش وفيه ابو بكر وعمر وزيرا رسول الله وبذلك اعطى الاسلام الرقيق ليس حق المساواة فقط ولكن حق القيادة والرئاسة على الاحرار ووصل الامر الى ان يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: اسمعوا واطيعوا ولو تامر عليكم عبد حبشي كان راسه زبيبة ما اقام فيكم كتاب الله تبارك وتعالى، وقال عمر بن الخطاب وهو يستخلف: «لو كان سالم مولى ابي حذيفة حيا لوليته» فهذه كلها وسائل تحرير الرقيق من الداخل حتى يشعروا بكيانهم فيطلب الواحد منهم الحرية ويحافظ عليها. ومن جانبه يؤكد الشيخ محمد شنن الداعية الاسلامي بالازهر الشريف ان الاسلام جفف منابع الرق القديمة كلها فيما عدا منبع واحد لم يكن يمكن ان يجففه وهو رق الحرب حيث كان العرف السائد استرقاق اسرى الحرب او قتلهم وبذلك تصبح الفترة التى يقضونها فى الرق فى الحقيقة فترة علاج نفسي وروحي قوامه احسان المعاملة لهم واشعارهم بادميتهم المهدرة وتوجيه ارواحهم الى النور الرباني بغير اكراه ثم فى النهاية يكون التحرير وذلك كله فى حالة الاسترقاق . وهاجم الشيخ شنن الغرب الذى يتهم الاسلام باباحة الرق لان هؤلاء كانت لديهم منابع متعددة للرق بغير ضرورة ملحة سوى شهوة الاستعباد واسترقاق امة لامة، وجنس لجنس، واسترقاق للفقر، و استرقاق بالوراثة من الميلاد فى طبقة معينة، واسترقاق بسبب العمل في الارض .. .الخ، وقد تم الغاء هذه المنابع كلها في الاسلام كما ان اوروبا مع تعدد الرق فيها بغير ضرورة كما اوضحنا لم تلغ الرق حين الغته متطوعة وانما بسبب عدم القدرة على العمل بحيث اصبحت تكاليف العبد من اعاشة وطعام وحراسة اكثر من انتاجه فهي اذن حسبة اقتصادية لا غير يحسب فيها المكسب والخسارة اضافة الى الثورات المتعاقبة للرقيق التي استحال معها دوام الاسترقاق الا انه ظل عبدا للارض حتى بدلا من ان يكون رقيقا للسيد حيث يباع ويشترى مع الارض لا يمكنه مغادرتها حتى حرمت الثورة الفرنسية ذلك فى القرن الـ 18 اى بعد ان قرره الاسلام بالف عام . ويرى محمد قطب الكاتب الاسلامي في دراسة اعدها عن الرق ان حضارة اليوم الزائفة التى نعيش فى احضانها لا تجد فى نفسها هذه الصراحة فهى تصرف براعتها فى تزييف الحقائق وطلاء اللافتات البراقة فمن منظور الغرب ان قتل الابرياء في الدول المستعمرة وحبسهم فى السجون القذرة بلا طعام ولا ماء وانتهاك اعراضهم والسطو على نسائهم وقتلهن بلا مبرر وشق بطونهن للتراهن على نوع الجنين هذا اسمه فى القرن العشرين حضارة ومدنية ونشر لمبادئ الحرية والاخاء والمساواة اما المعاملة المثالية الكريمة التى كان يمنحها الاسلام للرقيق قبل ثلاثة عشر قرنا تطوعا منه واكراما للجنس البشري فى جميع حالاته مع اعلانه العملي بان الرق وضع مؤقت وليس حالة دائمة فهذا اسمه تأخر وانحطاط وهمجية. ويضيف انه حين يضع الاميركان على فنادقهم ونواديهم لافتات تقول: للبيض فقط او تقول فى وقاحة كريهة: ممنوع دخول السود والكلاب، وحين يفتك جماعة من البيض المتحضرين بواحد من الملونين فيطرحونه ارضا ويضربونه بأحذيتهم حتى يسلم الروح ورجل الشرطة الابيض واقف لا يتحرك ولا يتدخل ولا يهم لنجدة اخيه فى الوطن وفى الدين واللغة فضلا عن الاخوة فى البشرية كل ذلك لانه وهو ملون تجرا فمشي الى جانب فتاة اميركية بيضاء وباذنها لا كرها عنها يكون هذا اقصى ما وصل اليه القرن العشرين من التحضر والارتقاء، اما حين يتهدد العبد المجوسي خليفة المسلمين عمر بن الخطاب بالقتل ويفهم منه عمر ذلك ثم لا يحبسه ولا ينفيه من الارض ولا يأمر بقتله وهو مخلوق ناقص الآدمية حقا لانه يعبد النار ويصر على عبادتها تعصبا منه للباطل بعد ان رأى الحق بعينه فما اشد همجية عمر وما اشد ازدرائه لكرامة الجنس البشري لانه قال تهددني العبد ثم تركه حرا حتى ارتكب جريمته فقتل خليفة المسلمين لانه لم يكن يملك عليه سلطانا قبل ان يقترف الجريمة وقصة الملونين فى افريقيا وحرمانهم من حقوقهم البشرية وقتلهم او اصطيادهم حسب تعبير الجرائد الانجليزية الوقحة لانهم تجرأوا فاحسوا بكرامتهم فطالبوا بحريتهم هذا هو العدل البريطاني فى قمته والحضارة الانسانية فى اوجها والمباديء السامية التي تجيز لاوروبا الوصاية على العالم اما الاسلام فهو همجي جدا لانه لم يتعلم اصطياد البشر والتلهي بقتلهم لانهم سود البشرة بل وصل توغله فى التأخر والانحطاط ان يقول اسمعوا واطيعوا ولو استعمل عليكم عبد حبشي كان رأسه زبيبة .