الثلاثاء 21 رمضان 1423 هـ الموافق 26 نوفمبر 2002 يرجع نسبه الى انه داود بن ايشا بن يوعز بن سلمون بن يخشون بن عوينوذب بن ارم بن حصرون ابن بارص بن يهوذا بن يعقوب بن اسحاق بن ابراهيم الخليل الرحمن. وكان يلقب بأنه النبي،العابد، القانت، الأواب، والمجاهد، وتقول كتب السيرة انه كان طاهر القلب وجمع الله تعالى له بين الملك والنبوة وبين خير الدنيا والآخرة، حيث كان الملك في سبط والنبوة في آخر فاجتمعا الاثنين في النبي داود عليه السلام. وقد خص الله تعالى داود عليه السلام بالكثير من الفضل والكرامة منها انه انزل عليه الزبور بالعبرانية مئة وخمسون سورة في خمسين منها ذكر ما يكون من بختنصر واهل بابل وفي خمسين منها ذكر ما يلقون من الروم من اهل ابرون، وفي خمسين منها موعظة وحكمة ولم يكن فيها حلال وحرام فذلك قوله تعالى « وآتينا داود زبورا». ومنها كما يقول ابي اسحاق احمد بن ابراخيم النيسابوري في كتابه عرائس المجالس حول قصص الانبياء، الصوت الطيب والنغمة الطيبة اللذيذة والترجيع والالحان ولم يعط الله تعالى احدا من خلقه مثل صوته، وكان يقرأ الزبور بسبعين لحنا بحيث يعرق المحموم ويفيق المغمى عليه. وكان اذا قرأ الزبور برز الى البرية فيقوم وتقوم معه علماء بنى اسرائيل خلفه، وتوقم الناس خلف العلماء وتقوم الجن خلف الناس، وتقوم الشياطين خلف الجن وتدنو الوحوش والسباع ويؤخذ بأعناقها وتظله الطيور مضجية، ويركد الماد الجاري ويسكن الريح وما صنعت المزامير والصنوج الا على صوته وذلك ان ابليس لعنه الله حسده واشتد عليه فقال لعفاريته ألا ترون ما دهاكم؟ فقالوا له: مرنا بما شئت، فقال: انه لا يصرف الناس عن داود الا ما يضاده ويحاده، فهيئوا المزامير والعيدان والاوتار والملاهي على اجناس اصوات داود فسمعها سفهاء الناس فمالوا اليها فاغتروا بها، ويقال ان داود عليه السلام كان اذا قرأ الزبور بعد ما قارف الذنب لا يقف له الماء ولا تصغى له الوحوش ولا البهائم والا الطيور كما كانت قبلها ونقصت نغمته، فقال: إلهي ما هذا؟ فأوحى الله تعالى اليه ذلك انس الطاعة وهذه وحشة المعصية. يا داود ان الخطيئة هي التي غيرت صوتك وحالك فقال: إلهي او ليس قد غفرتها لي؟ قال : بلى ولكن ارتفعت الحالة التي بيني وبينك من الود والقرب فلن تدركها ابدا. ومن معجزاته التي وهبها الله تعالى له في سورة سبأ الاية 10 - 11 «وألنا له الحديد. ان اعمل سابغات وقدر في السرد» وسورة الانبياء الاية 80 « وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل انتم شاكرون»، ونقل النيسابوري في كتابه عرائس المجالس عن كتب التفسير ان داود عليه السلام لما ملك بني اسرائيل كان من عادته ان يخرج الى الناس متنكرا ، فاذا رأى رجلا لا يعرفه تقدم اليه فيسأله عن داود فيقول له: ما تقول في داود واليكم هذا:أي الرجل هذا؟ فيثني عليه ويقول خيرا، فبينما هو كذلك يوما من الايام اذ قيض الله له ملكا في صورة الآدميين، فلما رآه تقدم اليه داود على عادته فسأله، فقال له الملك: نعم الرجل هو ، لولا خصلة فيه، فراع داود ذلك فقال: ما هي يا عبد الله؟ قال: ان داود يأكل ويطعم عياله من بيت المال. قال: فتنبه لذلك وسأل الله تعالى ان يسبب له سببا يستغني به عن بيت المال فينفق منه ويطعم عياله، فألان له الحديد، فصار في يده مثل الشمع والعجين والطين المبلول، وكان يصرفه بيده كيف يشاء من غير ادخال نار ولا ضرب بحديد، وعلمه الله صنعة الدروع فكان يتخذ منها مصدر رزقه. وقال الله تعالى «واذكر عبدنا داود ذا الأيد انه اواب. انا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والاشراق. والطير محشورة كل له اواب. وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب»، وفي ذلك قال ابن عباس ومجاهد ان الأيد تعني القوة في الطاعة ويعني ذا قوة في العبادة والعمل الصالح. وقد ثبت في الصحيحين ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «احب الصلاة الى الله صلاة داود واحب الصيام الى الله صيام داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه وكان يصوم يوما ويفطر يوما ولا يفر اذا لاقى». ويقول الله تعالى في سورة ص الاية 18 - 19 «انا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والاشراق. والطير محشورة كل له اواب» وقال تعالى في سورة سبأ الاية 10 «يا جبال أوبي معه والطير». وتفسير ذلك ان الله تعالى قد وهب داود عليه السلام الصوت الجميل ما لم يعط احد من العالمين حيث كان كما ذكر ابو عزيز في كتابه قصص القرآن، اذا ترنم بقراءة كتابه يقف الطير في الهواء ويسبح بتسبيحه وكذلك الجبال تجيبه وتسبح معه كلما سبح بكرة وعشيا. وقال الاوزاعي: حدثني عبد الله بن عمر قال: اعطي داود عليه السلام من حسن الصوت مالم يعط احد قط حتى ان كان الطير والوحش ينعكف حوله حتى يموت عطشا وجوعا. وقال ابن كثير: وقد كان مع هذا الصوت الرخيم سريع القراءة لكتابة الزبور، كما قال الامام احمد : حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن همام عن ابي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «خفف علي داود القراءة فكان يأمر بدابته فتسرح فكان يقرأ القرآن من قبل ان تسرح دابته، وكان لا يأكل إلا من عمل يده». وفيما يتعلق بما افتراه الناس على داود يقول الله تعالى في سورة ص الاية 21 - 25 «وهل اتاك نبأ الخصم اذ تسوروا المحراب. اذ دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا الى سواء الصراط. ان هذا اخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال اكفلنيها وعزني في الخطاب. قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك الى نعاجه وان كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم وظن داود انما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا واناب. فغفرنا له ذلك وان له عندنا لزلفى وحسن مآب». وفي تفسير ذلك يقول ابو عزيز ان داود عليه السلام كان قد وزع مهام اعماله يوما للعبادة ويوما للقضاء وفصل الخصومات ويوما للاشتغال بشئون نفسه واهله ويوما لوعظ بني اسرائيل. ففي يوم العبادة بينما كان مشتغلا بعبادة ربه في محرابه اذ دخل عليه خصمان تسورا عليه من السور ولم يدخلا من المدخل المعتاد فارتاع منهما وفزعا فزعا لا يليق بمثله وظن بهما سوءاً وانهما جاءا ليقتلاه او يبغيا به شرا، ولكن تبين له ان الامر على خلاف ذلك، وانهم خصمان جاءا يحتكمان اليه فلما قضى بينهما وتبين له انهما بريئان مما ظنه بهما استغفر ربه وخر ساجدا لله تعالى تحقيقا لصدق تسويته والاخلاص له، واناب الى الله غاية الانابة فالرجلان خصمان حقيقة وليسا ملكين كما زعموا والنعاج على حقيقتها وليس ثمة رموز ولا اشارات وهذا التأويل هو الذي يوافق نظم القرآن الكريم ويتفق وعصمة الأنبياء فالواجب الاخذ به ونبذ الخرافات والاباطيل والتي هي من صنع بني اسرائيل وقيل في قوله: «فاستغفر ربه» اي فزعه الذي لا يليق به. وفي الوقت نفسه فقد اوكل الله تعالى الى داود الحكم بين الناس بالعدل والمعروف وذلك في قوله في سورة ص الاية 26 «يا داود انا جعلناك خليفة في الارض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله ان الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب»، وفي تفسير ذلك يقول ابن كثير الدمشقي ان المراد من القصة ليس داود فقط بل سائر ولاة الامور والحكام حيث امرهم بالعدل واتباع الحق المنزل من الله تعالى وتوعد من سلك غير ذلك وحكم بغير ذلك، وقد كان داود عليه السلام هو المقتدى به في ذلك الزمان في العدل وكثرة العبادة وانواع القربات حتى انه كان لا يمضي ساعة من آناء الليل واطراف النهار الا واهل بيته في عبادة ليلا ونهارا كما قال الله تعالى «اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور». وقيل عن السلف الصالح ان في حكمة آل داود: حق على العاقل ألا يغفل عن اربع ساعات، ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يفضي فيها الى اخوانه الذين يخبرونه بعيوبه ويصدقونه عن نفسه، وساعة يخلي بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويجمل فان هذه الساعة عون على هذه الساعات واجمام القلوب وحق على العاقل ان يعرف زمانه ويحفظ لسانه ويقبل على شأنه وحق على العاقل ألا يظعن إلا في إحدى ثلاث: زاد لمعاده ومرمة لمعاشه ولذة في غير محرم. وعن وفاة داود قال الامام احمد في مسنده ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كان داود عليه السلام فيه غيرة شديدة فكان اذا خرج اغلقت الابواب فلم يدخل على اهله احد حتى يرجع. قال: فخرج ذات يوم وغلقت الدار فأقبلت امرأته تطلع الى الدار فاذا رجل قائم وسط الدار فقالت لمن في البيت: من اين دخل هذا الرجل والدار مغلقة، والله لتفضحن بداود. فجاء داود فاذا الرجل قائم في وسط الدار فقال له داود: من أنت؟ فقال: انا الذي لا اهاب الملوك ولا امنع من الحجاب. فقال داود: انت والله اذن ملك الموت مرحبا بأمر الله. ثم مكث حتى قبضت روحه فلما غسل وكفن وفرغ من شأنه طلعت عليه الشمس، فقال سليمان للطير: اظلي على داود. فأظلته الطير حتى اظلمت عليه الارض فقال سليمان للطير: اقبضي جناحا. وقال ابو هريرة: فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يرينا كيف فعلت الطير، وقبض رسول الله الكريم بيده وغلبت عليه يومئذ المضرحية وهي الصقور ذات الاجنة الطويلة. وقال السدي عن ابي مالك عن ابن عباس قال: مات داود عليه السلام فجأة وكان بسبت كانت الطير تظله فيما قال البعض ان ملك الموت جاء داود وهو نازل من محرابه فقال له: دعني انزل او اصعد، فقال: يانبي الله نفدت السنون والشهور والاثار والارزاف، قال: فخر ساجدا على مرقاة له من تلك المراقي فقبضه وهو ساجد عليه السلام. اعداد : اميمة وجية