الثلاثاء 21 رمضان 1423 هـ الموافق 26 نوفمبر 2002 تجربة الداعية ألفت شاكر ثرية وطويلة فقد بدأت رحلتها مع الدعوة منذ أن كانت طالبة في المرحلة الثانوية حيث كانت تلقي دروسا قصيرة أثناء الحصص على زميلاتها مما كانت تسمعه من الشيوخ في الدروس والمحاضرات، التي كانت تحرص على متابعتها وقد لفتت قدرتها على الإقناع نظرة مدرستها التي شجعتها على المضي في هذا الطريق ثم تبناها كل من الشيخ حسن أيوب والشيخ محمد الراوي وتعهداها بالرعاية والتوجيه للدراسة العلمية لمختلف العلوم الشرعية، وكانت تجذبها دروس الشيخ عبد الحليم محمود والشيخ صلاح أبو إسماعيل والشيخ فتح الله بدران. وكانت المحطة الثانية في حياتها في الرياض حيث عملت في مستشفى الملك فيصل التخصصي وهناك حفظت القرآن بالقراءات العشر وقرأت أمهات الكتب ومارست العمل الدعوي بين غير المسلمين من جنسيات مختلفة وكانت تلقي درسا أسبوعيا تجيب على أسئلة هؤلاء الاجانب. وبعد عودتها إلى مصر قررت التفرغ للدعوة وهي تلقي الآن دروسا في نادي الشمس وفي مسجد الفاروق بالقاهرة وفي أماكن آخرى وفي الحوار التالي نتعرف على تلك التجربة ونناقش مع الداعية الفت بعض القضايا التي تتعلق بالمرأة. ـ هل عمل المرأة في مجال الدعوة الإسلامية يعتبر جديدا على مجتمعاتنا خاصة في هذا العصر؟ ـ بالفعل عمل المرأة بالدعوة جديد في هذا العصر لكنه ليس جديدا على الدعوة فعمل المرأة في هذا المجال وحرصها على خدمة الدين وجد منذ عصر الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ فكان للمرأة دور كبير في الدعوة لدرجة أن الشيخ الصابوني ذكر في تفسيره للقرآن أن من أسباب تعدد زوجات الرسول رغبته صلى الله عليه وسلم ـ أن تكون زوجاته معلمات وداعيات بين السيدات في إطار مدرسة النبوة، إذن عمل المرأة بالدعوة قديم ولو عدنا إلى تاريخنا لوجدنا الكثير من السيدات كن راويات للحديث وفقيهات ومعلمات وغير ذلك. الجهل ـ لكن البعض ينظر للمرأة التي تعمل كداعية باستغراب فما أسباب هذا الإستغراب من وجهة نظرك ؟ ـ هذا يرجع إلى الجهل العام بالدين خاصة في الفترات التي ابتعد فيها الناس عن الدين ليس فقط بالنسبة للمرأة بل والرجل أيضا ونحن نعلم أنه خلال القرون الماضية التي خضعت فيها البلاد الإسلامية للإستعمار تدهورت أحوال المسلمين وابتعدوا عن دينهم وتحكمت فيهم العادات والتقاليد وأجبرت المرأة على العودة إلى البيت بشكل غير مسبوق باسم الدين للأسف لدرجة أن المرأة لم تكن قادرة بل ولم يسمح لها بتعلم أساسيات دينها وهذا جعلنا نعاني من مشكلات عديدة مثل الأمية الدينية وأصبحنا ندعو المسلمين للإسلام وهذه كارثة ففي معظم الدروس نوجه السيدات وندعوهن للعودة إلى الدين رغم أن الدعوة في الأساس توجه لغير المسلمين لكن الجهود التي تبذل الآن تنصب على كيفية تحسين إسلام المسلمين. الحرية ـ معنى ذلك أن بقاء المرأة في المنزل - وهناك تيارات لاتزال تطالب بذلك- كان غلطة تاريخية فهل تتفقين معنا في هذا الرأي؟ ـ لا نستطيع أن نقول أنه كان غلطة لكن يمكن القول أن الحرية لم تترك للمرأة ـ كما أمر الدين ـ لتحدد متى تخرج ومتى تبقى في المنزل فإذا كان القرآن يقول: «وقرن في بيوتكن «فإنه في نفس الوقت يقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله» وقد جمع العلماء بين هذين النصين وقالوا إن كان الخروج خير للمرأة كأن تخرج لتتعلم أمور دينها دون تقصير في واجبات الزوجية وبأذن الزوج وأن تكون قادرة على تحمل هذا العبء فتخرج أما إذا لم تكن غير قادرة وبقيت في بيتها فلا يضيع منها الفضل لأن تلك هي إمكانياتها، فالمرأة في كثير من الامور تركت لها مساحة من الحرية لأن ظروفها مختلفة فهي في فترة صغيرة لا مسئولية عليها وتستطيع الحركة والإنتقال بسهولة ثم تتزوج وتبقي في المنزل لترعى الأبناء وعندما يكبر الابناء تتاح لها مساحة من الحرية فحياة المرأة فيها مراحل كثيرة فإذا خرجت فلها فضل وإذا بقيت في المنزل فلها فضل، وللأسف بعض المسلمين بالنسبة لخروج المرأة ركز على جوانب وتجاهل جوانب أخرى وهذا خطأ. سقف شرعي ـ كيف نحقق التوازن بين السماح للمرأة بالخروج للعمل وخلافه وبين بقائها في المنزل بحيث لا تضر بالزوج والأبناء وفي نفس الوقت لا تضر بالمرأة ؟ ـ الشرع وضع سقفا لهذه المسألة فبعض العلماء يقولون أنه لا يجوز للمرأة أن تخرج من بيتها بدون إذن زوجها سواء للعمل أو الدعوة أو حتى لزيارة أهلها، واقتناع الزوج بدور المرأة أمر مهم وضروري تماما مثل إقتناع الزوجة بخروج زوجها للعمل والسعي على الرزق والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ عندما كان يريد قيام الليل وهو الذي جعلت قرة عينيه في الصلاة كان يستأذن السيدة عائشة ـ رضي الله عنها ـ وهو هنا يعلمنا الادب فيقول لها هل تأذني لي في قيام هذه الليلة ؟ فتقول له: أحب قربك وأحب رضاك فهذا يعلمنا أن تكون المودة والرحمة والحب في حياة المرأة والرجل فليس مطلوبا من النبي أن يستأذن السيدة عائشة حتى يقوم الليل لكنه يفعل ذلك حتى تكون هناك مودة ورحمة نفس الامر إذا كان الرجل سيخرج للدعوة فلابد من رضا أهله لأنهم هم الذين يتحملون المسئولية أثناء خروجه مسئولية الأبناء والبيت أيضا إذا كانت المرأة ستخرج للدعوة أو العمل فلابد أن يكون الرجل راضيا لأنه سيتحمل جزءا من المسئولية فإحساس الأسرة بأن كل فرد له دوره وأن كل عضو فيها يساعد الآخرين فهذا هو الاصل في الدين بحيث يكون هناك تعاون بين كل الاطراف حتى الأبناء فحتى أخرج للدعوة لابد أن يشعر أبنائي أن تلك مسئولية لأنه إذا إرتكب ابن من أبنائي معصية فسوف تلقي المسئولية على عاتقي. رضا الوالدين ـ من القضايا العويصة التي نعاني منها خلال هذه الأيام قضية إختيار الفتاة للزوج خاصة وأن وسائل الاعلام تكرس نمطا محددا في الاختيار بحيث تكون الفتاة حرة وتذهب إلى أي مكان وتختلط بالشباب ثم تختار من تريد فهل توافقين على هذا الاسلوب؟ ـ هذا السؤال مطروح في كل المجتمعات فالمرأة دائما تتمنى أن يرزقها الله بالزوج الصالح وكلمة صالح هي «مربط الفرس» لكن لابد من رضا الوالدين لأن أي بيت يقوم على غير رضا الوالدين مهما كان الزوج صالحا فإن الله لا يرضى عن هذا لأن رضا الوالدين أصل وليس مجال مناقشة أيضا ـ ،يجب ألا تغتر الفتاة بالمظهر لأن المظهر قد يوحي بأنه إنسان متدين وأنه على خلق ثم تثبت المعاشرة غير ذلك والعكس قد يبدو أن الشاب «مودرن» ومتحضر وداخله أفكار أخرى، هذا الخلط الموجود عند شبابنا لا ينجي المرأةمنه إلا اللجوء إلى الله بصلاة الإستخارة وهذا ما أنصح به الفتيات اللاتي يوجهن إلى هذا السؤال واقول لهن لا تستعجلن الموافقة أو الرفض على أي شخص يتقدم لخطبتكن لكن عليكن اللجوء إلى الاستخارة والمداومة عليها حتى لو وافق الأهل وحتى لو كانت الفتاة غير موافقة أو العكس فالله سبحانه وتعالى يجعل الفتاة والاهل يرضون عن الشخص الذي إرتضاه الله لها. والحمد لله هذه النصيحة آتت ثمارها في أغلب الاحيان فقد تكون الفتاة رافضه في بداية الامر ثم يظهر الله لها محاسن الشاب المتقدم لها فتوافق وقد يكون العكس واعتقد أن الاستخارة نعمة لا يعد بها شئ بعد نعمة الإسلام لأنها تفويض حقيقي لله في كل الامور لأن الله هو الوحيد القادر على أن يوفق الشخص لشئ ما أو يصرفه عنه. الوعي الديني ـ أعتقد أن رضا الاهل هو الاساس في اختيار الزوج للفتاة فهل توافقين على ذلك؟ ـ الأجيال الماضية لم يكن لديها الوعي الديني الموجود الآن أما الفتيات الآن ـ وأنا أتحدث عن شريحة معينة ـ لديهن الوعي ولو تركن الأمر للأسرة وحدها فإن اختيار الأسرة في بعض الاحيان يقوم على أساس مادي بحت ولا تنظر للنواحي الدينية والاخلاقية وأعتقد أن التوازن بين الدين والاخلاق والماديات لدى الشاب هو المطلوب فإذا كان غنيا لكن لا خلق له فنرفضه وإذا كانت أخلاقه جيده لكن لا دخل له نرفضه أيضا لأن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ دعا إلى الزواج من يستطيع الإنفاق «من إستطاع منكم الباءة فليتزوج» أما غير القادر فلا يتزوج هذه الامور تحدث خلافات بين الاطراف بالإضافة إلى أن خروج المرأة للعمل والدراسة جعلها تشعر بأنها تعرف الشاب الذي تقدم لها جيدا خاصة إذا كان معها في العمل أو الدراسة وبالتالي فعند رفض أهلها له لا تتناول هذا الرفض ببساطه، والظروف المحيطة الآن بالمجتمع لا تجعلنا نطلق يد طرف على حساب الآخر وإنما لابد من التفاهم والرضا بين كل الاطراف لأن الفتاة هي التي ستتزوج في النهاية ومن حقها أن تقبل أو ترفض ولابد أن يكون لها دور لذلك ولابد من التفاهم بين هذه الاطراف خاصة في ظل ترويج وسائل الاعلام لأفكار معينة فلابد أن يكون هناك لجام يلجم جميع الاطراف وهو الدين والدين يقول: «إذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه» وفي نفس الوقت «من إستطاع منكم الباءه فليتزوج» وبالتالي لابد من تحقيق التوازن فلا يصح أن أزوج ابنتي لشخص متدين لكنه لا يستطيع الإنفاق عليها ولا يصح أن أزوجها لشخص معه المال لكنه لا يصلي فمثل هذين الشخصين يجب أن نرفضهما إذا كنا نريد تحقيق مراد الشرع. خاتم حديد ـ بعض المتدينين يقعون في خطأ ويزوجون الفتيات لشباب لا يستطيعون الإنفاق حتى على أنفسهم ويستندون إلى حديث رسول ـ صلى الله عليه وسلم: «التمس خاتما ولو من حديد» فماذا تنصحين هؤلاء؟ عندما تأتي إلى فتاة وتذكر لي مثل هذا الكلام أقول لها صلي صلاة الإستخارة وفي الغالب بعد الإستخارة تكتشف الحقيقة وتعود إلى الواقع وإذا أصر ولي الأمر على رفض مثل هذا الشباب الذي لا يمتلك شيئا فهذا حقه وبالنسبة لقصة الحديث النبوي المتعلق بخاتم الحديد فلابد أن يؤخذ الحديث ككل فهذه المرأة لم تكن تجد زوجا وعرضت نفسها على رسول الله فهذه نوعية محددة من النساء ولا نستطيع تعميم ذلك على كل النساء وإلا إذا كان هذا هو الحال فلماذا حدد النبي الزواج وربطه بالإستطاعة إذن هذه حالات خاصة ولا يجب تعميمها فالاصل في هذه الامور ما ورد عن رسول الله قولا ولا يجب أن تأخذ هذه الامور في عجالة فلا أستطيع أن أزوج بنتي إلا لمن يستطيع الإنفاق عليها ليس بنفس المستوى الذي تعيش فيه في بيت أبيها ولكن الحد الأدنى بحيث يكون لديه وظيفة ودخل معقول وأن تكون الفتاة مستعدة للتعاون مع زوجها والتدرج معه فإذا رفض الاب في تلك الحالة ـ رغم أن الشاب على خلق ـ فإنه يكون متعسفا وهناك حالات غريبة فأذكر أن زوجا جاء لأحد الدعاة وقال له أن زوجتي تطيعني وتخدمني ولا ترفض لي طلبا لكن والدي طلب مني أن أطلقها فقال له الشيخ أطع أباك دون أن يسأل عن هذا الأب وعن أخلاقه استنادا إلى الحادثة المشابهة التي أمر فيها عمر بن الخطاب ابنه بأن يطلق زوجته وكأن هذا الداعية يساوي بين سيدنا عمر وبين هذا الاب الذي لا يعرف أخلاقه، فتطبيق ونقل الاحكام بتلك الصورة العمياء واحدة من المشكلات التي يقع فيها الشباب المتدين فهؤلاء شأنهم شأن الذي يأخذ الرواه من الصيدلي وليس من الطبيب فصحة الحديث ليس كافيا لنبني عليه حكما لأنه قد يكون هناك حديث آخر يعارضه أو ربما يكون قد نسخ أو أنه خاص وليس عاما فهذه الامور لابد أن تدرس وتقدر بقدرها ونعرف أقوال العلماء فيها ولا نأخذ بظواهر الأحاديث ثم نصدر أحكاما ونلتزم بتنفيذها فالأمر أعمق من ذلك بكثير. الثقافة الدينية ـ هل المرأة المسلمة المعاصرة لديها القدر الكافي من الثقافة الدينية أم إنها رغم التعليم الجامعي وغير الجامعي إلا أنها جاهلة من الناحية الدينية؟ ـ الإجابة على هذا السؤال تنطبق على الرجل والمرأة،الثقافة الدينية سواء للمرأة أو الرجل لا نزال في حاجة إلى مجهود كبير جدا حتى نصل إلى الحد الأدنى فما هو معلوم من الدين بالضرورة أصبح مجهولا داخل بلاد المسلمين بعض السيدات عندما أشرح الغسل والوضوء يكتشفن أنهن كن يغتسلن ويتوضأن بطريقة خاطئة وأيضا هناك الكثير من السيدات تجهل أن عليها قضاء الصيام في الأيام التي تضطر لإفطارها في رمضان لعذر شرعي أيضا يقع الرجل في عمليات البيع والشراء في الأخطاء الشرعية وهو لا يدري ونحن نحاول بقدر المستطاع نشر الثقافة الدينية بين الناس. ـ كيف فكرت في العمل في مجال الدعوة ؟ وهل تعلمت في الأزهر؟ ـ أنا لم أتعلم في الأزهر ولم يكن يدور في ذهني في يوم من الأيام أنني سأعمل في هذا المجال لكن هذا قدري ولا أتذكر متى بدأت العمل بالدعوة فمنذ كنت طالبة في المرحلة الثانوية كنت أتابع دروس الدكتور عبد الحليم محمود والشيخ فتح الله بدران والشيخ صلاح أبو إسماعيل رحمهم الله وكنت أتمتع بملكة الحفظ وحب القراءة وكل شئ أسمعه أبحث عنه في الكتب وأدرس الآراء المختلفة وأذكر أنه في إحدى الحصص لم تكن المدرسة موجودة فأخذت أشرح للطالبات جانبا مما كنت أسمعه من العلماء فأبدت المدرسة ـ بعد أن إستمعت إلى جزء من حديثي ـ إعجابها بأسلوبي وقدرتي على الإقناع وشجعتني وفي كثير من الحصص كانت تطلب منى القاء درس قصير .