الثلاثاء 21 رمضان 1423 هـ الموافق 26 نوفمبر 2002 تكاد صناعة السجاد أن تكون ابتكارا إسلاميا توصلت إليه قبائل الرعاة الرحل في سهوب آسيا، وقد بدأ هذا الابتكار فيما يبدو على أيدي قبائل الترك، التي اعتادت أن تفرش أرضيات خيامها في مضاربها الشتوية بقطع من جلود حيوانات الرعي بعد ذبحها، ومع ارتفاع معدل تحضرها وإتساع مساحات الخيام لم تعد هذه الجلود الصغيرة قادرة على الوفاء بالغرض المطلوب من فرشها، ولذا فقد توصلت باستخدام الأنوال الأفقية الصغيرة الحجم والرأسية أيضا إلى وضع وبر الصوف حول خيوط نسج قوية طويلة وعرضية ( سداة ولحمة) بحيث تقبض في تماسكها بهذه الوبرات . ويمكن القول بأن الابتكار التركي الأول للسجاد لم يكن سوى إعادة صياغة صناعية لجلود الحيوانات ذوات الوبر ولكن بأحجام وألوان يمكن التحكم فيها إلى ما لا نهاية. ورغم التوصل لهذا الابتكار الأول قبل الإسلام إلا أن صناعة السجاجيد لم تزدهر سوى في العصر الإسلامي. ومن اللافت للنظر أن صناعة السجاجيد الإسلامية قد ازدهرت بصفة خاصة في الأقاليم الواقعة في خطوط العرض الشمالية مثل تركيا وإيران حيث تتوافر المراعي الخضراء ويجود الصوف بأنواعه في تلك المناطق الجبلية الباردة فيكون طويلا لامعا ناعما بينما يكون قصيرا خشنا في المناطق الحارة والمدارية. وتتميز السجاجيد الإسلامية التي انتجتها مختلف المدن التركية بأن وبرها المخملي مستقل عن «الرقعة» ونعني بالرقعة ذلك النسيج العادي المؤلف من خيوط عرضية وطويلة تعرف بالسداة واللحمة، أما الخميلة «فخصل مستقلة من الصوف الممشوط تعقد من أواسطها على خيوط السداة وذلك على النقيض من السجاد الأوروبي فالخميلة فيه تكون من الرقعة إذ أنها ليست الإنتوءات خرجت بها خيوط الرقعة على مستوى الرقعة نفسها. وقد اقبل النساجون الاتراك على استخدام العقدة الفارسية في تثبيت خصل الصوف في سجاجيدهم وفي هذه العقدة تلتف الخصلة وراء خيط واحد من السداة ولا تلتف حول جارة وإنما تحتضنه من تحته احتضانا وفي كلتا الحالتين من التفاف واحتضان ينتهي طرفاهما فوق الرقعة في مكانهما من الخميلة، ذلك في الوقت الذي اقبل فيه الإيرانيون على استخدام العقدة التركية في صناعة سجاجيدهم. ولما كانت أقدم سجادة في العالم قد اكتشفت في مدينة طرفان بآسيا الصغرى، كان من الطبيعي أن يواصل الأتراك في ظل الإسلام عملهم المبدع الذي أخرج ألوانا من الطنافس تعد في واقع الأمر من أبدع السجاجيد الشرقية، وتعد بعض أنواع السجاد التركي المنتج في هضبة الأناضول من اشهر السجاجيد التي عرفها العالم، فهذه الهضبة وفيرة المراعي يجود الصوف في جوها البارد وأرضها الجبلية، كما توجد على مقربة من مراكز النسج مياه خالية من الأملاح يغسل الصوف فيها فتجود صباغته بعد ذلك. وقد ابدع الأتراك في استنباط الاصباغ التي أعطت رونقا خاصا وطابعاً مميزا لسجاجيدهم، فكانوا يستنبطون الصبغات الطبيعية المشتقة من النباتات وجذورها، فالأزرق من نبات النيلة والأصفر من الكركم أو الزعفران والبني من جذور نبات الفوة ( الأصم ولكن يبقى تفردهم المميز في استخدام اللون الاحمر القاني والذي يتم استخراجه من دودة القرمز، وكانت أعدادها في تركيا هائلة وتعيش هذه الديدان على جذور شجر البلوط ويتم جمعها من تربة هضبة الأناضول ثم تغلى لمدة طويلة لاستخراج اللون الاحمر القرمزي. وعلى مر العصور تميزت السجاجيد التركية بوجود ساحة أو أرضية تتوسط السجادة فيها الرسم الرئيسي ويحيط بها إطار قوامه أشرطه تختلف في العدد والعرض بحسب نوع السجادة، فالساحة الوسطى تشتمل على رسم هندسي بسيط مكرر أو على أشكال صغيرة متعددة الأضلاع مكررة في صفوف ومناطق منظمة. أما الإطار فمتوسط العرض وزخرفته من أشكال هندسية أو حروف كوفيه غير مقروءة، وقد ظل هذا الطابع البدوي التجريدي غالبا على منتجات السجاد التركي حتى بعد استخدام رسوم الحيوانات والطيور حيث كانت تبدو بعيدة عن الطبيعة وقوامها خطوط مستقيمة تجعلها أشبه بمجموعة من الأضلاع والزوايا. ونظرا للطابع الشرقي المميز للسجاجيد التركية فقد كان الاقبال متزايدا على شرائها في أسواق الغرب الأوروبي ويؤيد ذلك أن أغلب اللوحات التي رسمها المصورون الأوروبيون للتجار والشخصيات الشهيرة في أوروبا خلال عصر النهضة كانت تضم في خلفياتها صورا لسجاجيد تركية مثلما نرى في لوحات «جيوتو» و«ومنكودي بازتولو» و«الهواندي جان فان أيك»، وقد ذاعت شهرة نوع من السجاد التركي تميز بوجود كتابات كوفية غير مقروءة في إطار في كتابات مؤرخي الفنون حيث صار يعرف بسجاجيد هولباين لكثرة ما حرص هذا الفنان الهولندي على إظهاره في خليفات لوحاته. ومن المعروف أن المنطقة الرئيسية لنسج السجاد التركي هي النجاد الواقعة في الأناضول على مقربة من شواطئ البحر الأبيض المتوسط مثل مناطق عشاق وجورديز وقولا ولاذيق ثم اصبحت مدينة أزمير الساحلية منذ القرن العاشر الهجري ( 16م) قاعدة رئيسية لتصدير هذه السجاجيد إلى أنحاء أوروبا. ومن السجاجيد التركية نوع يعرف باسم الطنافس ذات الطيور وتتميز بزخارف ذات الطابع الهندسي وأرضية بيضاء وفيها رسوم زهور ووريدات وزخارف توريت (أرابيسك) محرفة عن الطبيعة ويبدو بعضها أحيانا كأنه رسم طير ذي رأسين في اتجاهين مختلفين وهناك أيضا نوع من السجاد يعرف باسم الزخرفة الصينية الشهيرة (تشينتاماني) والتي تسمى أحيانا زخرفة «البرق والكور» أو زخرفة « السحب والاقمار» وذلك لان الرسم الذي يتكرر في أرضية السجاد يتألف من ثلاث كور رسمت على هيئة مثلث وتحتها خطان صغيران ضيقان فيهما تعرج بسيط مما يجعلها أشبه برسوم السحاب الصيني (تشى). وتنسب إلى مدينة « عشاق » التركية أنواع شتى من السجاجيد المختلفة الزخارف والألوان و أشهر أنواع سجاجيد عشاق سجاجيد كبيرة خشنة النسج تحتوي في وسطها على جامة أوصرة بيضة الشكل وفي كل ركن من أركان حقل السجاد ربع جامة أخرى ويشبه ذلك النوع بعض السجاجيد الإيرانية المعروفة بذات الميدالية والتي شاع إنتاجها في العصر الصفوي، ولعل ذلك قد حدث بسبب تأثير الصناع الإيرانيين الذين وفدوا على منطقة عشاق وتركوا أثراً واضحا في منتجات السجاد والخزف وبلاطات القاشاني أيضا. ويندر أن يطاول إقليم في العالم الإسلامي تركيا ومدنها المختلفة في إنتاجها المتميز والمتنوع من سجاجيد الصلاة وأهم أصنافها سجاجيد تراتسلفانيا ( الافلاق والبغدان ) التابعة الآن لرومانيا وهي تمتاز بزخارفها الهندسية وألوانها المتناسقة ومعظم سجاجيد الصلاة التركية النفيسة ينسب إلى مدينة جرديز أما تلك السجاجيد التي تبعد زخارفها عن الطبيعة فتنسب إلى مدينتي قولا ولاذيق. وتنسب بعض سجاجيد الصلاة إلى مدينة عشاق وقد راجت رواجا واضحا في أوروبا ذاتها حيث كان الأثرياء يعلقونها على جدران قصورهم وهذا ما تؤكده اللوحات الزيتية التي رسمها مصورون أوروبيون لبيوت الأغنياء في القرنين 16 و 17 م. ومن المعلوم أن أنواعا شتى من سجاجيد الصلاة كانت تنتج بأعداد كبيرة في تركيا ومنها سجاجيد الصلاة الفردية الصغيرة الحجم والسجاجيد الجماعية ذات المحاريب المتعددة وقد عرفت هذه الأخيرة باسم (سجاجيد الصف، وأهم ما يميز مختلف أنواع سجاجيد الصلاة ويكسبها هذه التسمية رسوم المحاريب في الجزء العلوي منها وكأنها محاريب المساجد. ومن سجاجيد الصلاة في عشاق واحدة كانت ضمن مجموعة النبيل المصري شريف صبري قبل أن تنتقل لملكية متحف الكويت الوطني وتبلغ مقاييسها 234 * 139 سم وهي سجادة ذات خمل من الصوف الأحمر والأزرق والأخضر والكريمي والبني وتتميز بعقدتها التركية المؤلفة من خيوط صوفية حمراء اللحمة وصفراء شاحبة في السداة ويعود تاريخ إنتاجها إلى القرن الحادي عشر الهجري (17م). وتتشابه سجادة صلاة عشاق تلك مع الطنافس الكبيرة المنسوبة لهذه المدينة سواء من حيث الألوان والزخارف أو من ناحية التصميم العام. وخلافا لبقية أنواع سجاجيد الصلاة التركية فإن لهذه السجادة محرابين متماثلين من أعلى ومن أسفل تتسنى الصلاة عليهما من أي طرف. وعقد المحراب الذي يتخذ هيئة المقرنصات ولكن بطريقة زخرفية ذات طابع تجريدي حيث تتدلى ثريا جرى التعبير عنها بطريقة اصطلاحية تغلب عليها الروح الزخرفية. وفي وسط حقل السجادة الأحمر اللون توجد جامعة هندسية متعددة الأضلاع نسجت باللون الأصفر وبوسطها زخارف هندسية باللونين الأحمر والبني وقد تناثرت حولها رسوم أشكال نجمية. أما إطار السجادة فأرضية زرقاء بينما نسجت زخارفه بالأصفر والاحمر والكريمي مع بعض لمسات باللون الاخضر. وزخارف الإطار عبارة عن وحدات تتكرر بانتظام مع تغيير لون الوحدة الزخرفية الرئيسية بالتبادل بين اللونين الأصفر والأحمر. والوحدة الزخرفية التي اتخذها النساج محورا لتوزيع رسوم الإطار على تحوير هندسي هي لعنصر السحاب الصيني المعروف باسم (تشي) ويعد استخدام هذا العنصر المعروف في الفنون الصينية من الصفات المميزة للسجاجيد المصنوعة في منطقة عشاق اثناء القرنين العاشر والحادي عشر للهجرة ( 16 - 17 م) وإلى جانب عنصر السحاب استخدم النساج ذات الأشكال النجمية التي تدور حول جامة حقل السجادة إضافة إلى رسوم وريدات مختلفة تخرج من أعضائها وقد رسمت جميعها بطريقة هندسية بحته. د. احمد السيد محمد