الثلاثاء 21 رمضان 1423 هـ الموافق 26 نوفمبر 2002 مازال حديثنا موصولا مع سورة «الأنعام» تلك السورة التى اشتملت آياتها على ألوان من الإجابات الحكيمة، التى لقنها الله ـ تعالى ـ لنبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليرد بها على أولئك الجاحدين للحق، والذين كانوا أحيانا يطلبون أن يجعلوا بينهم وبين الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ حكما يحكم بينهم وبينه .. ومن الآيات التى قصت علينا ذلك قوله ـ تعالى : «أفغير الله أبتغي حكما، وهو الذى أنزل إليكم الكتاب مفصلا، والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين» (الآية : 114) وقد ذكر لمفسرون فى سبب نزول هذه الآية، أن جماعة من زعماء مشركى قريش قالوا للنبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ : أجعل بيننا وبينك حكما من علماء أهل الكتاب، ليخبرنا عنك بما فى كتبهم من أمرك، فأنزل الله ـ تعالى ـ هذه الآية: والحكم ـ بفتحتين ـ هو من يتحاكم إليه الناس ويرضون بحكمه . والمعنى : قل ـ أيها الرسول الكريم ـ لهؤلاء الجاحدين للحق، أبلغ بكم الجهل والجحود أنكم تطلبون منى أن أجعل بيننى وبينكم حكما عادلا، سوى الله ـ عزوجل ـ الذى خلقنى وخلقكم، لكى يحكم بينى وبينكم، ويبين من هو على الحق منا ومن هو فى ضلال مبين ؟ !! وقوله ـ تعالى ـ : «وهو الذى أنزل إليكم الكتاب مفصلا» مؤكد لإنكار أن يكون هناك حكم سوى الله ـ تعالى ـ . والمعنى : أفغير الله ـ تعالى ـ أطلب من يحكم بينى وبينكم ، والحال أنه ـ سبحانه ـ هو الذى أنزل إليكم الكتاب مفصلا، أى : مبينا فيه الحق والباطل، والحلال والحرام، والخير والشر، وغير ذلك من الأحكام التى أنتم فى حاجة إليها فى دينكم وفى دنياكم . وأسند ـ سبحانه ـ الإنزال إليهم فى قوله «وهو الذى أنزل إليكم الكتاب مفصلا» لاستمالتهم نحو هذا الكتاب المنزل من أجلهم، ولتحريضهم على قبول حكمه، لأن من نزل الشئ من أجل منفعته، من الواجب عليه أن يتقبل حكمه . ثم أورد ـ سبحانه دليلا آخر على أن القرآن حق فقال : «فالذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلاتكونن من الممترين» . أى : والذين آتيناهم التوراة والإنجيل من قبلك ـ أيها الرسول الكريم ـ يعلمون علم اليقين أن هذا القرآن الذى أنزله الله عليك هوالكتاب الحق الذى لايحوم حوله باطل، لأنهم يجدون فى كتبهم البشارات التى تبشر بك، ومادام الأمر كذلك فاثبت أنت وأتباعك على الحق الذى هداكم الله إليه ، ولاتكونن من المترددين أو الشاكين فى ان أهل الكتاب الذين درسوا كتبهم يعلمون صدقكم، ويعلمون أن هذا القرآن هو منزل عليك بالحق، وأن عدم اعتراف بعضهم بذلك مرده إلى الجحود وإلى الحسد لك على ماآتاك الله من فضله . قال الإمام ابن كثير ـ رحمه الله ـ : «وشبيه بهذه الآية ـ سبحانه ـ فى آية أخرى «فإن كنت فى شك مما أوحينا إليك، فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك، لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين» ثم قال ـ رحمه الله ـ : وهذا شرط، والشرط لايستلزم الوقوع، ولهذا جاء عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال : «لاأشك ولاأسأل» . ثم بين ـ سبحانه ـ أن هذا القرآن كامل من حيث ذاته، بعد أن بين أن كماله من حيث إضافته إليه ـ تعالى ـ بكونه منزلا منه بالحق فقال : «وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته، وهو السميع العليم» .أ ى : ولقد كمل كلامه ـ تعالى ـ الذى أنزله عليك ـ أيها الرسول الكريم ـ فى هذا القرآن، وبلغ الغاية فى صدق إأخبار، وفى عدل أحكامه وقضاياه، ولامغير ولامبدل لهذه الكلمات من تحريف أو غيره، والله ـ تعالى ـ هو السميع لكل ما من شأنه أن يسمع، العليم بكل ما يسره الخلق ومايعلنونه . وبعد أن أقام ـ سبحانه ـ الأدلة على وحدانيته، وعلى صدق نبيه محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيما يبلغه عن خالقه، أتبع ذلك بنهيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن الالتفات إلى جهالات أعدائه فقال : «وإن تطع أكثر من فى الأرض يضلوك عن سبيل الله، إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون» أى : وإن تطع ـ أيها الرسول الكريم ـ أكثر أهل الأرض الذين فسقوا عن أمر ربهم، وخرجوا عن طاعته، يضلوك عن الطريق المستقيم، وعن الدين القويم الذى شرعه الله لعباده، لأن هؤلاء المجادلين لك بالباطل، مايتبعون فى جدالهم وفى عقائدهم وفى أفعالهم إلا الظن الذى تزينه لهم أهواؤهم، وماهم إلا يخرصون ويكذبون . وأصل الخرص: القول بالظن، يقال: خرصت النخل خرصا، أى : قدرت ثمره بالظن والتخمين دون تحقق وتأكد . واستعمل هذا اللفظ فى الكذب لما يداخله من الظنون الكاذبة . ثم ختم ـ سبحانه ـ هذه الإرشادات لنبيه محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقوله : «إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين» . أى: إن ربك الذى لاتخفى عليه خافية ـ أيها الرسول الكريم ـ هو أعلم منك ومن سائر خلقه بمن ضل عن طريق الحق، وهو أعلم منك ومن سائر خلقه ـ أيضا ـ بالمهتدين ـ السالكين صراطه المستقيم، فعليك ـ أيها الإنسان العاقل ـ أن تكون من فريق المهتدين، لتسعد كما سعدوا، وأحذر أن تركن إلى فريق الضالين، فتشقى كما شقوا، وتخسر كما خسروا . فهذه الآية الكريمة تقرير، وتأكيد للآية السابقة، وتأكيد لما يفيده مضمونها من وجوب الثبات على الحق . وبذلك تكون هذه الآيات الكريمة قد قررت أن الله وحده هو الحكم العدل، وأن كتابه هو المهيمن على الكتب السابقة، وأن أهل الكتاب يعرفون ذلك كما يعرفون أبناءهم، وأنه ـ سبحانه ـ قد تكفل بحفظ كتابه، وأن الطبيعة الغالبة فى البشر هى اتباع الظنون والأوهام ، وأن الله ـ تعالى ـ وحده هو الذى يعلم الضالين والمهتدين من عباده