الاثنين 20 رمضان 1423 هـ الموافق 25 نوفمبر 2002 أشار القرآن إلى أن استخلاص الفلزات من معادنها يتم بصهرها فى أفران خاصة، حيث يتم رفع درجة الحرارة فيها إلى الدرجة التى تنصهر عندها الخامات المعدنية، التى تحتوى على هذه الفلزات والشوائب والمواد غير المرغوب فيها، والتى تعرف باسم الخبث أو الزبد، وهى تلك التى تطفو على سطح المادة المنصهرة حينما يتجمع الفلز فى القاع حيث يمكن سحبه على فترات وصبه فى قوالب منتظمة لتعطى أشكالاً وصوراً مختلفة من الأدوات التى يمكن للإنسان أن يستخدمها في شئون حياته، وقد عبر القرآن الكريم عن استخدام الانسان للنار فى صهر الفلزات التى تستخدم فى صناعة الحلى والأدوات والمعدات، وذلك فى الآية: ( ومما يوقدون عليه فى النار ابتغاء حلية او متاع). [سورة الرعدالآية: 17]. ولقد أشار القرآن الكريم إلى فلزات أربعة هى الحديد والنحاس والذهب والفضة. أولاً: الحديد قال تعالى: (وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس). وقال: (وألنا له الحديد، أن اعمل سابغات وقدر فى السرد واعملوا صالحاً إنى بما تعملون بصير ). أشارت الآيات إلى أن الحديد ذو بأس شديد ومنافع للناس وليس أدل على ذلك من امتياز الحديد وسبائكه المتنوعة بخواص متعددة ومتفاوته الدرجات فى مجال الحرارة والشد والصدأ والبلى وفى تقبل المرونة والمغناطيسية وغيرها.. ولذلك كان أنسب الفلزات لصناعة أسلحة الحروب وأدواتها وأساساً لجميع الصناعات الثقيلة والخفيفة التى هى دعامة للحضارات المادية. وللحديث منافع أخرى جمة للكائنات الحية، إذ تدخل مركبات الحديد عملية تكوين الكلوروفيل وهى المادة الأساسية فى عمليات التمثيل الضوئى التى ينشأ عنها تنفس النباتات، وتكوين البروتوبلازم الحى، وعن طريقه يدخل الحديد جسم الإنسان والحيوان. ومن الإعجاز العلمى فى الآية.. «وأنزلنا الحديد» أنه قد ثبت أن هناك أنواعاً من النيازك التى تتساقط على سطح الأرض تبلغ نسبة الحديد الفلزى فيها نحو91% كما توجد أنواع أخرى تقل فيها نسبة الحديد إلى حوالى 35%. ولقد كان المفسرون القدامى يقصرون معنى الإنزال على الخلق.. كما كان من الشائع بين الكيميائيين أن الحديد لا يتواجد على سطح الأرض فى صورة منفردة، بمعنى أنه يتواجد فقط على شكل مركبات كيميائية كالأكاسيد والكبريتيدات. ولم يتوصل العلم إلى الآن إلى اكتشاف فلز أو معدن له خواص الحديد بأسه وقوته ومرونته وشدة تحمله.. ومن ذلك نجد أن الحديد له شأن خطير فى الحياة ولذا سميت سورة باسمه فى القرآن للإشادة بأهميته. ثانياً: النحاس: قال تعالى: (يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران) إن الإنسان قد توصل إلى صنع نوع خاص من الذخيرة المضادة للدبابات تعرف باسم «الحشوة الجوفاء».. وتعتمد نظرية عملها على تجميع الموجات الانفجارية الناتجة من تفجيرالمادة المحطمة داخل المقذوفات أو الصواريخ فى نقطة واحدة هى البؤرة. وقد وجد خبراء المفرقعات أن استخدام النحاس كمادة مبطنة للمادة المحطمة فى هذا النوع من الذخيرة، يزيد من كفاءة اختراق المقذوفات للدروع السميكة للدبابات والعربات المجنزرة.. ولم يتواصل الإنسان بعد إلى معدن آخر يضاهى النحاس فى هذا المجال عمليا واقتصاديا.. وأى خبير فى الذخيرة يدرك أن قوله تعالى: (شواظ من نار ونحاس) ينطبق تماماً على نواتج تفجير مقذوفات «الحشوة الجوفاء» التى تستخدم ضد المدرعات. والشواظ - فى اللغة - لسان اللهب.. ومن البديهى أن المقذوفات من تلك المادة تكون شديدة جداً. ولذا فإن ورود ذكر النحاس فى القرآن يعد شيئاً علمياً كبيراً فى مجال المقذوفات. ثالثاً: الذهب والفضة: قال تعالى: (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسمومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المئاب). وقال: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها فى سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم يوم يحمى عليها فى نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ماكنزتم لأنفسكم فذوقوا ماكنتم تكنزون). نظراً لأن الذهب والفضة لهما منزلة كبيرة عند البشر فإن الصراع كان دائماً بين بنى البشر من أجل تملك هذين المعدنين ولذلك كان التحذير لمن غرتهم الحياة الدنيا، وجذبهم رنين الذهب وبهاء الفضة.. ومن الإعجاز العلمى فى عقاب هؤلاء.. أن المراكز الحسية والعصبية للإنسان تتواجد فى الجلد، ولذلك فإن كى الجباه والجنوب والظهور يمثل نوعاً من أقسى أنواع العذاب الجسدى، خاصة وأن الذهب والفضة يتميزان بقدرتهما الكبيرة على توصيل الحرارة وامتصاصها، ومما يزيد هذا العذاب الجسدى ضراوة عذاب نفسى يتمثل فى أن هذين المعدنين اللذين كانا طوع يد الإنسان فى الحياة الدنيا قد تحولا إلى مصدر للألم فى الآخرة. وعلى النقيض من ذلك تشير آيات أخرى إلى النعيم الذى ينتظر المؤمنين فى جنة الخلد قال تعالى: (إن الله يدخل الذين أمنوا وعملوا الصالحات جنات تجرى من تحتها الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤاً ولباسهم فيها حرير) وقال: (وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شراباً طهوراً) والآيات الكريمة السابقة تتحدث عن النواحى التى تستخدم فيها الذهب والفضة.. فمنها تصنع الأساور والأوانى والصحاف والأكواب.. وتجدر الإشارة إلى أن الذهب لا يعتريه الصدأ كالحديد، ولا يتفاعل مع الرطوبة والهواء كالنحاس.. ولا يتأثر بالأحماض كباقى المعادن، ومن ثم فلا خوف على الطعام أو الشراب الذى يوضع فى الأوانى والأكواب والصحاف من التلوث وكذلك الأمر بالنسبة للفضة فهى تقاوم التأكسد.. كما تفيد الفضة فى قتل الجراثيم والكائنات الدقيقة. وقد أثبت العلم الحديث أن جزءاً واحداً من الفضة يكفى - إذا وضع فى مصفاة - لقتل الجراثيم الموجودة فى عشرة ملايين جزء من الماء دون أن يسبب خطراً على حياة الإنسان.. كما أن ملعقة صغيرة من الفضة تطهر أكثر من 36 مليار لتر ماء وبذلك تفوق فاعلية الفضة فى تعقيم المياه فعالية الكلور عشرة أضعاف. ... وبالإضافة إلى قيمة الفضة فى تطهير الغذاء والشراب فإن الفضة هى أيضاً موصل للكهرباء والحرارة حيث أثبت العلم الحديث أنه إذا أعطينا الفضة رقم 100 فسوف نجد أن المعادن الأخرى لها قيمة فى نقل الحرارة مثل: الفضة، النحاس، الذهب، الزنك، الحديد، البلاتين، الرصاص، البزموت. ولهذا استخدمت الفضة فى امتصاص الطاقة الشمسية حديثاً.. وقد قام العلماء فى مختبر أوديو للطاقة الشمسية فى جبال البيرنية بفرنسا باستخدام صفوف من المرايا الفضية المغطاة بطبقة رقيقة من الزجاج لعكس نور الشمس مركزاً داخل فرن ضخم تبلغ درجة حرارته 3800 درجة مئوية، ويمكن لهذه الحرارة العالية أن تذيب طبقاً فولاذياً سمكه 5ر31 ملليمتر والأهم من ذلك أن الحرارة الناتجة لا تلوث الجو وكأن ذلك هو ماأشار القرآن إليه حين قال: (ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون ) وهذا ما أثبته العلم الحديث بإمكان استغلال الطاقة الشمسية عن طريق المرايا الفضية.. وبذلك يمكن القول بأن صفوف المرايا الفضية التى توضع على سطح المبانى والمنشآت بوجه عام، هى السقف التى أشار إليها القرآن الكريم وتنبأ بها منذ أربعة عشر قرناً.