الاثنين 20 رمضان 1423 هـ الموافق 25 نوفمبر 2002 من أبرز الموضوعات التى اهتمت سورة «الأنعام» بتفصيل الكلام عنها: موضوع سرد شبهات المشركين كما تفوهوا بها، ثم الرد عليهم بما يزهق هذه الشبهات، وبما يزيد المؤمنين إيمانا على إيمانهم. لقد أقسم المشركون بأغلظ الأيمان بأن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لو جاءهم بما يريدون من معجزات كونية، بأن يأتى لهم بالأنهار الجارية، وبأن يحول لهم أحجار الجبال إلى ذهب، وبأن يصعد أمامهم إلى السماء ، ثم ينزل عليهم كتابا يشهد بأنه رسول من عند الله..أ قسموا بأنه لو فعل ذلك لآمنوا به وصدقوا ، فنزل القرآن ليرد عليهم بما يقنع كل عاقل بأن مطالبهم هذه فى ذاتها متعنتة، لأنها ليست من وظيفة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأنهم حتى لو أجيبوا إلى مطالبهم فلن يؤمنوا ، وبأنهم كاذبون فى أيمانهم الفاجرة ، لأن كفرهم ليس سببه عدم الدليل على صدق النبى ـ صلى الله وسلم ـ وإنما كفرهم سببه الأكبر العناد والحسد والجحود للحق... ولذا جاء الرد عليهم بقوله ـ تعالى ـ «ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى، وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ، ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله، ولكن أكثرهم يجهلون ». [الآية: 111]. والمعنى : ولو أننا يامحمد لم نقتصر على تحقيق ما اقترحه هؤلاء المشركون عليك، بل أضفنا إلى ذلك أننا نزلنا عليهم الملائكة ليشهدوا بصدقك ، وأحيينا لهم الموتى فشهدوا بأنك رسول من عند الله ـ تعالى ـ لهدايتهم، وزدنا على كل ذلك أن جمعنا لهم جميع الخلائق فقابلوهم وواجهوهم بأنك على الحق.. لو أننا فعلنا كل ما حدثناك عنه لما آمنوا، لسوء استعدادهم، ولفساد فطرتهم، ولاستحواذ الشيطان عليهم، والذى ينقصهم ليس قلة الدلائل على صدقك ، فأنت عندهم الصادق الأمين، ولكن الذى ينقصهم هو القلب الحى الذى يتلقى ويتأثر ويستجيب ، وليس الآيات التى يقترحونها فإن أمامهم الكثير منها، واقتراحاتهم إنما هى نوع من العبث السخيف، ومن التعنت المرذول ، فلا تلتفت إليه. وقوله ـ تعالى ـ «ماكانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله» هو الجواب على مقترحاتهم السخيفة ، أى، : ولو حققنا لهم كل مطالبهم ، ما كانوا ليؤمنوا فى حال من الأحوال إلا فى حال مشيئة الله إيمانهم ، لأنه ـ سبحانه ـ هو القادر على كل شيء، ولكن الله ـ تعالى ـ لم يشأ ذلك لأنهم زاغوا عن الحق، وأنكروه عن جحود. وقوله ـ عز وجل ـ «ولكن أكثرهم يجهلون» استدراك المقصود منه توبيخهم على جهالاتهم وانطماس بصائرهم.أ ى: ولكن أكثر هؤلاء المشركين يجهلون انهم لو أجيبت لهم مطالبهم لما آمنوا لاستيلاء الحسد والجحود على قلوبهم، لذلك فهم يحلفون بالايمان المغلظة كذبا وزورا. ثم ساق ـ ـ سبحانه ـ ما يسلى رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن تعنت المشركين وتماديهم فى الباطل، ببيان أن كل نبى كان له أعداء يسيئون إليه، ويقفون عقبة فى طريق دعوته فقال : «وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا شياطين الإنس والجن» والمعنى : وكما جعلنا لك ـ أيها الرسول الكريم ـ أعداء يخالفونك ويعاندونك، جعلنا لكل نبى من الأنبياء الذين سبقوك أعداء يسيئون إليهم، ويحاربون دعوتهم، فلاتحزن ـ أيها الرسول الكريم ـ بسبب ماتلقاه من هؤلاء الجاهلين من سفاهات . قال ـ تعالى ـ : «مايقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك، إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم» (فصلت : 43) وقال ـ سبحانه ـ وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا» (الفرقان : 31) والمقصود بشياطين الإنس والجن: كل عات متمرد من النوعين، لأن لفظ «الشيطان» يطلق على كل من ابتعد عن إخلاص العبادة لله ـ تعالى ـ وفسق عن أمر ربه .ثم بين ـ سبحانه ـ بعض عداوات هؤلاء الشياطين من الإنس والجن فقال : «يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا» ولفظ «يوحى» مأخوذ من الوحى، بمعنى الإعلام والإخبار عن الأشياء من طريق خفى سريع . وزخرف القول : يطلق على الباطل منه، والغرور : الخداع والتمويه وأخذ الغير على غرة وغفلة أى : أن هؤلاء الشياطين من الإنس والجن، يلقى بعضهم إلى بعض بطرق خفية، القول المزين الذى حسن ظاهره، وقبح باطنه، لكى يخدعوا به الضعفاء والسفهاء، ولكى يصرفوهم عن الخير إلى الشر، وعن الحق إلى الباطل . وقد ثبت أن النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمر أتباعه بأن يستعيذوا بالله من شياطين الإنس والجن، ففى الحديث الشريف عن أبى ذر الغفارى ـ رضى الله عنه ـ أنه قال : أتيت النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ فى مجلس قد أطال فيه الجلوس فقال لى : ياأبا ذر هل صليت ؟ فقلت : لا يارسول الله، فقال : «قم فصل» ثم جئت إليه بعد الصلاة فجلست فقال لى : (ياأبا ذر هل تعوذت بالله من شياطين الجن والإنس»؟ فقلت : لا يارسول الله، وهل للإنس من شياطين؟ فقال: نعم، وهم شر من شياطين الجن) ثم ختم ـ سبحانه ـ الآية الكريمة بقوله : «ولو شاء ربك مافعلوه فذرهم وما يفترون» أى : ولو شاء ربك ـ أيها الرسول الكريم ـ ألا يفعل هؤلاء الشياطين مافعلوه من عداوة الأنبياء ومن الإيحاء بالقول الباطل، لتم له ذلك ، لأنه ـ عز وجل ـ هو صاحب المشيئة النافذة، والإرادة التامة، ولكنه ـ عز وجل ـ لم يشأ ذلك، لاستحبابهم العمى على الهدى، ولكى يتميز الخبيث من الطيب، فدعهم ـ أيها الرسول الكريم ـ ومايفترون من الكفر وغيره من ألوان الشرور، فسوف يعلمون سوء عاقبتهم . ثم يبين ـ سبحانه ـ أن الذين ينقادون لما يوسوس به شياطين الإنس والجن إنما هم ضعفاء النفوس ومرضى القلوب فقال : «ولتصغى إليه أفئدة الذين لايؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ماهم مقترفون» . وقوله «ولتصغى» من الصغو بمعنى الميل، يقال : صغى فلان الى فلان، أى: مال إليه ليسمع منه مايقوله . أى : هؤلاء الشياطين من الإنس ومن الجن يوحى بعضهم إلى بعض بالقول الكاذب، لتميل إليه قلوب الذين لايؤمنون بالآخرة، وما فيها من ثواب وعقاب، وليرضوا هذا السلوك الخبيث لأنفسهم، وليكتسبوا ماهم مكتسبون من الأقوال السيئة والأفعال القبيحة، أما أصحاب الإيمان القوى، فإنهم قد حصنوا أنفسهم بذكر الله ـ تعالى ـ وطاعته، ونسأله ـ سبحانه ـ أن جميعا منهم