الاثنين 20 رمضان 1423 هـ الموافق 25 نوفمبر 2002 من الاتهامات الباطلة التي ألصقت في الدين الاسلامي ويروج لها أعداء الاسلام والمشككون من كل صوب هي: ان الاسلام هو السبب الرئيسي في تخلف المسلمين والواقع المنظور هو خير دليل اذ تقع جميع الدول الاسلامية، بلا استثناء بين مصاف دول العالم الثالث والنامي والمتخلف مما يدلل على صحة هذه التهمة والتي هي في حقيقتها خالية تماما من الصحة اذ انه ليس من الانصاف تحميل الاسلام ذنب تخاذل وتراجع المسلمين.. ولكن على العكس فاننا نجد أن ابتعاد المسلمين عن تعاليم دينهم وعن التمسك بجوهر الاسلام وشريعته السمحة هو السبب الحقيقي فيما آلت اليه أحوال الأمة الاسلامية وهذا ما أوضحه علماء الاسلام في هذا التحقيق.ففى البداية يرى وزير الأوقاف المصري والمفكر الاسلامي د محمود زقزوق أن الاسلام ابعد ما يكون عن الدعوة الى التواكل وان هذه تهمة تضاف الى سجل المشككين المليء بالزيف والخداع مستنكرا أن يكون الاسلام دين يدعو الى التواكل ومؤكدا على أن من يتأمل في آيات القرآن الكريم يتأكد عن يقين أن الاسلام دين يبحث عن العمل ويدفع الانسان دفعا اليه ومعتبرا العمل هو الحياة، وبدون العمل تتوقف الحياة ومن هنا يربط القرآن في كثير من آياته بين الايمان والعمل الصالح، وهذا العمل الصالح يشمل كل عمل يؤديه الانسان دينيا كان هذا العمل أم دنيويا طالما قصد به وجه الله، ونفع الناس أو دفع الأذى عنهم، كما أن الأمر بالعمل في القرآن واضح لا غموض فيه كما في قوله تعالى وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون .. بل ان القرآن يحث المسلمين على العمل حتى في يوم الجمعة الذي يعد يوم راحة لدى المسلمين .. فاذا قضيت الصلاة .. اى صلاة الجمعة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله .. وأضاف زقزوق أن النبي صلى الله عليه وسلم حث على العمل حتى في آخر لحظة في حياة الانسان ونهاية العالم ومن توجيهاته الخالدة: «اذا قامت الساعة وفى يد أحدكم فسيلة - أي شجيرة صغيرة - فاذا استطاع الا يقوم حتى يغرسها فليفعل .. كما رفض النبي صلى الله عليه وسلم انقطاع بعض الناس للعبادة فى المسجد واعتمادهم على غيرهم فى الحصول على طعامهم وشرابهم وامتدح من يعمل ويأكل من كسب يده، واثنى على اليد العاملة بأنها يد يحبها الله ورسوله. كما كان النبي صلى الله عليه وسلم قدوة المسلمين جميعا بنص القرآن يعمل ويخطط ويتدبر الأمور ويعد لكل شيء عدته ويأخذ الاسباب ثم يتوكل على الله... فالتوكل على الله لا يعني ترك العمل وعدم الاخذ بالاسباب، وانما هو خطوة تالية بعد اعداد كل شيء، ومن شأن هذا التوكل ان يذكر الانسان بالله ويزوده بطاقة روحية تجعله اكثر قدرة على التغلب على الصعاب ومواجهة المشكلات بعزيمة لا تلين فالتوكل على الله اذن قوة ايجابية دافعة وليست سلبية او تواكلا. وأوضح أن التواكل يعنى عدم الاخذ بالاسباب وعدم العمل الاعتماد على ان الله سيفعل كل شيء حسبما يريد، وهذا امر مرفوض فى الاسلام فالله لا يعين انسانا لا يساعد نفسه ولكنه مع من يعمل: ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم، وقد طرد عمر بن الخطاب بعض المتواكلين المنقطعين عن العبادة فى المسجد اعتمادا على ان غيرهم يرعاهم ويقوم بامرهم، وقال كلمته المشهورة «ان السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة»، واستشهد بحديث النبي الذي يقول: «لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدوا خماصا وتروح بطانا» اى اعملوا واعتبروا بالطير التى تخرج فى الصباح سعيا وراء قوتها وبطونها خاوية وتعود اخر اليوم وقد امتلات بطونها. بينما يؤكد فضيلة الشيخ محمد شنن الداعية الاسلامي بمجمع البحوث الاسلامية أن الاسلام لا يعرف التواكل ولا يقره وان مصدر الاسلام الاول هو القرآن الكريم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم وخاتم المرسلين محمد امرا صريحا لا لبس فيه ولا غموض اذا يقول الله مخاطبا اياه صلى الله عليه وسلم «وقل اعملوا فسيروا الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون الى عالم الغيب والشهادة فينبئكم ما كنتم تعملون» ولا تكاد ايه تذكر الايمان الا وتقرنه بالعمل وقد حقق رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا المبدأ عمليا في كل ما كلف به من ربه او اقتضته ظروف الحياة ونذكر على سبيل المثال لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجرة لم يطلب من الله ان يهييء له وسيلة انتقال تعفيه من عناء السفر ومشقة الارتحال وانما بذل قصارى جهده في اعداد ما يلزم للرحلة والاخذ باسباب انجاحها من اعداد رواحل لهذه المهمة واختيار خبير بدروب الصحراء التى سيقطعونها واختيار رفيق لطول الطريق.. الى اخر ما يمكن من اسباب الحذر والحيطة لانها رحلة فرار بدين فيه حياة البشرية وانتشال للانسانية من بؤرة ضلال وكفر والحاد وهكذا كان رسولنا صلى الله عليه وسلم فى كل امور حياته يبذل اقصى مايمكن ان يبذله بشر في سبيل الحفاظ والنجاة بالدعوة ثم يدع النتائج بعد ذلك لتوفيق الله فاين التواكل فى هذا اذن امام هذه النصوص القولية العملية؟ ومن جانبه أوضح الشيخ شعبان عبد الفتاح مدير الفتوى ومتابعة الفكر بوزارة الأوقاف أن الاسلام دين يزامل الفطرة ولا يزايلها ويدعمها ولا يهضمها دين نزل طبق سنن الله في الكون والفطرة ووفق سنن الله في خلقه ونواميسه في كونه أن ترتبط الأسباب بالمسببات وان تتعلق المقدمات بالنتائج ارتباطا وثيقا وتعلقا لا ينفك. وأشار الى أن الاسلام وهو يدعونا الى التوكل ويأمرنا به ويحضنا عليه فانما يستهدف به التوكل بمعناه الحقيقي وجوهره الكامل الذي يستوعب الأسباب والمسببات ويحتوي المقدمات والنتائج والذي يترفع بالمؤمن في كل مظاهره وبواعثه و أعماله عن كل صور العقوبة والادعاء والعشوائية والارتجال الأمر الذي يبدو به الفرق جوهريا وواضحا بين التوكل بمعناه الحقيقي وبين التواكل فالتوكل قوة باعثه وطاقة قاهرة ظافرة تتقن الاعداد والتخطيط وتحسب العائد والعادم وتقارن بين الأرباح والخسائر بينما التواكل بمعناه الحقيقي فهو يدعو الى الكسل والخمول والتوقف ثم الضعف والضياع والتهلكة. وحول خطورة التواكل على الأمة الاسلامية وأهمية التوكل أكد أن تلك مسألة على جانب كبير جدا من الخطورة فكم شكل اعتلال الافهام فيها واختلال السلوك بها اضطرابات كثيرة في حياة الفرد والجماعة في البنية الاسلامية فعاش الناس في شكليات لا صله لها بجوهر الاسلام ونقائه جرت عليهم ابلغ الأضرار وافدح الأخطار.في حين أن الأخذ بالأسباب من التوكل والتوكل على الله لا يكون الا اذا اخذ المؤمنون بكل الأسباب المتاحة وبذلوا في مباشرتها قصارى جهدهم ثم تركوا النتائج على الله ولا بد أنها بعون الله آخذة طريقها الماثل نحو الواقع المشرق الذي يعز الحق ويكبت الباطل فالتوكل بهذا المعنى المشرق الذي دعا اليه ديننا ورغب فيه يعد أسلوبا حيويا من أساليب القوة وسبيل فعال من سبل النصر، ولعل ما وعته الأمة و أحسنت فهمه وربطته بواقع الحياة وسننها و أسبابها سيقودها ان شاء الى عز الدنيا وشرف الآخرة. و أضاف: أن التوكل على الله عز وجل من أعلى القيم والفضائل التي تصف للمؤمنين طريق الله وتضبط اتجاههم الى الحق وتحدد نوعيتهم بين البشر ولما كان المؤمنون منذ بدء الخليقة في صراع دائم مع مناوئيهم من المبطلين و أهل الزيغ والضلال فان واجبهم يقتضي أن يكونوا على أتم الاستعداد و الاهبه حتى يأخذوا سبيلهم الى النصر ومن اعظم الأمور التي تقود المؤمنين الى النصر و تأخذ بأيديهم اليه أن يلوذوا بالله ويلجأوا اليه ويتوكلوا عليه فان فعلوا ذلك وامتثلوه كان الله حسبهم يكف عنهم عدوهم ويكفيهم كيده ومن كانوا كذلك فلا غالب لهم وانما ينقلبوا الى أهلهم بنعمة النصر وفضل الفوز والغنيمة لم يمسسهم من عدوهم كيد ولا أذى وذلك هو الفوز العظيم ويقول الله تعالى في هذا الشأن «ان ينصركم الله فلا غالب لكم وان يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون « وأيضا ان ينصركم الله فلا غالب لكم» والكلام استئناف لبيان وجه وجوب التوكل على الله تعالى بعد المشاورة والعزيمة المبنية على اخذ الاهبة والاستعداد بما يستطاع من حول وقوة «ان ينصركم» أي بالعمل بسنته لكن من خلال القوة والثبات بالاتكال على توفيقه ومعرفته «فلا غالب لكم» أي من الناس الذين نصيبهم حرمانهم من التوكل على الله عرضا للقنوط واليأس و« وان يخذلكم » أي بما كسبت أيديكم من الفشل وعصيان القائد فيما حتم من عمل كما جرى لكم في غزوة أحد أو بالاعجاب بالكثرة والاعتماد على الاستعداد والقوة وهو مخل بالتوكل كما جرى يوم غزوة حنين فقال تعالى « فمن ذا الذي ينصركم من بعده » أي من بعد خذلانه بمعنى انه لا أحد يملك لكم حينئذ نصرا ولا أن يدفع عنكم ضرا « وعلى الله فليتوكل المؤمنون » ولا يتوكلون على غيره لان النصر بيده وهو الموفق لاسبابه وواهبه. فالتوكل انما يكون مع الأخذ بالأسباب وان تركها بدعوى التوكل لا يكون الا عن جهل بالشرع أو فساد في العقل. و أشار الشيخ عبد الفتاح أن كتب التراث تناولت التوكل باعتبار أن محله القلب والعمل بالأسباب محله الأعضاء والجوارح والانسان مسوق اليه بمقتضى فطره الله التي فطر الناس عليها ذلك بان الانسان اذا توكل ولم يستعد للأمر ويأخذ له أهميته بحسب سنه الله في الأسباب والمسببات يقع في الحسرة والندم عندما يخيب ويفوته غرضه فيكون ملوما شرعا وعقلا أما اذا لم يكن التوكل على الله بمعناه الحق ومدلوله الكامل الذي يحتوي مباشرة الأسباب واستصحاب السنن تحول التوكل الى تواكل وكسل وخنوع وضعف وهذا من أوائل ما يبرأ منه الاسلام وبرا المسلمون منه فقال الله تعالي « فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فاذا عزمت فتوكل على الله ان الله يحب المتوكلين » وقال تعالى «يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم.. وقال أيضا «واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل » وقال « وتزودوا فان خير الزاد التقوى » وقال حاكيا عن نبيه يعقوب «يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغني عنكم من الله من شيء ان الحكم الا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون». وحاول الشيخ شعبان أن يختصر معنى التوكل فى أوجز عبارة فقال انه «مقدمة ونتيجة سبب ومسبب» وكان رسول الله حريصا كل الحرص على أن يوضح هذه الحقيقة للمؤمنين ليمارسوا ويأخذوا أنفسهم بها. فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لو انكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا» والمعنى لو صدق توكلكم على الله في سعيكم لفتح لكم أبواب فضله وسخر لكم أرزاقكم كما سخر لأضعف كائن في الأرض وهو الطير التي تخرج من أوكارها صباحا وهى جياع ثم تعود مساء وهى ممتلئة البطون وفيه دلالة على السعي والكسب. وعن انس رضي الله عنه أن رجلا قال: يا رسول الله اعقلها وأتوكل أو أطلقها واتوكل قال: «اعقلها وتوكل» فيؤخذ منه أن الأخذ بالأسباب مطلوب مع التوكل ولا ينافيه لان التوكل محله القلب والأسباب محلها الجسم والجوارح. وأوضح أن ما قدره الله للانسان لا سيما في الأرزاق لابد وانه آت اليه بطلب رزقه كما يطلبه اجله،بيد أن هذا يقتضي ممارسة الأسباب ومباشرة الوسائل لان السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة. وهذا ما أكد عليه سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه حينما قال: «يقعد أحدكم عن طلب الرزق ويقول اللهم ارزقني فقد علمتم أن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة» وقال بعض العلماء لا يشغلك المضمون لك من الرزق عن المفروض عليك من العمل فتضيع أمر اخرتك ولا تنال من الدنيا الا ما قد كتب الله لك». وهكذا يحض الاسلام على العمل الدائم المستمر ثم الاعتماد والتوكل على الله وترك النتائج عليه سبحانه وتعالى وبذلك يضمن المسلم الفوز بالدنيا والآخرة.