الاثنين 20 رمضان 1423 هـ الموافق 25 نوفمبر 2002 الممارسات الشعبية المتوارثة هي المنبع الرئيسي للمرجعية التراثية والتي يحتكم اليها عادة في التأسيس للمعلومة ايا كانت، ولما كانت الاديان اقدم متناقل تاريخي، ممتزج بمنقولات الممارسات تم التمازج بين الروحانية والمادية تلقائيا في منقولات التطبيب الشعبي وادواته كالاعشاب والتحجيم والتضميد وغيره، وقد تبلور هذا التمازج ضمن المتناقلات كواحدة من المسلمات البدهية ـ برغم الطفرات العلمية الهائلة في علوم الطب ورغم انتشار الوعي الديني عبر الزمان. ولعل خطورة هذه الظاهرة اخذت في عصرنا هذا شكلا لا ينبغي الصمت عنه ـ خاصة في منطقتنا العربية والاسلامية، ونأمل ان يكون هذا البحث اضافة او محرضا لمن هم اوسع معرفة على المزيد من التعمق والتحليل سعيا الى صيغة عربية اسلامية تنقذ ما يمكن انقاذه من المعرفة الطبية والدينية وتصد الدخلاء على المجال عن الاستمرار في التضليل وافساد المعارف. ولعل ما يثلج الصدر ان هذا الخلط المتناقل مع التراث في شأن التداوي لم يستطع حجب الكنوز المعرفية في الطب الشعبي برغم ما اشرنا اليه من خطورة في استمراريته ـ عليه فان شاهدنا الرئيسي من هذا التقديم انه لا يمكن تناول التراث العلاجي بالدراسة بمعزل عن الاديان عامة ـ كما انه ليس من الموضوعية تناوله في المنطقة العربية خاصة بمعزل عن المعرفة الاسلامية ـ فانه لارتباط الطب بحياة الانسان وتاريخ وجوده على الارض ارتباطا تزامنيا يصعب تحديد تأريخ او مكان او ثقافة بعينها لبداية الطب. ولكن الاتفاق السائد في المعارف الانسانية ان هناك شعوبا عنيت بأمره وتبنت تطويره حتى تبلور في اليونان والصين والطب العربي والفارسي وكله تجريب اعتمد على الملاحظة والاستقراء واستخدم النبات اداة علاجية، فالصحيح ان يفرق الناس بين كلمتي «الطب الشعبي» و«الاعشاب الطبية» فالاولى ممارسة والثانية اداة من ادوات هذه الممارسة حيث ان للطب الشعبي وسائل اخرى غير النبات متعددة منها الحجامة والاستعاط والكي والتضميد والتبخير والتجبير والقصد وغير ذلك، كما ان للطب الشعبي قواعد واصول يقوم عليها غالبا ما تكون متفقة في كثير عند الشعوب الاسلامية والعربية حيث ان مفاهيم الطب العربي طفرت في صدر الاسلام طفرة اعجزت اطباء الامم. وما ذلك الا لما نطق به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الشريف قرآنا وحديثا في ذلك. فقد وجد الرسول صلى الله عليه وسلم اطباء قريش على ما هم عليه من شأنهم آنذاك، فنهى عن بعض وسائلهم وادويتهم واقر بعضها واضاف جديدا يجمعه كتاب الطب النبوي المعروف. كما انه صلى الله عليه وسلم وضع حدا لتنظيم هذه المهنة الشريفة حيث نهى عن الخوض فيها بغير علم وقال في صحيح الحديث ما معناه ان من تطبب وليس بطبيب لزمته الدية اي انه ضامن. والمتطبب هو الذي يمارس مهنة الطب حيث لم يتعلمها كأن يصف ادوية للناس او يجتريء على جروحهم. ما جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم في الطب، هو مجموع اقرارات او نهي او امر. ومن المؤسف ان مجرد التعاطف الديني لدى كافة الناس على اختلاف اديانهم يحمل بعض المتعصبين والحادبين على ان ينتصروا لثقافة عقيدتهم حملهم هذا التعاطف على ان يلووا عنق الحقيقة ويبالغوا في تأليف الشواهد وهذا لا يتفق مع مناهج العلوم الحديثة بحال ـ ومن هؤلاء من تهجم على الكتابة في الاعشاب واسهم مباشرة في خلط الامر وتكريس اللبس والمتاجرة بهذا العلم عن جهالة سافرة ـ وهؤلاء لن تحد من تماديهم القوانين في التوعية عن طريق كتابة الكتب والنشر في المجلات والصحف اذ انهم يخرجون اليوم الى الناس من خلال الفضائيات وشبكة المعلومات العالمية عليه فان مقاومة مدهم لا تكون الا بمثل ذلك فضلا عن ان هؤلاء يفضحهم جهلهم لدى اهل الاختصاص لضعف المامهم بأسماء الاعشاب ومقارنتها بين ألسن الشعوب حيث لايطلعون على ما قامت به جهود العلماء الذين تناولوا معاجم النبات بالدراسة. د. معتصم حبيب الله