الاثنين 20 رمضان 1423 هـ الموافق 25 نوفمبر 2002 تعتبر قصة اصحاب الكهف من الاحداث العظام التي تدلل على العبرة والعظات الربانية التي يجب على المسلم الاقتداء بها لدرجة ان الله تعالى انزل سورة تحمل اسم الكهف لما للحدث، من اهمية بالغة،فيما قيل في قراءتها الفائدة العظيمة وخاصة يوم الجمعة حيث روى الحاكم والنسائي عن ابي سعيد رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة اضاء له من النور ما بين الجمعتين». وقعت احداث هذه القصة كما ترويها كتب التفسير المختلفة في الزمن السحيق ومنذ مئات السنين في صورة صراع بين الايمان والكفر وذلك كما هو الحال في اي صراع كان قديما ولا يزال حديثا ممثلا في حروب العرب مع اليهود الكفرة، الا ان احداث الكهف مزجت بين حقيقة البعث والنشور وبين المعجزة الربانية في دنيا البشر، اما عن المكان الذي وقعت به تلك الاحداث فقد اختلفت المصادر في تحديده فمنهم من يقول انه بارض «أيلة» واخرون يشيرون الى منطقة «نينوى» وثالث من انصار ابن كثير يرى انه في بلاد «الروم». وتتلخص الاحداث في الفترة التي عاشت فيها منطقة الكهف فساد الملك الذي كان يدعى «دقيانوس» ويقال له «افوس» وحاشيته وذلك في زمن عيسى عليه السلام وقام باطلاق الدعوة لعبادة الاصنام مما ساعد في انتشار الضلالة بكل مفاهيمها ومنها الاصنام والتماثيل التي تعبد من قبل الكفار علاوة على ذلك ساد التسلط والجبروت لدى هؤلاء القوم، الا ان الله سبحانه وتعالى وهب السكينة والطمأنينة في قلوب بعض السكان ويبلغ عددهم سبعة في تلك المنطقة ورفضوا الانصياع لاوامر الحاكم الفاسد الجبار وراحوا يقاومون ذلك الفساد بشتى الوسائل المتاحة وقالوا علنا ان الله تعالى هو رب السموات والارض ولا احد سواه وجاء في القران الكريم قولهم «لن ندعوا من دونه الها لقد قلنا اذا شططا» وذلك رغم الترصد والقمع الذي قام به الحاكم لوقف الخروج عن مذهبه وعقيدته الباطلة حيث هددهم في حياتهم ومعيشتهم مما دفع تلك الفئة المؤمنة الا ان تعلن البراءة من قومهم والتخلي عنهم، وذلك كما جاء في القرآن الكريم من سورة البقرة «هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه الهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين فمن اظلم ممن افترى على الله كذبا»، ولم يكن منهم الا الخروج من المنطقة والتوجه الى سفح جبل داخل احد الكهوف خوفا من بطش الحاكم واعوانه الا انهم ورغم ذلك شعروا بالطمأنينة حينما دخلوا الكهف ومعهم كلبهم، فتبعهم الملك الى مدخل الغار او الكهف فوجدوا اثر دخولهم ولم يجدوا اثر خروجهم، فدخلوا الا ان الله اعمى ابصارهم فلم يروا شيئا على الاطلاق مما دفع الملك للقول «اغلقوا عليهم باب الكهف حتى يموتوا جوعا وعطشاً». وجاء تفصيل ذلك في الايات 13 - 16 من سورة الكهف «نحن نقص عليك نبأهم بالحق انهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى. وربطنا على قلوبهم اذ قاموا فقالوا ربنا رب السموات والارض لن ندعو من دونه الهاً لقد قلنا اذا شططا. هؤلاء قومنا اتخذوا من دونة آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين فمن اظلم ممن افترى على الله كذبا، واذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا الى الكهف ينشر لكم من ربكم رحمة ويهييء لكم من امركم مرفقا». وهذه هي المرحلة الاولى التي عاشها رواد الكهف حيث الشعور بالايمان القوي والتحدي الكبير الذي سيطر على مشاعرهم المقرونة بالعزم والتصميم على مواصلة تحدي الجبابرة، كما تحمل هذه المرحلة في طياتها الفرار بالعقيدة واختيار حياة الكهف وما بها من مشاق ومتاعب على زينة الحياة ومتاعها. اما المرحلة الثانية فتجسدت في قول الله تعالى في سورة الكهف ايضا السورة 17 - 18 «وترى الشمس اذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين واذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه ذلك من آيات الله من يهد الله فهو المهتد من يضلل فلن تجد له وليا مرشدا. وتحسبهم ايقاظا وهم رقود ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا»، ويصف القرآن الكريم طبقا لما اورده كتاب قصص القرآن لسعد يوسف ابو عزيز، الكهف بان بابه موجه نحو الشمال واعماقه الى جهة القبلة، حيث ان افضل الاماكن ذات الاتجاة القبلي والشمالي وذلك بقول الله تعالى ان الشمس تشرق في الكهف في الناحية الغربية ثم تبدأ في الخروج منه رويدا رويدا وهو ازورارها ذات اليمين فترتفع في السماء وتتقلص عن باب الكهف ثم اذا استعدت للغروب تشرع في الدخول فيه من جهته الشرقية قليلا قليلا إلى حين الغروب، والحكمة من ذلك ان يظل الكهف نقيا نظيفا حتى ولو طالت مدة المكوث به. واضافة الى ذلك بينت الايات ان الاهتداء بآيات الله هي التي تنقذهم مما هم فيه، بعد ذلك تأتي مرحلة المكوث في الكهف لسنوات عديدة وهم نيام حيث يعتقد الرجل العادي انهم لم يلبثوا سوى ساعات او ايام فقط حيث يبدو الكلب الذي يرافقهم كأنه يحرسهم وهم في شكلهم يثيرون الرعب في كل من يشاهدهم حيث يراهم نائمين نيام المستيقظين، والمهم في الامر حيث القدرة الربانية هو ان الكلب ظل طوال تلك المدة يقف خارج الكهف ولم يدخل معهم استنادا الى القول ان الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب. وقد مرت مئات السنين ورواد الكهف على حالهم حيث ذكر الله تعالى انه بعثهم بعد نيامهم 309 سنوات حيث يقول تعالى في الاية 19 - 20 من نفس السورة «وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما او بعض يوم قالوا ربكم اعلم بما لبثتم فابعثوا احدكم بورقم هذه الى المدينة فلينظر ايها ازكى طعاما فليأتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن بكم احدا. انهم ان يظهروا عليكم يرجموكم او يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا اذا ابدا». ولما افاق نزلاء الكهف من نومهم شعروا بالعطش والجوع مما دفعهم لاختيار احد الرسل لارساله الى المدينة لاحضار اللازم من المأكل والمشرب وخاصة انه لديهم بعض النقود كانت معهم لدى دخولهم الكهف وطلبوا من الرسول الحذر والترقب ممن هم خارج الكهف وخوفا من ان يعرفوا مكانهم ويقوموا بالهجوم عليهم، لكن هؤلاء نسوا انهم مكثوا مئات السنين حيث كانوا يعتقدون انهم لم يلبثوا سوى ايام معدودات، ولكن الحقيقة ان الحياة خارج الكهف قد تغيرت وتبدلت وجاء حكام جدد غير الذين كانوا من قبل ويترصدوهم بالقتل والانتقام. وتمثلت المرحلة التالية في ذهاب احدهم الى المدينة لاحضار المأكل والمشرب وذلك في صورة تنكرية غريبة حيث بدا شكله العام غير مألوف للناس في ذلك العصر فالملبس من العصور البالية عن ذلك العصر وشعره غير طبيعي فيما كان هو نفسه يرى المدينة وكأنها عالم جديد لم يره من قبل ابدا، باختصار العالم يراه غريبا وهو نفسه يرى ما حوله غريبا ايضا. والاهم في كل ذلك ان الرسول الذي بعثوه لاحضار الغذاء تقدم من احد البائعين للشراء مخرجا ما معه من النقود واذ بالبائع يصرخ وينادي بان شخصا وجد كنزا، وعند سؤاله عن مصدر النقود ومن اين هو؟ لم يتم التوصل الى نتيجة مقبولة حيث لغة التفاهم معدومة بينهم لاختلاف فترة معيشتهم، حتى توصلوا الى حل تمثل في الذهاب معه الى حيث يوجد اصحابه في الكهف وذلك بحضور ملك ذلك الزمان ويدعى «يندوسيس» حيث كان من المسلمين مما اثار فيهم الفرحة لذلك، وبعد ان سلموا عليه ذهبوا إلى كهفهم ومات بداخله. اميمة وجيه