الاثنين 20 رمضان 1423 هـ الموافق 25 نوفمبر 2002 أكد الدكتور محمود حمدي زقزوق وزير الأوقاف المصري أن تطوير الخطاب الديني وتجديده هو دعوة إسلامية أصيلة وليس إملاء خارجيا وتنسجم كل الإنسجام مع طبيعة الإسلام مشيرا إلى أن تطوير الخطاب الديني يجب أن يساهم في تصحيح صورة الإسلام والتصدي للشبهات التي تثار ضده. وأشار إلى أن الإسلام لا يرفض التنوير بالمعنى الأوروبي الذي يقوم على تحرير العقل الإنساني من الوصاية موضحا أن الإسلام رسالة تنويرية تستهدف بناء الإنسان ليؤدي دوره في الحياة. وأوضح أن الداعية هو العمود الفقري وعصب الدعوة الإسلامي وبدون إعداده وتأهيله وتوفير إحتياجاته لا تنتشر الدعوة ولا تبلغ رسالة الإسلام التي أمرنا بتبليغها للناس كافة. وقال إن الدعاة لا يزالون بخير لكنهم شأن العاملين في المهن الأخرى فيهم القوي وفيهم الضعيف مشيرا إلى ضرورة أن يعمل الدعاة على تطوير أنفسهم بإستمرار ومواكبة ما يستجد من تطورات في مختلف المجالات حتى يتمكنوا من التأثير في الناس. وأضاف قائلا إن وزارة الأوقاف تحاول وضع الداعية في سياق العصر من خلال عقد دورات تدريبية يتلقى فيها علوم العصر على أيدي متخصصين بجانب تعلم اللغات الأجنبية وكيفية التعامل مع الكمبيوتر والإنترنت للإستفادة من الشبكة الدولية في إعداد الدروس وخطب الجمعة. ـ ما الدوافع التي أدت إلى المطالبة بتجديد الخطاب الديني خاصة بعد أحداث سبتمبر؟ ـ تجديد الخطاب الديني وتطويره عملية مستمرة وليست ظاهرة وقتية أو موسمية فالحياة بإستمرار والمتغيرات لا تتوقف عن الحركة ومن الطبيعي أن يكون الخطاب الديني مواكبا لظروف كل عصر ولما يدور فيه من متغيرات وبالتالي لابد من التجديد المستمر في أسلوب الخطاب الديني وفي مضمونة حتى يستطيع أن يوصل رسالته إلى عقول الناس وقلوبهم لأن الخطاب الديني إذا انفصل عن واقع الحياة ومتغيرات العصر لن يلتفت إليه أحد.والإسلام دين للحياة بجميع أبعادها لا ينفصل عن حياة الناس وإهتماماتهم لذلك فالدعوة إلى تطور الخطاب الديني هي دعوة إسلامية أصيلة وليست إملاء خارجيا كما يتصور بعض من لا يفهمون طبيعة الدين الإسلامي وهي دعوة تنسجم كل الإنسجام مع طبيعة الإسلام ولهذا فإن وزارة الأوقاف كانت ولاتزال معنية بتلك القضية. صور موضوعية ـ ما إمكانية نجاح الخطاب الإسلامي في إقناع الآخرين في ظل الحملات الشرسة التي توجه للإسلام؟ ـ الإسلام ليتعرض لحملة شرسة من جانب الإعلام الدولي وفي نفس الوقت يساء إليه من إتباعه الذين يقومون باسم الدين بتصرفات حمقاء لا صلة لها بالدين من قريب أو من بعيد لكنها تتسبب في توجيه الإتهامات الظالمة للإسلام والمسلمين لذلك لم يعد معقولا ولا مقبولا في ظل هذه الأوضاع أن يظل خطابنا الديني دون مستوى الأحداث أو أن يظل خطابا تقليديا جامدا متجاهلا كل متغيرات العصر لا يجدي في إقناع المسلم أو غير المسلم. وأعتقد أن تطوير الخطاب الديني يجب أن يوظف في خدمة تصحيح صورة الإسلام في الغرب ومواجهة ما ينشر عن الإسلام من إتهامات ظالمة لا أساس لها من الصحة هذا بالإضافة إلى ضرورة التعاون مع كل الهيئات العلمية المعنية في الغرب من أجل إعطاء صورة موضوعية عن الإسلام على أساس من حقائقه الثابتة وقيمه الراقية وتعاليمه السامية التي تحقق السعادة للإنسان في كل زمان ومكان. ـ ما أهم الجوانب التي يجب تطويرها في خطابنا الديني من وجهة نظركم؟ ـ أولا لابد أن ندرك أن الإسلام دين للحياة بكل أبعادها المختلفة وأن يواكب خطابنا الديني ما يعنيه هذا الفهم الشامل للدين وهو فهم يتسع لكل معطيات الحياة المعاصرة وهذا يحتم تطوير الخطاب الديني وتطوير أساليب الدعوة الإسلامية بالتركيز على مخاطبة العقل والاعتماد على العلم وتصحيح المفاهيم المغلوطة والأفكار الخاطئة على أسس موضوعية بعيدا عن الانفعال والتشنج وإبراز الجانب الإنساني في تعاليم الإسلام والتأكيد على رفض الإسلام لكل أشكال العنف أو الإرهاب وكذلك الارتفاع بمستوى المخاطبين وتزويدهم بالثقافة الدينية الرشيدة والقيم الإسلامية الدافعة إلى تقدم المجتمع وحفز المواطنين على العمل والإنتاج بما يعود بالخير على البشرية كلها ويشمل تطوير الخطاب الديني أيضا تطوير أساليب الدعوة الإسلامية في الخارج والنهوض بها بما يتلاءم مع ظروف المجتمعات الغربية وإبراز الدور الحضاري للإسلام والمسلمين على مدى تاريخ الإسلام ولفت الانتباه إلى ما قدمته الحضارة الإسلامية للحضارة الأوروبية من عطاء كان له أثره الكبير في النهضة الأوروبية الحديثة. التنوير ـ من المفاهيم المثيرة للجدل بين المسلمين اليوم مفهوم التنوير فهل الإسلام مع التنوير أم ضده؟ ـ الإسلام لا يرفض التنوير حتى بالمعنى الأوروبي الذي يقوم على تحرير العقل الإنساني وتحرير الحضارة من الوصاية رغم أن التنوير في المفهوم الإسلامي أعم وأشمل من التنوير الأوروبي فالتنوير في الإسلام يقوم على دعامتين هما الدين والعقل فالدين يخرج الإنسان من الظلمات إلى النور ويبعده عن التعقيد في التشريعات وقد أرسل الله الرسل لإخراج الناس من ظلمات الجهل والعقائد الفاسدة والتقاليد البالية إلى نور العلم والعقائد الصحيحة والتقاليد المبنية على صحيح الدين وصريح العقل ، والعقل في الإسلام يتعاون مع الدين لأنه لا يوجد تعارض بينها ، والإسلام في حقيقته رسالة تنويرية تستهدف بناء الإسلام بناء سليما حتى يؤدي دوره في الحياة وقد جاءت تعاليم الإسلام لتكشف للإنسان عن الطريق الصحيح لتساعده في أداء الدور المنوط به والذي ينبني على العلم الذي يفتح للإنسان آفاقا واسعة تؤهله لعمارة الكون وضع الحضارة فيه والمساهمة في صناعة الأمة حتى لا تتخلص عن ركب التقدم والنهضة. عصب الدعوة ـ ما هي المكانة التي يحظى بها الداعية في عقل ووجدان الدكتور محمود حمدي زقزوق وزير الاوقاف المسئول الأول عن الدعاة في مصر ؟ ـ الداعية هو عصب الدعوة وهو يقوم بأشرف الاعمال ورسالته هي رسالة النبي ـ صلي الله عليه وسلم ـ لذلك تحرص وزارة الأوقاف على تشجيع الدعاة على إتقان عملهم وتحسين أدائهم من أجل الارتقاء بالدعوة الإسلامية. ومن جهة أخرى تبحث الوزارة عن كافة السبل التي تؤدي إلى الارتقاء بمستوى الإمام. والداعية يجب أن يشعر بأنه يقوم بعمل عظيم ويساهم في إحياء نهضة الأمة الإسلامية وهذا يدعوه إلى الفخر والكرامة والعزة ويجعله يؤدي عمله على الوجه المطلوب ولا يجوز للداعية بأي حال أن ينظر إلى نفسه نظرة متدنية لأنه في أشرف منزلة. ـ ما النصائح التي تحرص على تقديمها للدعاة؟ ـ أهم نصيحة للداعية تتمثل في الإخلاص لأن الداعية إذا أدى عمله دون إخلاص فلن يكون لدعوته الأثر المنشود في نفوس الناس لأن ما يخرج مع القلب يستقر في القلب ومن ثم فالإخلاص هو العمود الرئيس للعمل في مجال الدعوة. ـ لماذا يتهم كثير من الدعاة بضعف المستوى وسطحية المعلومات وضحالة التفكير؟ ـ أنا أشبه الدعوة الإسلامية بالثوب الأبيض ناصع البياض إذا وجدت به نقطة سوداء فإن الناس ينظرون إليها ويتجاهلون الثوب كله. أن الدعاة بخير وهم شأنهم شأن العاملين في المهن الأخرى فيهم القوى وفيهم الضعيف وأنا أطالب الدعاة بصفة مستمرة بأن يطوروا أنفسهم وأن يكونوا معاصرين لما يستجد من قضايا وتطورات في كافة المجالات حتى يستطيعوا ملاحقة التطورات المذهلة التي يشهدها العالم ويتمكنوا من مناقشة الناس بصورة تتناسب مع هذا التطور وحتى يكونوا مصابيح تضيء للأمة الإسلامية مشاعل التقدم والازدهار وعلى الدعاة أيضا أن يبتعدوا عن الأساطير والقصص الخرافية التي لا أساس لها في الإسلام حتى يتحول الوعي الإسلامي إلى سلوك عملي يتواكب مع العصر. صياغة الوعي ـ ما أهم الجهود التي تبذلها الوزارة للارتقاء بمستوى الدعاة؟ ـ الوزارة تسعى جاهدة لأن يكون للدعاة مكانتهم اللائقة بهم ماديا وأدبيا لأنهم يصوغون الوعي الديني لدى جماهير المسلمين وهذه مسئولية كبيرة يترتب عليها سلوكهم الذي ينعكس بدوره على استقرار وأمن المجتمع. ومن جهة أخرى تنظم الوزارة برامج ودورات تدريبية مستمرة للأئمة من خلال المسابقات لاختيار أفضل وأكفأ العناصر من الكليات الأزهرية. ـ يقال ان الوزارة تعتزم إعداد خطبة الجمعة وكتابتها ثم توزيعها على الدعاة ليقولوها على المنابر فهل هذا صحيح؟ ـ هذا غير صحيح فنحن نرفض الاستغناء عن الداعية ولن نمده بخطب مكتوبة حفاظا على حقه الفردي في الإبداع والاجتهاد واستخدام ما أفاء الله عليه من علم هذا بجانب التجاوب والتفاعل ـ الذي لا يتحقق من خلال توزيع خطبه على كل الأئمة ـ بين الدعاة والجماهير يكون له أثر كبير في توصيل الرسالة أكثر من مجرد الاستماع إلى الخطبة المكتوبة هذا بالإضافة إلى أن الخطبة المكتوبة لن تخرج أبدا من القلب ولن تحقق الهدف منها. منارة إسلامية ـ تتجه وزارة الاوقاف إلى فكرة المسجد الجامع الذي لا يقتصر على أداء الصلاة وإنما يشمل إلى جانب ذلك تقديم خدمات إجتماعية وصحية وتعليمية وثقافية فماذا حققتم في هذا المجال ؟ نحن نعمل من أجل أن يكون المسجد منارة إسلامية ومركز إشعاع في المنطقة التي يتواجد فيها فبجانب أداء الشعائر والقيم الدينية يجد المسلم في المسجد الخدمات الاجتماعية والثقافية والصحية وبذلك نستطيع ربط المسلم بالمسجد وقد بدأت الوزارة في عام 1990 في إنشاء المساجد الجامعة التي تجمع بين إقامة الصلوات وتعلم الفقه وأمور الدين وتحتوي على دور مناسبات لعقود القرآن وتلقي العزاء والمستوصفات الصحية التي تعالج المرضى بأجور رمزية وبذلك يساهم المسجد في تخفيف أعباء الحياة وتوثيق العلاقات بين المسلمين وقد بلغ عدد دور المناسبات الملحقة بالمساجد بالقاهرة مائة دار بالإضافة إلى أكثر من خمسين مستوصفا. الكمبيوتر واللغات ـ تعمل وزارة الأوقاف على تدريب الدعاة وأئمة المساجد على الكمبيوتر واللغات الأجنبية فما الهدف من ذلك؟ ـ الوزارة قررت تدريب الأئمة والدعاة على استخدام الكمبيوتر والإنترنت وإتخذت قرارا بإنشاء مراكز تدريب على الكمبيوتر في القاهرة والمحافظات حتى يستطيع الدعاة التعامل مع هذه التكنولوجيا الحديثة التي يستطيعون من خلالها الحصول على المعلومات بسهولة ويسر وهذا يوفر وقتهم وجهدهم أيضا تنظم الوزارة دورات تدريبية لتعليم الدعاة اللغات الأجنبية على يد أساتذة متخصصين من كلية اللغات والترجمة بجامعة الأزهر حتى يستطيع الدعاة عند إيفادهم إلى الخارج التعامل مع الجماهير بطريقة مباشرة والإجابة عن أسئلتهم والاطلاع على ما يكتب عن الإسلام باللغات الأخرى وهذا يساهم في خدمة الدعوة الإسلامية. طبيعة المرحلة ـ ماذا تتمنون للدعوة الإسلامية خلال السنوات المقبلة؟ ـ أتمنى النهوض بالدعوة وتنشيط وتكثيف الجهود الدعوية لتصل إلى المدن والقرى وكذلك تجديد أساليب الدعوة ومضمون الوعظ والإرشاد حتى يتمشى ذلك مع طبيعة المرحلة التي تعيشها الأمة الإسلامية والتجديد يجب أن يكون في الشكل والمضمون فمن ناحية الشكل ليس من المعقول أن أخاطب الناس بنفس الأسلوب الذي كان يستخدمه أسلافنا منذ أكثر من ثلاثة قرون وإنما لابد أن يتغير شكل الخطبة حتى يكون الأسلوب مناسبا لعصرنا أما من ناحية المضمون فيجب أن تكون القضايا التي يعالجها الإمام في مستوى العصر الذي نعيشه فيتناول مثلا قضايا التنمية وحماية البيئة فالإسلام دين يحث على العمل والإخلاص فيه ويحث على العلم والبناء الحضاري وبناء الشخصية الإنسانية بناء متينا والمواءمة بين مطالب الدنيا ومطالب الأخرة بحيث لا تكون الخطبة موجهة إلى تخويف الناس من عذاب الآخرة فنحن نريد غرس الأمل في نفوس الناس حتى يندفعوا إلى العمل بإيمان وإخلاص وهم بذلك يخدمون أنفسهم ومجتمعهم وهذا لون من ألوان العبادة