الاثنين 20 رمضان 1423 هـ الموافق 25 نوفمبر 2002 التسطير هو الموضوع الثالث من موضوعات الزخرفة الاسلامية لكن من الضروري ان نبادر إلى القول ان وضعه في المرتبة الثالثة من مشروعنا الرباعي لدراسة هذه الموضوعات لا يرتبط بأي حال بمرتبة متأخرة، في اهمية التسطير في عالم الزخرفة الاسلامية، فمن المحقق أن التسطير والعربسة يمضيان كفرسي رهان في ميدان الزخزفة الاسلامية، حتى ليحار المرء ويعجب ويمضي في التساؤل عن اي هذين النسقين اكثر قدرة من نظيره على استقطاب العين للتأمل واستدراج الذهن للتفكير في عالمه الثري، الحافل بالمؤثرات وعناصر الجاذبية. وليس من قبيل الصدفة أننا نجدهما معاً في اطار التقابل أو «الكاونتربونيت» ان احببت في وحدة زخرفية اسلامية واحدة، سواء من خلال نشرهما على اسطح متجاورة او من خلال شق الاشكال المستمدة من التكوينات الطبيعية طريقها إلى الاشكال الهندسية التي هي في جوهرها وليدة الابداع الذهني الخالص. لكن مهلاً، دعنا نتأمل اولا ما هو المقصود بالتسطير بالضبط، وذلك منعاً لأي لبس او خلط او اضطراب في الفهم بشأنه. وهذه الدعوة للتوقف والتأمل لا يمكن الا ان تكون منطقية ومطلوبة بل وحتمية. يلفت د. عاصم محمد رزق في كتابه «معجم مصطلحات العمارة والفنون الاسلامية» نظرنا إلى ان البعض من الباحثين المحدثين ينظرون إلى العربسة باعتبارها لفظة شمولية تعني جميع انواع الزخارف الاسلامية وليس الزخارف النباتية والزهرية والشجرية وحدها، ويشير إلى ان هؤلاء يقسمون العربسة بهذا المعنى الشامل إلى قسمين، اولهما ـ كما سبق أن رأينا ـ نباتي، وثانيهما هندسي يعتمد على الخطوط المستقيمة والزوايا القائمة والمنحنية ويسمى «أحيانا» بالتسطير. من الواضح ان مصدر اعتراضنا هو ـ بالضبط ـ تلك الكلمة التي وضعناها بين اقواس التنصيص وهي «أحيانا»، فالزخرفة الاسلامية الهندسية هي التسطير «دائماً» ولسنا نحن من يقول بذلك ويشدد عليه، وانما ابناء هذا اللون من الابداع والقائمون عليه ومن يجعلونه جيلاً بعد جيل طريقة حياة وابداع، وليس ادل على ذلك مما درج عليه مبدعو هذا الفن في المغرب العربي، على سبيل المثال، فهم لا يعرفون له اسماً الا التسطير، ويأبون اي محاولة لايجاد بديل لهذا الاصطلاح المتوارث عبر القرون. اللغة الرسمية الجمالية يقال في لغتنا الجميلة جمعها اسطر وسطور كأفلس وفلوس، الصف من الشيء، حيث يقال بنى سطراً وغرس سطراً. والسطر أيضاً الخط والكتابة (وربما يعد هذا مصدراً من مصادر النمط الذي اشرنا اليه وحرصنا على الايضاح والقاء الضوء تجنباً له).. والاساطير الاباطيل واحدتها اسطورة بالضم واسطارة بالكسر. واستطر كتب مثل سطر، والمسيطر على شيء المسلط عليه ليشر عليه ويتعهد احواله، مصداقاً لقوله تعالى: «لست عليهم بمسيطر». والتسطير كلون ابداعي في عالم الزخرفة الاسلامية في سياقها المعماري عامة والمسجدي بصفة خاصة يبلغ من الاهمية حداً لا تتردد معه الباحثة دومينك كليفنو في وصفه بأنه اللغة الرسمية الجمالية في الاسلام. لكن علينا ان نقترب اكثر من هذا الفن وان نمعن النظر في اسراره لكي نستطيع تملك ناصية مفردات هذه اللغة التي تتحدث عنها كليفنو في وصفها هذا الموجز والدال معاً للتسطير. المشكلة ان التسطير اقرب إلى وعاء هائل يضم حشداً من الانواع والالوان التي علينا ان نتلمسها ونستوعبها ونتفهمها أولاً. خذ عندك، على سبيل المثال وكمجرد بداية فحسب أو فتح شهية لا غير، التشبيك وهو في جوهره تداخل الخطوط الهندسية بعضها بالبعض الآخر بشكل يصعب معه تمييز أول الخط وتتبع مساره ومعرفة نهايته. وقد كانت الرسوم المستعملة في الزخرفة منفصلة في العهود الاولى من المسيرة الفنية الاسلامية، كزخارف مسجد سامراء، ثم ما لبثت ان تعقدت وتشابكت في مسجد احمد بن طولون في القاهرة. وقد امتازت الزخارف الاسلامية، كما نعلم جميعاً، بقدرة هندسية دقيقة عن طريق تطويع الخطوط المنكسرة والمتموجة والمقوسة جميعها في صياغة كلية عبقرية بكل المعايير. فإن شئت الاقتراب بشكل اكبر من التسطير، سعياً وراء المزيد من التأمل والفهم، فدعني اوجه اليك دعوة مفتوحة للاقتراب من اسرار اكثر انواع التسطير شيوعاً، بل ان شئت الدقة فقلت اكثر تجليات الزخرفة الاسلامية على الاطلاق انتشاراً، وهو ما يتمثل في الطبق النجمي. يحدثنا تاريخ الفن الاسلامي بأن الطبق النجمي ظهر منذ أواخر العصر الفاطمي وخلال العصر الايوبي، إلى ان شاع استخدامه في الزخرفة وطبقت شهرته آفاق العالم الاسلامي في العصر المملوكي. ومن انواعه الطبق النجمي المثمن الذي كان يرسم بواسطة المنقلة بتعيين ثمانية محاور على زاوية قدرها 45 درجة، او يرسم بواسطة المثلث المتحرك بتعيين ثمانية محاور على زاوية قدرها 225 درجة، مع وضع مستقيمات على يمين هذه المحاور ويسارها لاعطاء السمك المطلوب، ومنه الطبق النجمي المكون من اثني عشر ضلعاً وكان يرسم بواسطة مستقيمين احدهما افقي والآخر عمودي عليه نقطة تلاقي هذين المستقيمين تخرج منها ثمانية محاور منها اربعة على زاوية قدرها 60 درجة، واربعة على زاوية قدرها 30 درجة لتعطي اثنى عشر ضلعاً، ثم توضع مستقيمات ـ كما في الطبق النجمي المثمن ـ على يمين هذه المحاور ويسارها لاعطاء السمك المطلوب. ومن المعتقد بصفة عامة ان الشعوب والقبائل التي كانت تقطن آسيا الوسطى كانت قد نقلت إلى شرقي العالم الاسلامي اقمشة ذات زخارف هندسية من بينها الاشكال متعددة الاضلاع، وقد اقبل المسلمون على هذه الزخارف الهندسية اقبالاً كبيراً واصابوا في تنويعها واتقانها توفيقاً عظيماً، ولاسيما في الطرز الفنية السلجوقية والمملوكية والمغربية. رب قائل: هل يتعين علينا ان ندقق في جزئيات صغيرة من الزخارف الاسلامية لكي نقترب من اسرار التسطير؟ ونرد على هذا السؤال بسؤال آخر: من الذي قال هذا؟ ذلك ان التسطير ماثل امام اعيننا ملء الآفاق كأنه يدعونا للدراسة والتأمل والتفكير، وذلك هو جوهر ابداعه، لأنه يستمد قوة فتنته وحضورها الساحر من دعوة المتأمل له إلى قراءة ما يكتنفه من اسرار. المثال ـ او بالاحرى الامثلة ـ الاكثر دلالة في هذا الصدد انفقت ردحاً من الزمن في صدر العمر في تأملها ومحاولة فهم اسرارها، وأحسب ان كثيرين قد فعلوا الشيء نفسه، فالتسطير الذي نتحدث عنه هنا يتجلى هائلا وساحرا وبديعاً في قباب القاهرة المملوكية، حيث عمد المعماري المبدع إلى اعمال التسطير اداة ابداعية للتخفيف من الجرم الهائل للقباب وتحليقها الممتد إلى اعلى وذلك بنحت الوان شتى من روائع التسطير من شأنها ان تحقق هذا الهدف بين اهداف جمالية عديدة اخرى. فلننظر على سبيل المثال إلى اسلوب التضليع في القباب المملوكية، حيث يبدو الشكل الخارجي للقبة بفعل هذا الاسلوب اقرب إلى نبتة الصبار، حيث تتناوب الضلوع المحدبة والمقعرة في ايقاع زخرفي يضفى على القبة قدراً كبيراً من التوازن والاستقرار على نحو ما نلمح في قبة ضريح تنكز بغا الذي يعود إلى عام 1362 ميلادية، ونلمح هذه الضلوع ذاتها وقد اخذت شكل الضلوع المثنية، كما في قبة ضريح اليوسفي التي تعود إلى عام 1373 ميلادية. ونرصد في قبة مدرسة السلطان برسباي التي تعود إلى عام 1322 زخارف متعرجة على شكل رقمي 7 و 8 متعاقبة في نحت بديع قليل البروز، يخفف الضغط على القبة ويوائم في يسر التناقض التصاعدي لسطحها الذي يأخذ في الضيق كلما علونا صعوداً، وهو التناقض الذي كان على الدوام المشكلة الرئيسية التي تصادف مصممي زخارف القباب. ثم ما لبث ان ظهر النمط النجمي، الذي يوصف بأنه من اروع ما ابتكره الفن الاسلامي من انماط زخرفية، وهو في جوهره جدائل هندسية تلتف باشكال نجمية. حيث يجمع بين اشكال هندسية منتظمة، تتلاقى فيها اشرطة ذات مسارات مرسومة متراكبة، مما يدعو الناظر إلى تأمل خفايا هذا النوع من التسطير والاستمتاع بدقة ما فيه من ايقاع خلاب. والمثال البارز على هذا زخارف النمط النجمي في قبة ضريح برسباي الذي يعود إلى عام 1332 ميلادية. وثمة نموذج رائع حقاً نجده في قبة قايتباي حيث اللقاء المدهش بين تسطير نجمي بديع وعربسة نباتية مركزهما واحد هو الجامة ذات الضلوع التسعة التي تقع داخل نجمة ذات ضلوع تسعة اخرى. وهذا الجمع بين التسطير والعربسة في القباب اقتضى من الناحية التقنية الخالصة الاشتغال على مستويات مختلفة ارتفاعاً وانخفاضا لتحقيق المظهر الجمالي النهائي الرائع، واوغل المبدعون في مسيرتهم فبدلاً من صيغة نباتية واحدة عمدوا إلى صنعتين نباتيتين تعلوهما صيغة بارزة صماء من التسطير البديع، لكن هذا كله ما لبث ان اختفى من سماء القاهرة مع نقل السلطان سليم الاول لمبدعيه إلى اسطنبول مع من نقل من المبدعين والحرفيين والمهنيين والصناع، فغابت معهم اسرار زخرفة القباب. وسبحان من يغير ولا يتغير. ليس ما قلناه عن ان قوة فتنة التسطير تستمد من دعوتها للرائي والمتأمل إلى الايغال في قراءة اسراره من المبالغة في شيء. ولعلنا نجد مصداقاً لما قلناه عن عمق تأثير التسطير في نفوس متأمليه في ما يقوله جاستون فبيت عن روائع التسطير في المنابر الخشبية التي شاهدها في القاهرة. وهو يقول في كتابه «مساجد القاهرة» عن هذه المنابر: انها تضم مجموعات من الحشوات الصغيرة المتباينة الاشكال جمعت بعضها إلى بعض، وان احتفظت كل منها بشخصيتها المستقلة حتى لكأنها لا تؤدي دوراً في الشكل العام، وتتتابع الدوائر والمربعات والمعينات والنجوم والاطباق النجمية متداخلة بعضها ببعض عن طريق التعشيق حتى ليمكن تجميعها او تفريقها من دون ان يزول اثرها او يتضاءل. وللزائر المتأمل ان يتصورها مجتمعة بعضها إلى بعض اذا شاء، وله ان يكتفي بتأمل ما يقع عليه بصره منها فيراه شيئاً منفصلاً قائماً بذاته، ففي الحق ان تجميع تلك العناصر لا يجعل منها وحدة حقيقية. وحتى يتسنى للمرء ان يوفيها حقها فإن عليه ان يدرس في عناية سائر التفصيلات الدقيقة التي تربط العناصر والوحدات بعضها إلى بعض. الا ما اصدق هنري فوسيون عندما قال: ما اخال شيئاً يمكنه ان يجرد الحياة من ثوبها الظاهر وينقلنا إلى مضمونها الدفين مثل التشكيلات الهندسية للزخارف الاسلامية. فليست هذه التشكيلات سوى ثمرة لتفكير رياضي قائم على الحساب الدقيق قد يتحول إلى نوع من الرسوم البيانية لافكار فلسفية ومعان روحية، غير انه ينبغي الا يفوتنا انه خلال هذا الاطار التجريدي تنطلق حياة متدفقة عبر الخطوط فتؤلف بينها تكوينات تتكاثر وتتزايد، مفترقة مرة ومجتمعة مرة، وكأن هناك روحاً هائمة هي التي تمزج تلك التكوينات وتباعد بينها ثم تجمعها من جديد، فكل تكوين منها يصلح لاكثر من تأويل يتوقف على ما يصوب عليه المرء نظره ويتأمل منها. وجميعها تخفي وتكشف في آن واحد عن سر ما تتضمنه من امكانات وطاقات بلا حدود». ان طول هذا المقتطف من كتاب فييت يبرره اننا من خلاله نضع يدنا على ما يوشك ان يكون خارطة طريق الى كنز مفقود وهذا الكنز ليس اكثر ولا اقل من فهم اسرار التسطير فهو يأخذ بأيدينا ويقترح علينا المسالك الاكثر يسراً التي تفضي بنا الى ان نفض مغاليق هذا العالم السحري الذي يحمل اسم التسطير. وقبل ان نحمل بأيدينا خارطة الكنز هذه حريصين عليها ومتشبثين بها، ونمضي في الطريق الطويل الى اكتناه اسرار التسطير، علينا ان نتذكر مجموعة مهمة من الحقائق لابد لنا من ان نحملها معنا زاداً في رحلتنا الوعرة هذه. اولى هذه الحقائق هي ان الفن الاسلامي ورث الاشكال الزخرفية الهندسية التي كانت سائدة في اواخر العهود الكلاسيكية في البلاد التي فتحها الله على المسلمين ولكنه طورها ومضى بها الى درجة من التركيب والتكثيف الابداعي لم يعرفها العالم من قبل قط، بحيث حول التسطير الى قالب فني بارز. من هذه الحقائق ايضا ان التسطير يعكس مدى افتتان الفنانين المسلمين بالمباديء البصرية التي سبق ان لمحنا جانبا منها خلال رحلتنا في العالم الثري والحافل للنظرية الجمالية الاسلامية وفي مقدمتها الترتيب والتناطر والتوليد المتواصل للشكل الابداعي. ومنها ايضا الصلة الوثيقة التي سيؤكد الكثيرون عليها بين تطور التسطير على ايدي المبدعين المسلمين وبين تطور علوم الرياضيات بصفة خاصة وعلوم اخرى عديدة مرتبطة بها، وهي العلوم التي حرص المسلمون على دراستها وتأصيلها والانطلاق بها الى امكاناتها القصوى وعند هذا المنعطف بالذات نلمح الصلات الوثيقة بين الفنون التشكيلية الاسلامية والتسطير في مقدمتها وبين الموسيقى والشعر. من هذه الحقائق ايضا ان التسطير تتجلى روائعه في كل المواد المستخدمة في العمارة من حجر، آجر، فسيفساء، رخام، جص بلاط، وخشب.. الخ، ولكنه يرتبط بصلة حميمة بعدد محدد من هذه المواد، ومنها على سبيل المثال الآجر، وذلك لانه اصلا كمادة بناء عبارة عن وحدات محددة الابعاد وهو بحكم تكوينه يشجع التنويع في التجميع والتركيب والتأليف، بحيث يؤدي في نهاية المطاف الى تحقيق امكانات لا حصر لها ولا نهاية لتميزها. غير أن المرء لايحتاج إلى كثير من التدقيق لكي يدرك أن المادة التي ترتبط بأقصى قدر من الحميمية والاقتراب من التسطير هي الخزف الذي استخدمت وحداته في تكسية الوجهيات والقباب. وهذا الارتباط كان من شأنه تقديم العديد من الحلول الابداعية لمشكلة كسوة الأسطح بصورة جمالية بديعة بواحدات قياسية الأبعاد من الخزف في صورة بلاطات ثابتة الأبعاد، حيث تم رفض الحل الأكثر سهولة وهو التكسية في صورة بلاطات خزفية مربعة متقابلة لينطلق رواد هذا الفن في ما يضعه الباحثون ب«اللعبة الرياضية» وذلك للتأكيد على الاحتمالات التي لانهاية لا تقريباً والمتضمنة فيها، ومنها تجميع المثمنات التي تحاكي أشكال تكوينات شمع خلايا النحل وعسله، إيغالا في أشكالا النجمة السداسية والنجمة المثمنة وغير ذلك من الأشكال المبتكرة التي أشرنا إلى بعضها. ثلاثة تفسيرات متصارعة يتسم التسطير ـ بالمقارنة بالموضوعات الأخرى للزخرفة الإسلامية ـ بأنه نتاج خالص للذهن البشري، حيث يدين بقوة فتنته، كما أشرنا مراراً وتكراراً، للدعوة التي يوجهها للرائي والمتأمل لفك مغاليقه واكتناه اسراره. لو أننا نظرنا الى التسطير على انه يستحضر روح النسج، وهو كذلك بالفعل في العديد من الحالات وخاصة النماذج متعددة المستويات التي تحلق الى سماء التحابك الدقيق، فإننا سنلاحظ ـ على الفور تقريبا ـ أن الأولوية تعطي للنمط الذي يغدو عاملا دينامياً يمضي موغلا في البعيد حاملاً عين الرائى أو المتأمل معه إلى آفاق من المجهول والمغامرة والجرأة على الاكتشاف. وعندما يتطلع المرء إلى نموذج متداخل ومتشابك من التسطير فإنه يجد نفسه على الدوام أمام امكانيتين محددتين. ـ إما أن يمضي قدماً في مسيرة المتابعة مطارداً النمط الذي يمتد على نحو لا يفتأ يزداد مراوغة وغموضاً. ـ وإما أن يتوقف عند الاطباق النجمية البارزة هنا وهناك. وبتعبير آخر فإن التداخل التسطيري يعمل عمل أداة تستهدف إثارة حيرة الرائى او الناظر ودفعه الى المضي نحو مستوى اعمق من اكتناه أسرار ما يراه أمامه. فضلاً عن ذلك، فإن المنطق التشكيلي للنسيج التسطيري يمضي بمتابعه الى نتيجة محددة هي الدفع نحو تفكيك الاشكال واعادة تركيبها على نحو لا يعرف التوقف، وهو يتسم ايضاً بخاصية عدم تعرف الرائي على المركز او الطرف، كما انه يتمتع بالمقدرة على الامتداد ربما بلا انتهاء تقريباً. هكذا فإن الرائي او المتأمل الذي يلج باب منطق هذا النسيج يتم اغواؤه واجتذابه الى ان يواصل ذهنياً تطوير هذا النسيج الى ما يتجاوز حدود السطح المزخرف. وبتعبير اخر فإن هذا النسيج التسطيري يحظى بوجود يمضي بعيداً متجاوزاً الواقع المادي. وهكذا فإننا نجد انفسنا امام فن ذهني بالمعنى الصحيح للاصطلاح. هنا يبرز السؤال الاكثر اهمية في هذه المناقشة الماثلة بين أبدينا عن التسطير كأحد موضوعات ـ موتيفات ان احببت ـ الزخرفة الاسلامية المعمارية في سياقها المسجدي، وهذا السؤال هو على وجه التحديد: ما هو المعنى الذي يمكن ان نضفيه على الزخرفة الهندسية الاسلامية؟ او بتعبير آخر: بأي معنى يمكننا ان نفهم التسطير؟ في مواجهة علامة الاستفهام الشائكة هذه، من الصعب ومن المتعذر، ربما الى حد الاستحالة، ان نقدم اجابة واضحة وصريحة ومحددة عن سؤال على هذه الدرجة من الغموض والمراوغة والالتباس، لأن هناك ـ في واقع الامر ـ تفسيرات بمستويات مختلفة من المعنى الذي نطارده هنا، هي التفسيرات الجمالية والفلسفية والرمزية. مع ذلك فإن هناك عدداً من الافتراضات التي يمكن طرحها في هذا المجال على الرغم من كل هذا الغموض. ان شئت الدقة، فإن هناك ثلاثة تفسيرات محددة طرحت بالفعل في هذا الصدد، يمكننا ان نلخصها في ابسط اشكالها وصياغات التعبير عنها على النحو التالي: ـاولاً ـ تفسير ماسينيون: يذهب المستشرق لوي ماسينيون الى القول ان هذا الفن المركب الذي نعرفه باسم التسطير، هذا التحوير الدائب للاشكال في اطار التشبيك الهندسي يتطابق مع تطور محدد لعلوم الرياضيات في العالم الاسلامي. حيث ان العلماء المسلمين تجاوزوا النموذج الاغريقي الاستاتيكي وابتكروا علم المثلثات، ذلك المفهوم الرياضي الديناميكي. ويمضى ماسينيون مشيراً إلى ان هذا التوجه الجديد استمد من مفهوم فلسفي للعالم باعتباره تجمعاً غير ثابت للذرات، وهي رؤية فلسفية يمكن ان تكون معادلة للايمان بفناء العالم وانه لا يبقى الا الله ذا الجلال والاكرام بعد ان يهلك كل شيء. ـثانيا ـ التفسير الفلكي: يستميل الحضور الكلي للاطباق النجمية في التسطير الرائي او المتأمل إلى تصور انها قصد بها، في المقام الاول، استحضار السماء، او الاجسام النجمية. ويبدو ان هذا التفسير تؤكده حالات معينة، مثل سقف قاعة العرش في قصر الحمراء، فهذا السقف الخشبي الذي يأخذ صورة عقد يحمل زخرفة هندسية تتجلى فيها سبعة مستويات من الاطباق النجمية، ربما كانت متطابقة، تشير كما يوحي نقش اكتشف حديثاً، إلى السموات السبع التي يستوي فوقها عرش الواحد القهار. ـثالثا ـ التفسير التشكيلي: اذا كان التفسيران السابقان مما يندرج في آفاق الحدس والتخمين والتكهن، فإن الباحثة دومينك كليغنو لا تتردد في طرح تفسير ثالث، حيث تقول ان من الامور الاكثر احتمالاً ان الزخرفة الهندسية هي نسق تشكيلي بلا مغزى باطني، جوهري، ولكن ثراءه الدلالي يكمن على وجه التحديد في قدرته على الانفتاح في مواجهة تفسيرات متعددة ـ بحسب الطريقة التي يستخدم بها ـ لزخرفة سقف او باب او محراب او صفحة من مصحف شريف. واحسب ان جوانب من هذه التفسيرات وغيرها كثير، كانت تؤرقني فيما مضيت على امتداد عمر، اجدني اليوم في خريفه، اتأمل التسطير في المساجد والجوامع في بلاد الناس، فما ازددت الا حيرة وادراكاً بعجزي وقصوري، وما ملكت الا رفع الاكف بالدعاء لعل ربي يرزقني الهمة. ففي مواجهة هذه الحيرة تحضرك كلمات الجيلي لتستقر في القلب، حيث يقول: «الهمة أعز شيء وضعه الله في الانسان، وذلك ان الله تعالى لما خلق الانوار اوقفها بين يديه فرأى كلا منها مشتغلاً بنفسه ورأى الهمة مشتغلة بالله، فقال لها: وعزتي وجلالي لاجعلنك ارفع الانوار، ولا يحظى بك من خلقي الا اشرف الابرار».