الاحد 19 رمضان 1423 هـ الموافق 24 نوفمبر 2002 شهدت مواطن الترك في الأناضول اهتماما ملحوظا بصناعة الزجاج منذ أقدم العصور، فقد عنى البيزنطيون بهذه الصناعة وحرصوا على تطورها حتى انهم أعفوا طائفة نافخي الزجاج في بعض الفترات من دفع الضرائب، وكان من الشائع في العصر البيزنطي زخرفة أواني وتحف الزجاج بطريقة التذهيب. واستمر الاهتمام بصناعة الزجاج في عهد سلاجقة الروم إذ عرف السلاجقة أشغال الزجاج التي تعرف بالشمسيات والقمريات وهي تغشيات للنوافذ العلوية المستديرة في الجدران وما تحتها من نوافذ طويلة معقودة باستخدام الزجاج الملون المعشق في الجص وقد تم الكشف عن بعضها في الحفائر التي أجريت في موقع مدينة «قباد آياد» القديمة وبالتحديد في قصر علاء الدين كيقباد الأول حيث كانت نوافذ القصر تزدان بهذه الاعمال الزجاجية. كما كشف في نفس الموقع عن مجموعة أخرى من التحف الزجاجية مثل أواني الزهور والكؤوس والأقداح والقنينات بالإضافة إلى مجموعة من المصابيح الزجاجية ذات اللون الازرق والاخضر والاحمر والارجواني والبني والاصفر. وقد استخدم الصناع في عهد السلاجقة طرقا صناعية وزخرفية متعددة مثل طريقة النفخ وطريقة القطع بواسطة عجلة خاصة، كما كانوا ينتجون تحفا زجاجيه مزخرفة بطريقة الحز أو الحفر أو باستخدام ألوان البريق المعدني. وقد تأثرت صناعة التحف الزجاجية زمن السلاجقة الروم تأثرا واضحا بالأساليب الفنية في بلاد الشام وهوما يبدو واضحا في طبق تم العثور عليه في الحفائر السابقة وهو مطلي بالذهب والمينا وتزدان حافته من الداخل بشريط كتابي بخط الثلث يتضمن اسم السلطان السلجوقي غياث الدين كيخسرو الثاني، أما قاع الطبق فتزينه زخارف نباتية تتألف من زهور وأنصاف مراوح نخيلية ووحدات من الزخرفة العربية المورقة من طراز الرومي. وتزدان حافة الطبق من الخارج برسم فرع نباتي متماوج تخرج منه وريقات نباتية رسمت بالمينا المتعددة الألوان على أرضية مذهبة والحقيقة أن دولة السلاجقة الروم كانت تقوم أيضا باستكمال احتياجاتها من الأواني الزجاجية الفاخرة عن طريق استيرادها من سوريا التي ذاع صيتها في هذه الصناعة. وقد استمرت الدولة العثمانية في استيراد بعض منتجات الزجاج من سوريا ومن بعض البلدان الأوروبية مثل البندقية وساكسونيا وبوهيميا وغيرها، إلى جانب ما كانت تنتجه المصانع في البلاد. وقد تنوعت في العصر العثماني التحف الزجاجية مثل الشمعدان وأواني تنسيق الزهور وقنينات حفظ ماء الورد والاقداح والأباريق والدوارق وأوعية تبريد الشراب والركوات (الركوة هي زمزمية الماء) والزجاجات والأكواب والسكريات والمصابيح العادية والمخصصة للسفن فضلا عن قطع الزجاج الملون المستخدمة في عمل أحجبة النوافذ الجصية المعشقة بالزجاج الملون واستخدام الزجاج أيضا في عمل القنابل اليدوية. وتجدر الإشارة إلى أن بعض المخطوطات العثمانية التي تعود إلى فترة السلطان مراد الثالث قد اشتملت على تصاوير تظهر بعض طوائف صناع الزجاج وهم يعرضون على السلطان مهارات حرفتهم في حفلات ختان أبنائه من الذكور. ومن أمثلتها تصويره من مخطوط السورنامة (مؤرخ في سنة 991هـ (1583م) المحفوظ في مكتبه طوبقابي سراي، وفيها تظهر طائفة نافخي الزجاج وأتونهم وقدهم بعضهم بالنفج والبعض الآخر يقوم باستخراج القطع من الألوان المشتعل في الوقت الذي أمسك البعض منهم في أيديهم بنماذج من منتجاتهم تتمثل في أباريق وقناني ذات رقاب طويلة، ويظهر في صورة أخرى نفر من طائفة صناع النوافذ ذات الزجاج الملون، فنراهم وهم يثبتون قططا ملونة وسط ملاط بعض النوافذ الجصية. وقد أشار الرحالة التركي أولياجلبي إلى أماكن صناعة الزجاج بمدينة اسطنبول لكنه لم يتكلم عن طبيعة منتجاتها وأن كان قد حدد موقعا كمتجر للزجاج في «جلطة» الذي يسكنه الأجانب من المسيحيين. ومن أهم أمثلة العمائر الموجودة بها نوافذ ذات زجاج ملون في فترة القرن الحادي عشر الهجري (17م) قصر طوبقالي وجامع السلطان أحمد الأول (1026ه) وبعض المنازل الأثرية الفخمة في منطقة الأناضول. وخلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر للهجرة (18- 19م) تركزت صناعة الزجاج العثماني في مدينة اسطنبول وبالتحديد في منطقتي «أغري قابي» و«تكفور سراي»، وقد وجد في جوار مصنع للبارود بحي باقر كوي «عجلات قوية ضخمة حسنة الزخرفة تدور بها حيوانات الجر كما وجدت» هرسات أو هاونات للطحن ومصانع للزجاج ومراجل لنثرات البوتاسيم (ملح البارود) وقمائن للحرق. وفي أيام حكم السلطان مصطفى الثالث (1757 - 1774م) تقرر تجميع كل مصانع الأدوات الزجاجية في تخوم «تكفور سراي» كما تقرر حظر فتح أي مصانع أخرى للزجاج في أي جهة أخرى وذلك لتخفيف حدة التلوث الذي كانت تعانيه اسطنبول آنذاك. وكان أنقي وأنصع أنواع الرمل الصالح لصناعة الزجاج متوافر في «قوم برغاز» قرب «يدي قله» حيث كان يجلب من هناك لتزويد معامل الزجاج. وقد وجدت مصانع خاصة لعمل القناني والخيوط الزجاجية والمرايا وتضمن الإنتاج أنواع الزجاج العادي والملون والبلور أما الأصناف غير الجيدة والتي لا تلتزم بالمواصفات التي تحددها الدولة بالإتفاق مع طائفة الزجاجين فكانت تدمر ويحاسب المسئولون عنها. وفي بداية القرن الثالث عشر الهجري (19م) حصل مصنع قرب «جوبوقلو» على إذن من السلطان لإنتاج أوان فاخرة ذات مستوى رفيع من الزجاج والبلور ثم لم تلبث الدولة أن أشترت هذا المصنع.وفي عام 1846م عين «طاهر أفندي» لإدارة هذا المصنع.وقد تخصص هذا المصنع في إنتاج أنواع بعينها من أواني الزجاج ومنها ذلك النوع المسمى «عين البلبل» وقد لاقى رواجا كبيرا في أرجاء تركيا وعرف بهذا الاسم التجاري بسبب تعدد الألوان التي استخدمت في صناعته والتي تجعل الناظر إليه كالناظر في عين البلبل المتألقة بالألوان المختلفة. وفي 1848م وأثناء فترة حكم السلطان عبد المجيد أفتتح درويش اسمه محمد مصنعا في منطقة بكقوز، وكان الرجل قد تعلم صناعة الزجاج في إيطاليا ولما عادا أنتج في مصنعه السلطانيات البللورية والمموهة بالذهب، وكذا الأطباق والقناني والزهريات ولاسيما تلك التي على شكل زهرة التيوليب وكان أسلوب الإنتاج جيدا وأصيلا حتى أنه أشتهر باسم زجاج بكقوز كما صنعت في هذا المصنع أيضا الأواني ذات الحليات الحلزونية الملونة التي عرفت باسم عين البلبل أو «حسم بلبل» وفي عام 1899 ثم تأسيس مصنع جديد في «باشا» بخجة بجهود صانع يهودي اسمه شاؤول مديانو ولكن إنتاجه لم يقدر على منافسه الزجاج المستورد من أوروبا وأضطر صاحبه إلى غلقه وتسريح عماله الخمسمئة. ومن الملاحظ أن تطور صناعة الزجاج في أوروبا بقدر ما حفز صناع الزجاج الأتراك على تجويد عملهم والابتكار في تصميم الأواني وزخرفتها إلا أن الاعجاب الشعبي بالزجاج الأوروبي أدى في نهاية الأمر إلى تكبيل قدرات المصانع التركية التي لم تستطع أن تحقق المعادلة الصعبة في منتجاتها الراقية، إذ كانت هذه المنتجات مرتفعة الثمن بشكل ملحوظ وخاصة إذا ما قورنت بمثيلاتها المستوردة من أوروبا، ويكفي أن نشير إلى أنه من أواخر القرن 11هـ (17م) أصبح هناك تجار متخصصون في استيراد الزجاج الأوروبي ولعل أشهرهم «جورج كريبك» الذي كان تاجرا منتظما في نقل الزجاج من منطقة شمال بوهيميا إلى مستودعاته الشهيرة في اسطنبول. د. أحمد السيد محمد