الاحد 19 رمضان 1423 هـ الموافق 24 نوفمبر 2002 إن الحديث عن الإسلام وعلاقته بالغرب يكتسب أهمية خاصة فى الوقت الراهن الذى يسعى فيه العالم بفعل عوامل اجتماعية وسياسية واقتصادية إلى التوحد والتكامل خصوصا بعد التقارب الشديد بين أرجائه بسبب التقدم العلمى والتكنولوجى وكذلك نتيجة لحدوث طفرات هائلة فى مجال تكنولوجيا الاتصالات جعلت العالم أشبه ما يكون بقرية صغيرة أصبح يطلق عليها القرية الكونية، ولذلك أصبحت حاجة سكان تلك القرية إلى التفاهم أشد، وإلى الحوار حول القضايا الخلافية أكثر من أى وقت مضى، حتى تنعم البشرية فى تلك القرية الكونية الصغيرة بالسلام والانسجام النفسى والاجتماعى بعيداً عن الحروب والخلافات والصراعات الدينية والعرقية والسياسية والاجتماعية التى تتوتر بها البشرية فى مواطن متفرقة من أجزاء العالم. وقد أخذ هذا الموضوع حظاً وافراً من الدراسات فى الدوائر الغربية وعلى جميع المستويات وبمختلف الصور التى تتراوح بين الإجحاف والظلم والتشويه المتعمد للإسلام وقيمه ومبادئه، وبين الفهم الموضوعى والتحليل الدقيق لتلك القيم والمبادئ، وكذلك التعاطف الشديد مع قضايانا على حين وقفت دراستنا لهذا الموضوع - فى الأغلب الأعم ـ فى إطار محدد، وهو إطار الاستشراق الذى انطلقنا فى دراستنا عنه بسوء نية مبيتة واتهام مسبق، ولذلك تركزت الدراسات التى قامت حول موضوع الاستشراق - إلا فى القليل النادر - على ما يمكن أن نسميه بالتفسير التآمرى من جانبنا نحن العرب والمسلمين، لأننا نرى الأمور بطريقة إما..وإما وليس هناك مجال للألوان الوسط أو الحلول الوسط. لكن المشكلة الحقيقية أن تكويننا النفسى والوجدانى مهيأ لتقبل مثل هذه التفسيرات التآمرية التى تبرر أخطاءنا وعجزنا وقصورنا - تجاه الباحثين الغربيين فى أبحاثهم ودراستهم حول الإسلام ورسوله، وكذلك حضارته وتاريخه ولغته وأدبه، فركزنا على المثالب وأبرزها العيوب وأغمضنا أعيننا عن كثير من الدراسات الموضوعية والجهود الكبيرة التى بذلت من قبل الاستشراق فى إخراج كنوز التراث العربى والإسلامى بأمانة وحيدة وتحقيق ممتع وفهرسة تفصيلية. لقد قامت العلاقة بين الإسلام والغرب منذ ظهور الإسلام وشهدت تطورات متعددة عبر تاريخ طويل من الصراع والصدام والقتال المسلح الذى كان السمة الأساسية للعلاقة بين الطرفين لمدة تزيد على ألف وثلاثمائة عام ورغم ذلك فقد ظهرت فى الفترة الأخيرة أصوات عاقلة من الطرفين ترى ضرورة الحوار البناء الذى يركز على القيم الإنسانية العليا، ويؤكد على حق الإنسان فى السلام النفسى والاجتماعى، والحياة الإنسانية الكريمة والسعى إلى سعادة البشرية، بما لا يتناقض مع حرية الإنسان فى اختيار دينه ودون السخرية من دين الآخرين، وهنا لا تنقصنا الشجاعة لكى نعترف أن الدعوة إلى الحوار جاءت من قبل عقلاء الغرب بدليل وجود العديد من المراكز التى أسست فى الغرب لتدعيم هذه الفكرة بالإضافة إلى العديد من المؤتمرات التى عقدت فى الغرب أيضاً لهذا الغرض، وهذا يعكس حرص الغرب وجديته أو عقلائه بمعنى أدق وفيهم صفوة من رجال الفكر والسياسة تجاه مسألة الحوار. والحوار والجدل بالتى هى أحسن قيم أصيلة ركز عليها الإسلام وجعلها أسساً مهمة من أسس الحوار والجوار، كما فى قوله تعالى: «ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتى هى أحسن» وقوله: «وجادلهم بالتى هى أحسن» .. كما أكد الإسلام على حرية العقيدة وحرية الإنسان فى ممارسة شعائر دينه المخالف للإسلام بحرية، فالإسلام حرم الإكراه فى الدين وشدد عليه فى قوله عز وجل فى سورة البقرة: «لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغى فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم» آية 256 - وبمثل هذا القول الواضح والصريح جعل القرآن الكريم الاختلاف فى الدين قاعدة مهمة من قواعد الحوار والتسامح فى الإسلام. وقد أقر الإسلام بحق الآخر بالمخالفة والحفاظ على عقيدته وحريته فى ممارسة تلك العقيدة ومما يؤسف أن بعض الحمقى من ضعاف النفوس والعقول لم يفهموا ذلك كما ينبغى، ولم يكونوا على مستوى الإسلام من تسامح وسعة أفق فى النظر إلى المخالفين فنظروا إلى الآخر - سواء كان مخالفاً فى الدين أو اللغة والثقافة - بصفة مستمرة نظرة شك وعداء، واعتبروه شراً محضاً يتربص بالإسلام والمسلمين وليس هذا فقط بل فرضوا أفكارهم المريضة تلك على الإسلام وجعلوها ديناً يتعبدون به، ويحاكمون الناس على أساسه، ومن ثم يحكمون على الناس بالكفر والإيمان بمدى قربهم من أو بعدهم عن فكر وثقافة هذا الآخر، وهؤلاء المتنطعون باسم الدين أساءوا إلى الإسلام والمسلمين وأرهبوا الناس بأوهام لا أساس لها إلا فى خيالهم المريض. ونقطة أخرى مهمة يبرزها الإسلام فى هذا المجال لم يفطن إليها الذين ينظرون إلى الآخر نظرة شك وعداء، ألا وهى أن هذا الخلاف العقائدى والفكرى والسياسى أمر طبيعى، بل أساس ضرورى لابد منه لاستمرار الحياة ونمو المجتمعات وتطور البشرية إن هذا الخلاف يعد حكمة إلهية كما فى قولة عز وجل فى سورة هود: «ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين» أية 118 كما أشار القرآن الكريم إلى هذا الخلاف أيضا فى مثل قوله عز وجل فى سورة البقرة: «ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين» آية 251 هذا التدافع أمر حيوى فى حياة الأمم والشعوب لبيان وجه الحق وزيف الباطل، وكما يكون التدافع بالقوة المادية فإنه يكون أيضاً بالحوار المستمر الذى قد يثمر فى حل المنازعات والخلافات أفضل مما ينتج عن التدافع بالسيف والمدفع، لأن الحروب لا تولد إلا الحقد والكراهية والتعصب البغيض لكن ليس معنى هذا أننى لا أرى ضرورة للحرب أو إعداد الجيوش والقوة المادية الرادعة فهذا أمر لابد منه لكل مجتمع وذلك لردع العدوان وإعادة الحقوق المغتصبة. وبداية يمكن أن نشير إلى مجموعة ملاحظات مهمة فى هذا الصدد وهى عبارة عن مجموعة خطوط رئيسية تحكم نظرتنا للقضية وهذه الملاحظات هى: أولاً: وجود نوع من الارتباط بين الرؤية الموضوعية للإسلام فى الغرب وبين فتراب السلام والوفاق الاجتماعى بين الطرفين، وبالتالى فإن الرؤية العدائية المشوهة والمشوشة للإسلام تشتد وتقوى فى فترات الحروب، أى أنها عبارة عن مقابل نفسى للعداء للآخر الذى يستعد للانقضاض على الأنا ويسعى إلى القضاء عليها وتدميرها واقتلاع جذورها وإذابتها فى كيانه. ثانياً: كان وراء الصورة الموضوعية التى تتميز بها الآن الكثير من الدراسات الغربية عن الإسلام والتى تقسم غالباً بالحيدة والأمانة وتحرى الدقة - مما يشجعنا على الحوار والتعامل معه بجدية - مجموعة عوامل أهمها من وجهة نظرى: توافر الدراسات والمعلومات الصحيحة عن الإسلام باللغات المختلفة وبكثافة كبيرة بيد العديد من أبناء تلك المجتمعات الذين توفروا على دراسة الفكر العربى الإسلامى ووقفوا حياتهم عليها. تملك الغرب - أمريكا وأوروبا - لناصية الحضارة المعاصرة، وكذلك للقوة والسيادة فى مجالات السياسة والاقتصاد، والعلوم والثقافة، مما أزال عوامل الخوف والرهبة من مجرد احتمال وجود خطر إسلامى يهدد وجود تلك الحضارة ويسعى إلى السيطرة عليها وتدميرها، لكن هذا لا يعنى وجود تيارات أخرى تعبر عن آراء وأفكار عنصرية وصهيونية يزعجها هذا الحوار ورغم هذا فإنها تتضاءل بالقياس إلى أصحاب الرؤية الموضوعية التى تنتشر بسرعة ويقوى ساعدها يوماً بعد يوم، وبالتالى تعتبر هذه الدراسات الغربية فى مواجهة مع الأفكار العنصرية والصهيونية ليس هذا فقط، بل إنها ترد على مثل تلك الأقوال وتطوى بساطها بإظهار زيفها وعدم موضوعيتها ومجافاتها للحقيقة. دخول الإسلام فى بنية المجتمع الغربى وذلك من خلال وجود الإسلام كمكون من مكونات البنية الاجتماعية للمجتمعات الغربية، عن طريق الجاليات الإسلامية التى استقرت كجزء أساسى فى تلك المجتمعات الغربية، ففى أميركا وحدها يقدر عدد المسلمين بحوالى ثمانية ملايين مسلم، وفى فرنسا حوالى 2 مليون، ليس هذا فقط بل إن بعض أبناء تلك الجاليات أصبح أعضاء فى البرلمانات الغربية كما حدث فى الانتخابات الأخيرة فى بريطانيا حيث نجح أحد المسلمين ودخل البرلمان ممثلاً لإحدى المقاطعات. ثالثاً: ضرورة الاعتراف بقصورنا الواضح فى هذا الصدد ليس فقط بالقصور عن متابعة الدراسات الجادة التى تستطيع الإضافة الحقيقية فى هذا المجال، ولكن أيضاً بالوقوف عند مرحلة معينة هى الآن بكل المقاييس مرحلة تاريخية، ألا وهى الفترة الخاصة بالدراسات الاستشراقية وخصوصاً فى الفترة من بداية القرن 19 وحتى منتصف القرن العشرين والتى ارتبط فيها الاستشراق بالاستعمار كعيون مرشدة أو رأس حربة متقدمة داخل المجتمع الإسلامى، والتركيز فقط على الدراسات المجحفة من جانب العديد من المستشرقين، وليس من خلال التقييم الكلى للعملية الاستشراقية، ولا يستثنى من الدراسات التى قدمها الباحثون العرب والمسلمين سوى أعمال فردية يأتى فى مقدمتها وعلى رأسها كتاب المفكر العربى الكبير إدوارد سعيد،الاستشراق مع ضرورة الاعتراف بانتساب إدوارد سعيد إلى الغرب تعليماً وثقافة وإقامة أكثر من انتسابه إلى العرب والإسلام، فكتاب إدوارد سعيد إضافة حقيقية جادة فى هذا المجال، وذلك نتيجة لتميزه بمجموعة خصائص منها المتابعة الدورية المستمرة والتحليل الدقيق والإحصاءات الوفية، وبهذه المناسبة أود أن أنوه بملحوظة ينبغى أن تذكر وهى أننى حاولت القيام بعمل إحصائية كمية وكيفية عن الدراسات التى خرجت باللغة العربية عن الاستشراق ولكننى عجزت تماماً لعدم توافر بيانات صحيحة أو إحصاءات دقيقة أو قاعدة معلومات يمكن الاعتماد عليها فى أى مكتبة أو جامعة فى مصر وكذلك فى العالم العربى والإسلامى رغم كثرة ما نقرأه فى الصحف عن أشياء من هذا القبيل ولكن يبدو أنها مجرد تصريحات صحفية للاستهلاك المحلى أليس ذلك مما يثير الشفقة والرثاء عن الوضع المتردى والمزرى لمكتباتنا ومراكز البحوث لدينا. كل هذا يحتم علينا ضرورة إنشاء مراكز بحوث فى جامعتنا العربية والإسلامية لمتابعة جهود الاستشراق الموضوعى منها وغير الموضوعى على السواء، الموضوعى للإشادة به والحوار معه، وغير الموضوعى للرد عليه وتفنيده والتحذير منه، وللحوار الذى أكد عليه ديننا الإسلامى الحنيف وجعله محورا أساسيا كما أشرنا. لكن علينا أن نؤكد على ضرورة اختيار شخصيات عاقلة ومتزنة تفهم الإسلام كدين وحضارة ولا تقف عند الجزئيات، ومن جهة أخرى تؤمن بجدوى الحوار وعلى علم بتكوين المواطن الغربى نفسيا وعقليا لإزالة التراكمات التاريخية التى ألصقت بالإسلام زورا وبهتانا من قبل عداء الاستعمار الغربى والاستشراق خصوصا فى فترة الصراعات والحروب التى استمرت عدة قرون كما توجد فصائل عديدة فى الغرب من مصلحتها استمرار هذه الصراعات. وأخيرا وليس آخرا لابد من الحوار الإسلامى الإسلامى بين مختلف الفصائل والمذاهب الإسلامية من أجل الاتفاق على مجموعة من الأسس كضوابط حاكمة للخلافات الداخلية ولرأب الصدع الداخلى بين أبناء الدين الواحد والملة الواحدة، وذلك لأنه من غير المعقول أن نتحاور مع أهل الأديان المخالفة وفى نفس الوقت نتصارع ونتقاتل لمجرد بعض الخلافات التاريخية التى لم يعد لها ارتباط من قريب أو بعيد بالواقع الذى نحياه أو الاختلاف حول بعض الجزئيات الفرعية التى تعبر عن وجهات نظر واجتهادات أمر بها ديننا الإسلامى الحنيف.