الاحد 19 رمضان 1423 هـ الموافق 24 نوفمبر 2002 تتفاضل الأشياء وتتفاوت قيمها وأقدارها كما فاضل الله تعالى بين المصطفين الاخيار من رسله فقال: (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض). وقال تعالى: (ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داوود زبورا). فالمكان قد يفضل أماكن فمما لاشك فيه ان أفضل بقاع الأرض بيت الله الحرام بمكة المكرمة، والقلب أمير البدن، والعقل محل الخطاب، ومناط تكليف الانسان، واليوم يسود اليوم، والليلة ترجح بليال ذوات عدد. وماذا عسى ان نذكر في هذه الحقيقة الواضحة، ونحن أمام شواهد من الاسلام دين الله الخالد، والقرآن كتاب الله جاء بسورة (انا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر تنزّل الملائكة والروح فيها باذن ربهم من كل أمر سلام هي حتى مطلع الفجر). إن الله تعالى يمجد بهذه الآيات الكريمات ليلة الاسلام، التي أوحى الله فيها الى محمد بن عبدالله صلوات ربي وسلامه عليه: (اقرأ باسم ربك الذي خلق..) فكان إنزال هذه الآيات أول ما نزل من القرآن الكريم على رسول الله، اصطفاء له، وابتداء لارساله بالدين الخاتم، والرسالة العامة للناس جميعاً: (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيرا وداعياً الى الله بإذنه وسراجاً منيرا). إن ليلة اختصها الله بخصائص انزال القرآن الخالد جديرة بأن يسميها الله «ليلة القدر» وان يفيض عليها نعوت الشرف والفخر بذكرها في سورة الدخان (فيها يفرق كل أمر حكيم). انها ليلة من حُرِمَ خيرها فقد حُرِمْ، كما يقول الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم. ففيها يزكو ذكر الله، وترفع اليه فيها الطاعات، ويضاعف فيها الثواب والأجر، ويستجاب الدعاء، ويحقق الأمل والرجاء (ولله خزائن السموات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون). ومازالت الملائكة تنزل فيها الى يوم الدين، بفيوض رحمات الله ورضوانه، عفوه وغفرانه، وهو سبحانه يصفها بأنها (سلام هي حتى مطلع الفجر).. حتى يتعرض المؤمنون فيها لنفحات ربهم، وهم يقيمونها تائبين مستغفرين، مؤكدين العهد مع الله ان يذكروه وأن يعبدوه مخلصين له الدين، فطاعته جل شأنه أصدق العون على ما يرجوه من طاعة الله، وصلاح أمر المؤمنين واقتفاؤهم خطى مصطفاه على السير القويم. (ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين). روى ابن عبدالبر في الاستيعاب بسنده: ان شهر بن حوشب، وكان في الفريق الذي يحارب الإمام علياً ـ كرم الله وجهه ـ في صفين، ونادى يا أبا الحسن: ـ انصرف عنا يا ابن أبي طالب، فإنا ننشدك الله في دمائنا ودمك، ونخلي بينك وبين عراقك، وتخلي بيننا وبين شامنا، وتحقن دماء المسلمين.. فقال سيدنا علي كرم الله وجهه: «هيهات يا ابن ظليم، والله لو علمت ان الداهنة تسعني في دين الله لفعلت، ولكان أهون عليّ في المؤنة، ولكن الله لم يرض من أهل السكوت والادهان كان الله يُعصى وهم يطيقون الدفاع والجهاد حتى يظهر أمر الله». أجل إن الله لم يرض من أهل القرآن السكوت والادهان، والباطل يستنسر والشر يقظان يحاول ان يزحم الخير في كل مكان، والكفر يريد ان ينزع من الايمان السلطان، وهو يفتري على الاسلام وعلى كتاب الله الكذب.. يقول الله فيه: (وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد). حتى يجاهد المؤمنون الكفر والشر والفساد (والله متم نوره ولو كره الكافرون) وتعود ذكرى «ليلة القدر» بالاسلام الذي رضيه الله لنا دينا، وأتم به علينا النعمة، فتجدنا أمام ينبوع الخير، وجماع الفضائل، أمام دين الحياة الذي ينتظم كل أمورها، حُكما يجعل الشورى أساسه والصالحين عمده ودعائمه، وتوجب حقه في ان يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويقصد وحده في كل مطلب، آخذين حذرهم من المنافقين الذين هم العقبات والعراقيل دون الأمن والدعة والسلام الذي جاء به الاسلام العظيم. وما أجل قول الإمام الشافعي ـ عليه سحائب الرحمة ـ إن في كتاب الله سورة لو عمل بها المسلمون لوسعتهم (والعصر ان الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر). فالاسلام عقيدة وعبادة وسلوك تعود بذكراه وذكرياته ليلة القدر فتحكم وثائق المسلم بدينه وتزيده ارتباطاً بعقيدته، وتروي شجرة الاخوة التي نوه المولى جل شأنه بها بين المؤمنين بقوله: (إنما المؤمنون إخوة). حيث يجعل المؤمن ولاءه لله قبل الآباء والأبناء والأقارب (لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادونَ مَنْ حَاد اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ). فليتنا ننطلق مرة اخرى من ليلة القدر الى الايمان الواثق بالله والاسلام الصادق وتعاليم الدين الحنيف الذي جاء به رسول الله صلوات الله وسلامه عليه. روى البيهقي: عن جابر بن عبدالله ـ رضي الله عنهما ـ ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أعطيت أمتي في شهر رمضان خمساً لم يعطهن نبي قبلي، الأولى: فإنه إذا كان أول ليلة من شهر رمضان ينظر الله عز وجل اليهم، ومن نظر الله اليه لم يعذبه أبداً. والثانية: فإن خلوف أفواههم حين يمسون أطيب عند الله من ريح المسك. والثالثة: فإن الملائكة تستغفر لهم في كل يوم وليلة. والرابعة: فإن الله عز وجل يأمر جنته فيقول لها استعدي وتزيني لعبادي أوشك ان يستريحوا من تعب الدنيا الى داري وكرامتي. أما الخامسة: فإنه إذا كان آخر ليلة غفر الله لهم جميعا. فقال رجل من القوم، أي ليلة القدر؟ فقال: لا ألم تر الى العمال يعملون فإذا فرغوا من أعمالهم وفوا أجورهم». أحمد الريّح الشيخ أبوعاقلة