الاحد 19 رمضان 1423 هـ الموافق 24 نوفمبر 2002 يقول الله عز وجل: «وداود وسليمان إذ يحكمان فى الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلاً اتينا حكما وعلماً وسخرنا مع داود الجبال يسبحن وكنا فاعلين» [الأنبياء]. وكلمة: يحكمان، تدل على أن هناك خصومة فى قضية الحرث والحرث هو إثارة تربة الأرض مثلما يحرث الفلاح الأرض. الله سبحانه وتعالى سمى الزرع والثمر بالحرث حيث يقول سبحانه وتعالى: «وإذا تولى سعى فى الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل» [البقرة: 205]. فمعنى: (ويهلك الحرث) أى يهلك ما نشأ من الحرث من زروع وثمار وفواكه فسمى سبحانه الزرع حرثا. مع أن الحرث هو إعداد الأرض للزرع. وهذا لكى يبين لنا إنه لا يمكن زرع إلا بحرث لأن الحرث إهاجة لتربة الأرض والعزق كذلك لأن الماء حينما يروى الأرض يصنع طبقة زبدية على سطحها فتسد مسام الأرض. فحين تسد هذه المسام تمنع المياه الجوفية من التبخر. وحين تظل المياه الجوفية بدون تبخر تصيب شعيرات جذور النبات بالعطب مما يجعل الزرع يصفر ويضعف. والزرع يحتاج إلى ماء قليل وإلى الهواء فإذا كان الماء كثيراً حجب الهواء عن الجذور وأضر بها. ولذلك يقولون: أن الأرض التى تكون طينتها شديدة ليست جيدة للزراعة، وكذلك الأرض الرملية، لأن الطينية تحفظ الماء الذى يعطب الجذور، والرملية يتسرب منها الماء فلا يفيد النبات، فالأرض الصفراء التى هى وسط بين الطينية والرملية وهى التربة المثالية للزراعة وسمى سبحانه الزرع حرثاً لأن الحرث يهيج تربة الأرض، فيزيل الطبقة المزبدة التى تكونت على سطح الأرض حتى لا تسد المسام ويجعل الهواء ينفذ إلى جذور النبات فيغذيها ولذلك يقولون: لا زرع إلا بحرث. والحق سبحانه وتعالى يقول: «أفرءيتم ماتحرثون أءنتم تزرعونه أم نحن الزارعون»[الواقعة]. وسنة الكون قبل أن يوجد الإنسان وقبل أن يكلف أن الله تعالى قدم عطاءه له قبل أن يكلفه شيئاً. وتركه إلى سن البلوغ يرتع فى نعمه سبحانه دون أن يكلف بشيء وبعد ذلك سيعطيه فى الآخرة عطاء لا ينتهى.. فالدنيا بعد سن التكليف تحتاج منك أن تعمل لتنال. لإنك نلت أولاً قبل أن تعمل وستنال آخراً - فى الآخرة - بدون أن تعمل. فلا بد أن تعمل فى الدنيا حتى تأخذ ثمرة، لذلك فإن الرسول صلى الله عليه وسلم يبين لنا هذه المسألة فيقول: «اعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه». وقصة الحرث التى حكم فيها داود وسليمان عليهما السلام أن رجلاً عنده زرع ورجلا عنده غنم فغفل راعى الغنم عن غنمه فذهبت إلى الزرع وأكلته فاشتكى صاحب الزرع لنبى الله داود عليه السلام، فكان حكم نبى الله داود عليه السلام أن قال لصاحب الغنم اعط الغنم لصاحب الزرع. ربما كان مستند نبى الله داود فى هذا الحكم أنه وجد أن قيمة الزرع أكلته الغنم يساوى قيمة الغنم فحكم هذا الحكم. أما سليمان عليه السلام فكان له حكماً آخر، إذ قال: نعطى الغنم لصاحب الزرع فيستفيد بلبنها وأصوافها، ونترك صاحب الغنم يزرع الأرض حتى تثمر وتصبح كما كانت قبل اعتداء الغنم عليها. وعندئذ يأخذ صاحب الغنم غنمه ويأخذ صاحب الأرض أرضه. فكان القضاء فى هذه القضية قضاء سليمان عليه السلام وهذا ليس طعناً فى نبى الله داود عليه السلام لأن الله تعالى قال: «وكلا أتينا حكماً وعلماً». هذه القصة أخذت منها القوانين الوضعية ومحاكم الدرجة الأولى، والاستئناف، والنقض، ومحكمة الاستئناف حين ترد حكم محكمة الدرجة الأولى أنها لا تطعن فيه ولكنها رأت القضية من جانب آخر غير الذى أخذت به المحكمة الأخرى. إذن... الاستئناف مأخوذ من قول الله تعالى: «ففهمناها سليمان»[الأنبياء78] وليس هناك طعن فى أحد. وقد قال القاسمى فى تأويل قول الله تعالى: (وداود وسليمان إذ يحكمان فى الحرث) أى: الزرع. و(إذ نفشت فيه غنم القوم) أى: رعته ليلاً. (وكنا لحكمهم شاهدين) أى: لحكم الحاكمين والمتحاكمين إليهما، عالمين. وروى عن ابن عباس أن غنما أفسدت زرعاً بالليل فقضى داود بالغنم لأصحاب الحرث، فقال سليمان: بل تؤخذ الغنم فتدفع إلى أصحاب الزرع فيكون لهم أولادها وألبانها ومنافعها. ويبذر أصحاب الغنم لأهل الزرع مثل زرعهم فيعمروه ويصلحوه. فإذا بلغ الزرع الذى كان عليه ليلة نفشت فيه الغنم أخذه أصحاب الحرث وردوا الغنم إلى أصحابها. وقوله تعالى: «وكلا أتينا حكماً وعلماً» أى: وكل واحد منهما آتيناه حكمة وعلماً كثيراً، لا سليمان وحده. ففيه دفع ما عسى يوهمه تخصيص سليمان عليه السلام بالتفهم، من عدم كون حكم داود عليه السلام حكماً شرعياً. يقول تعالى: «ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فأتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير» [سورة البقرةالآية 265]. إن لفظ «ربوة» فى الآية الكريمة ما وضع إلا لحكمة سامية ذلك أن الجنات التى تنشأ فى تربة تعلو بنسبة كافية عن مستوى الماء الأرضى يجد المجموع الجذرى لأشجارها متسعاً للنمو والتعمق والامتداد فى الأرض خاصة أن جذور أشجار الفاكهة تنزل إلى أعماق أكثر من التى تنزل إليها جذور نباتات الحاصلات وبذلك يتضاعف عدد شعيراتها الماصة فتقوى على امتصاص أكبر كمية لازمة لتغذية سيقانها ومجموعها الجذرى على وجه عام وبذلك يتضاعف محصولها ويبارك الله فى ثمارها.. وهذا بخلاف البساتين التى تزرع فى تربة مستوى الماء الأرضى فيها قريب من سطح الأرض إذ أنه فى هذه الحالة تنعدم التهوية الكافية فى منطقة الجذور فيختنق الكثير منها ويموت فتضعف الأشجار ويزيدها ضعفاً عدم استطاعة هذه الجذور أن تمتد امتداداً حراً فى التربة.. من أجل هذا كان من الواجب على من أراد أن ينشيء بستاناً أن يلاحظ ألا يرتفع الماء الأرضى عن نحو متر ونصف المتر دون سطح الأرض. وقد لوحظ أنه عندما يرتفع الماء الأرضى أن البساتين المشتملة على زشجار «العلويات» تظهر عليها أعراض مرضية فتصاب الأوراق باصفرار عام وقد يعتريها الموت فجأة.. أما إذا علا مستوى الماء الأرضى عن سطح الأرض أو كان قريباً منه فقد يموت البستان كله فى ظرف شهرين. وقد جاء ذكر موت أشجار البساتين على وجه عام بارتفاع مستوى الماء الأرضى وغمر التربة بالفيضان وذلك فى قوله جل شأنه: «لقد كان لسبأ فى مسكنهم أية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا به بلدة طيبة ورب غفور فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتى أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل» [سورة سبأ 15و16]. من ذلك كان الإعجاز فى علمى الزراعة والنبات كما يبين البيان القرآنى من أن ازدياد ارتفاع مستوى الماء الأرضى يزيد فى كثرة نسبة ما تنغمر فيه الجذور بالماء فتزداد نسبة ما يتأثر منها بالضرر أو الموت فتقل الثمار أو يقضى عليها بالموت ولذا كانت الأشجار النامية بربوة متضاعفة الثمار بالنسبة إلى أشجار أخرى نامية فى أرض منخفضة قريبة من مستوى الماء الأرضى. وفي قوله تعالى: «أصابها وابل». بيان لحقيقة علمية أخرى وهى أن الأشجار التى تروى بماء السماء خاصة الوابل الضخم القطر ينزل إلى باطن الأرض يحث الجذور على التعمق بخلاف الأشجار التى تروى رياً صناعياً خفيفاً متكرراً - فيصبح أكثر جذورها قريباً من سطح الأرض فتتزاحم وتتعرض للعطش إذا ماجفت الطبقة السطحية من التربة مما قد يؤثر تأثيراً كبيراً على مجموعها الخضرى. وهناك حقيقة علمية هامة مماثلة وهى أن الوابل أثناء نزوله من السماء ومروره فى الغلاف الجوى للأرض يذيب فى طريقه مواد هامة صالحة لتغذية الأشجار فريدة فى درجة خصوبتها إلى درجة محسوسة جداً وتقدر المادة الجافة منها فى اللتر الواحد بنحو 20 إلى 50 ملليجرام.. نصفها بالتقريب مواد عضوية والنصف الآخر مواد غير عضوية. ويمكننا أن نحسب مقدار ما يصل إلى الأشجار من هذه المواد إذا علمنا أن شجرة التفاح البالغة الناضجة تحتاج فى السنة الواحدة إلى نحو 5ر17 طناً من الماء وأن الفدان الذى يحتوى على نحو أربعين شجرة يحتاج إلى 700 طن من الماء ومن المواد التى يذيبها الوابل من الهواء فى طريقه إلى الأرض ويمد بها البستان جزئيات دقيقة من الحديد الذى لا غنى عنه لتكوين الكلوروفيل والمساعدة على إجراء عمليتى الأكسدة والاختزال داخل خلايا النبات ومحتويات نشادرية وأحماض النيتريك والنيتروز والفسفوريك والفسفوروز ومحتويات أخرى عضوية أزوتية ومقادير قليلة من ثانى أكسيد الأكسجين وغير ذلك من المواد التى يستطيع استغلاها أحسن استغلال. ويحتوى الوابل - بوجه خاص - على عنصرى الآزوت والاكسجين ولاشك أن هذا الغاز الأخير ذائباً فى مياه الوابل يفيد الجذور فائدة لايستهان بها وهذه المواد المذكورة تزيد خصوبة الأرض وتفيض على البستان بخير عظيم لا يقاس به بستان آخر مماثل له من جميع الوجوه إلا أنه لا يسقى بماء السماء. والوابل فضلاً عن أنه يمد الأشجار بالماء الكافى لازدهارها فإنه كذلك يغسلها وينظفها ويزيل ما قد تراكم عليها من غبار كما يزيل من على أوراقها كل ما قد يكون كذلك من شأنه أن يعطل «النتح الأديمى» من أوراقها. أو يسد فوهات هذه الأوراق فيعوق المورقة عن أداء وظائفها الأخرى من «نتح فوهى» وتمثيل ضوئى وتنفس وغيره. وبهذا يتآزر عاملا زراعة البستان بربوة وسقيه بالوابل فى مضاعفة ثماره وزيادة حجمها وحلاوتها بالنسبة إلى بستان آخر لم يتوافر له هذان العاملان. وهكذا يبين الله تعالى لنا من الحقائق العلمية فى القرآن الكريم ما يزيد فى ثقافتنا النباتية والزراعية.. ويعلمنا كيف نستعين بهذه المعلومات فى محاولة استغلال أراضينا أحسن استغلال بمحاولة خفض مستوى الماء الأرضى بإنشاء المصارف العميقة مثلاً لنتخلص ما أمكننا ذلك من المياه المرتفعة التى تضعف مزروعاتنا بالقضاء على أجزاء كبيرة من مجموعاتها الجذرية التى تمدها بالغذاء. قال تعالى: «وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون» [سورة يس الآية: 33].