الاحد 19 رمضان 1423 هـ الموافق 24 نوفمبر 2002 العربسة لفظة ظهرت حديثاً، لتحل محل كلمة «ارابيسك» التي ملأت الدنيا وشغلت الناس، وحار في امرها الباحثون والاختصاصيون عبر القرون ولا تزال حتى اليوم بقدر ما تحظى بالتألق فانها تلتف بالغموض، ذلك انها تضم في إهابها الموضوع الثاني من الموضوعات الاربعة التي اخترناها لدراستها كموضوعات رئيسية ـ موتيفات اذا احببت للزخرفة المعمارية الاسلامية في سياقها المسجدي. وكما فعلنا في تناول الموضوع الاول، اي التصوير، دعنا نتبع المنهاج نفسه في التعامل مع العربسة، او الارابيسك، حسبما يطيب لك، دعنا نبدأ باطلالة لغوية على هذا الموضوع، ننطلق منها الى رصد محطات المسار التطوري العام الذي سلكه، محاولين في غضون ذلك فهم الوظيفة، او بالاحرى الوظائف، الجوهرية التي اضطلعت بها العربسة على مر القرون، نخلص اخيرا الى تبين المؤثرات التي صبت في النهر العريض للعربسة وكيف تعاملت العبقرية الفنية الاسلامية مع هذه المؤثرات لتستوعبها وتهضمها وتحولها الى دفق جديد من ذاتها، من هويتها المتألقة. الحقيقة الاساسية التي سننطلق منها، والتي يبدو لنا انه لا موضع لمناقشتها، هي اننا لا نجد في لغتنا العربية مرادفاً دقيقاً لكلمة «ارابيسك» وهي كلمة تبدو العجمة فيها واضحة كرائعة النهار. يقال في لغتنا الجميلة، الارب بفتحتين متواليتين، جمعها مآرب، المطلب المستهدف او المنشود او المقصود، الاربة الحاجة المشتهاة مصداقاً لقوله عزمن قائل: «غير اولي الإربة» والارب بكسر الهمزة وسكون الراء، جمعها آراب، الدهاء والمكر واستخدام الحيلة، والاريب من الناس الحاذق والعاقل. اما في المصطلح الفني فان الارابيسك يثير الحيرة حقاً، ذلك ان الاختصاصيين بالفن الاسلامي من المستشرقين ومن في حكمهم يعتبرون هذه اللفظة مرادفاً لاهم عناصر فن الزخرفة الاسلامي بل الفن الاسلامي على اطلاقه، ويربطون هذه الكلمة بمجموعة من المرادفات الفنية التي تؤدي معناها، فيذهب قائلهم الى انها تعني التوشيح والرقش والتوريق بالاضاقة ـ طبعاً ـ الى العربسة التي ظهرت حديثاً، كما اسلفنا، وهم يلفتون نظرنا الى ان الاسبان يستخدمون لاداء هذا المعنى في لغتهم كلمة توريق العربية عينها بقضها وقضيضها، علماً بأنه من الجلى ان لفظة التوريق تشير الى قسم واحد فحسب من العربسة وهو ما يتعلق بعالم التعامل الفني مع الاوراق، ونلاحظ ايضاً ان الحرفيين في المغرب لايزالون حتى اليوم يطلقون لفظتي توريق وتشجير على الزخارف النباتية، ولفظة تسطير على الزخرفة الهندسية، ولديهم تسمية محددة لكل نوع منها، ويحتفظون برسوم لها يتوارثونها عبر الاجيال جنباً الى جنب مع اسرار المهنة. غابة من الاحتمالات الى هنا تبدو الامور سلسة، واضحة، ولا تضارب فيها. لكن علينا ان نخطو خطوة واحدة بعد هذا في عالم الارابيسك لكي ندرك اننا نجوس في غابة حقيقية حافلة بالاحتمالات والتوقعات والتوجسات والمخاطر ايضاً. خذ عندك، مثلاً قول د. يوسف فرحات في كتابه «المساجد التاريخية الكبرى» ان لفظة ارابيسك شمولية تعني جميع انواع الزخارف الاسلامية الهندسية، وغير الهندسية، الملوية والبسيطة، الدائرية والمستقيمة، اللولبية والمتعرجة، النباتية والكتابية، وهي زخارف يمتاز بها الفن الاسلامي دون الامم الاخرى، ويقوم على اختصار خطوط التزيين النباتية المؤلفة من براعم واوراق متفرعة ومتصلة. وتوزيع الزخارف مدروس لملء الفراغ وتكسيه كامل المساحة. السؤال المطروح الآن هو: هل يمكن القبول بهذا الفهم للعربسة او الارابيسك؟ قبل الاجابة عن هذا السؤال يتعين علينا ان نتذكر ان هذا الفهم للعربسة يجعلها في واقع الامر مرادفة لموضوعات الزخرفة الاسلامية جميعها، الامر الذي تنتفي معه امكانية الخروج بتقسيم موضوعي واضح لموتيفات الزخرفة الاسلامية، ربما الى حد الاستحالة، وبالتالي يتعين علينا قبولها كتلة رجراجة، غامضة، وملتبسة، يكاد تناولها بالدراسة والفهم يكون مستحيلاً لتعذر تفكيك مكوناتها وردها الى اصولها وعزل جزئياتها بعضها عن البعض الآخر. أيا كان الامر، فان الاجابة عن هذا السؤال لن تكون لنا، وإنما هي مهمة نؤثر ان نتركها للدكتور عاصم محمود رزق في «معجم مصطلحات العمارة والفنون الاسلامية»، حيث يبادر الى القول ان الارابيسك: «طراز زخرفي ابتدعه العرب بخصائص ومميزات نوعية كانت زخارفها عبارة عن فروع نباتية متشابكة واغصان متقاطعة وازهار متدلية لا يعرف الناظر اليها اين تبدأ ولا اين تنتهي، وقد شاعت هذه الزخارف اصلاً في الفنون الاسلامية ثم انتقلت منها الى كثير من الفنون الغربية، واتخذت اشكالها النباتية المشار اليها في هيئة حليات متداخلة ومتشابكة تتكرر بانتظام متناغم غير مسبوق، تمتد وتنثني تبعاً لانحناء السطح المزينة له بطريقة ابداعية خارقة يتداخل بعضها في بعض فلا تعرف لها بداية او نهاية، ويرجع استخدام هذه الزخارف التي امتلأت بالحيوية والخيال المتميز ـ في غالب الظن ـ الى الفروع النباتية الكلاسيكية التي وجدت اساساً في كوشات العقود والبوائك والدعامات ورقاب القباب وغيرها». ان طول هذا المقتطف غرم لا يعد له الا ما ظفرنا به من غنم، فهاهنا نرى عزلاً لموضوع نقاشنا عما يتداخل معه، فالعربسة تغدو التعامل الفني الابداعي مع النباتات من فروع واغصان وازهار وغير ذلك في تخارج صريح عن موضوعات الزخرفة الاخرى وبصفة خاصة الابداع الهندسي. هذا من ناحية ومن ناحية اخرى فقد القينا نظرة ـ ولو من بعيد ـ على الاصل الكلاسيكي الذي انطلقت منه العربسة. ومن المحقق ان الاهتمام بالتوريق في الاطار الكلي للعربسة لم يأت اتفاقاً، ولا عفو الخاطر، فكلمة التوريق ذاتها هي اقرب الالفاظ العربية الى دقة التعبير عن جوهر العربسة، نظراً لما للاوراق النباتية من دور كبير في تشكيلها، ونظراً لان هذه الاوراق هي في حقيقة الامر اهم وابرز العناصر المكونة لهذا النوع من الزخرفة، الذي يقوم على اختصار خطوط التزيين النباتية المؤلفة من البراعم والاوراق المتفرعة والمتصلة، بحيث ينساب الغصن الدائري منها في اشكال متموجة او حلزونية او متشابكة، فيمتد هذا الغصن من خلف الاوراق حينا، او يختفي وراءها حينا آخر، او يتشابك معها حيناً ثالثاً، وكأن احدهما ينبت من الآخر، فتظهر الاوراق في اشكال متكررة ومتقابلة ومروحية وبيضاوية ومجدولة ومتشابكة تتداخل في انسجام وتناوب وايقاع وتوزيع مدروس للزخارف التي تكسو السطح كله بدوران هاديء متوازن لا انفعال في تحركه ولا مفاجآت في التفافه، مع المحافظة على عنصر الادهاش في القاء المشاهد وسط متاهات وخطوط بغير حدود. غير انه ليس من قبيل الصدفة كذلك ما رأيناه من اعتقاد بالتداخل بين العربسة والاشكال والموضوعات الاخرى للزخرفة الى حد القول بتماهيها، فهناك فريق من الباحثين المحدثين، منهم على سبيل المثال عبد الرحيم غالب في «موسوعة العمارة الاسلامية» يؤكدون على الطابع الشمولي للارابيسك وعدم اقتصار هذا الاصطلاح على الزخارف النباتية وامتداده الى جميع انواع الزخارف الاسلامية الاخرى. وفي اطار هذه الرؤية، يذهب هؤلاء الباحثون الى تقسيم العربسة الى قسمين، اولهما نباتي يعتمد ـ كما رأينا ـ على الاغصان الدائرية والملتوية والمجردة، ويسمى بالتوريق او التشجير او التزهير، وثانيهما هندسي يعتمد على الخطوط المستقيمة والزوايا القائمة والمنحنية، ويسمى احياناً بالتسطير. وهم يشيرون الى انه غالبا ما تشترك معظم هذه العناصر النباتية والهندسية ومعها العناصر الكتابية لتؤلف عملاً فنياً متكاملاً، تتداخل عناصره المختلفة وتتقابل وتتماثل، ثم تتكاثر وتتعقد لتشكل وحدة زخرفية توريقية او هندسية وكتابية معاً، ثم تتطور هذه الوحدة وتتفرع وتتداخل وتتشابك في تناسق بالغ يستحيل معه على الناظر ان يحدد بدايتها او نهايتها حتى ان عناصرها اللانهائية لا تتوقف الا بانتهاء مساحتها. أياً كان الامر وسواء تحمس المرء لهذا التصور، ام تحفظ حياله ـ كما سبق لنا ان فعلنا ـ فان السؤال الجوهري الذي يبرز هنا هو: ما هو بالضبط المسار التطوري العام الذي انطلق فيه ابداع العربسة. محطات على الطريق يميل بعض مؤرخي الفن الى اعتبار ان الزخرفة النباتية فن مقتصر على الابداع الاسلامي بصورة خالصة، غير ان من البديهي ان العديد من اشكال الزخارف النباتية موجود في كثير من الثقافات الفنية قبل ظهور الاسلام، وبعده، بل ربما يمكن ربطها في نهاية المطاف الانساني بالخصوبة المطلقة. ومع التسليم بذلك الا انه في التقاليد الفنية الاسلامية سنجد هذا النوع من الزخرفة يحظى بالحد الاقصى من الاهتمام، ويصل الى ذروته الرفيعة في العربسة بما تحفل به من التزام بالعديد من المباديء التشكيلية في التكوين والاسلوب الفنيين. ومرة اخرى مع ميل بعض المؤرخين الفنيين الى القول بان الانطلاقة القوية لهذا الفن في التقاليد الاسلامية تزامنت مع مراحل مختلفة من حكم الدولة العباسية الا انه من الثابت ان التحوير في الزخارف النباتية كان قد بدأ منذ العصر البيزنطي، واستمر خلال العصر الاموي، وقد سبق لنا ان لمحنا زخارف نباتية تعكس قدراً كبيراً من الاصالة وتشتمل على عناصر طبيعية عديدة في قصر الحير الشرقي الذي يعتقد ان تاريخه يرجع الى عامي 728 ـ 729 ميلادية. الا ان التحوير الكامل في هذه الزخارف لم يبدأ في الظهور في العمارة الاسلامية وامتداداً في سائر الفنون الاخرى الا اعتباراً من القرن الثالث الهجري ـ التاسع الميلادي، حيث تبرز افضل امثلته في الزخارف الجصية في سامراء بالعراق. وكما هو معروف فقد انتقل هذا اللون من الابداع الى مصر مع ابن طولون، حيث تألقت الامثلة الاكثر ابداعاً في زخارف مسجده الجامع الكبير بشارع الصليبة بالقاهرة، ولا سيما في بواطن العقود فوق الدعامات. في القرنين التاليين لبروز هذا المنجز المعماري الفريد، نلاحظ ان الزخارف النباتية قد اوغلت في طريق التحوير وخضعت لقواعد ثابتة من التناسق والتناظر ومن تعميق حفر ارضيتها حتى تكون عناصرها الزخرفية اكثر وضوحاً، وحتى تكون مع المحافظة على انسيابها اكثر تناسقاً وتماثلاً، وتواصل هذا الاسلوب التحويري في العصرين الايوبي والمملوكي على التوالي. ويلفت الباحث دالو جونز في دراسته المهمة بعنوان «السطح النمط والضوء» نظرنا الى امرين مهمين يحرص على التشديد عليهما، اولهما ان هذا النوع من الزخرفة عكس ميلا الى النزعة الطبيعية ربما في انعكاس للتأثير الصيني الذي نقله المغول، والثاني ان العربسة فتنت اوروبا طويلاً، بحيث نجد انه في عام 1480 يصف فاساري نوعاً من الزخرفة قريب الشبه بالعربسة بأنه من دمشق والشرق، ووصفت التصميمات المماثلة في العديد من مناطق اوروبا بكلمة «ارابيسك» واستلهمت هذه التصميمات في الاشكال الابداعية التي عرفت بالمورسكيه حيث لقيت نجاحاً كبيراً في شتى ارجاء اوروبا في القرن السادس عشر واصبح اصطلاح «مورسكي» يطلق على اي نمط زخرفي متداخل يستمد الهامه من الشرق. ثم غدا اصطلاح «ارابيسك» هو الاصطلاح الاثير الذي يستخدم لوصف التصميمات الغرائبية في الزخرفة المعمارية الداخلية. من المحقق اننا نتحدث هنا عن تطور هائل يمتد عبر اكثر من الف عام ويغطي مناطق الاحتكاك الاولى في شرقي المتوسط ثم التدفق غربا حتى شبه الجزيرة الايبيرية وشرقاً حتى الصين. لكن متابعة هذا التطور بكل محطاته المحيرة لا ينبغي ان تحجب عنا العالم الخلفي الكامن وراء علامة استفهام نراها بالغة الاهمية: ما هي الوظائف الجوهرية التي اضطلعت بها العربسة على وجه الدقة؟ تحت شجرة الحياة يحلو لبعض مؤرخي الفن ان ينكروا على العربسة اي قيمة تتجاوز قيمتها الزخرفية، غير ان ذلك الحضور الكلي للحياة النباتية في الزخرفة الاسلامية لا يمكن الا ان يدفعنا للتوقف والتأمل طويلاً في طبيعة الوظائف التي يضطلع بها هذا اللون الفريد من الابداع الفني. تبادر دومنيك كليفنو في كتابها «الحلى والزخرفة في العمارة الاسلامية» الى تأكيد انه من العبث تصور ان رحيل الفنان المسلم طويلا في رحاب هذا الفن هو هرب من عقدة الفراغ او انه محض ابتعاد عن دوائر التحرج من الوقوع في ما هو منهي عنه، ذلك أن العربسة ربما تكون في جوهرها ترجمة ضمنية بشكل او بآخر لرؤية للطبيعة مرتبطة بالفنان المسلم، رؤية تستمد لحمتها وسداها من جنات عدن كما نراها في محكم التنزيل. وابداع هذا الفنان ليس تمثيلا لهذه الرؤية ولا تجسيدا لها من قريب او بعيد، وانما هو استحضار لروحانياتها وعبقها ومعانيها الآسرة، فضلا عن كونه تعبيرا حقيقيا عن التعاطف مع الطبيعة. من المحقق اننا نستطيع ان نتفهم ذلك ونستوعبه، اذا اقتربنا اكثر من العربسة، واذا توقفنا حيالها عن كثب، اذا حاولنا القيام بقراءة اكثر عمقاً لمفرداتها ولما بين سطورها من معان. لسوف نلاحظ ان الزخارف النباتية التي سنراها في العمارة الاسلامية قد اشتملت على عناصر زخرفية ذات اصول تاريخية مختلفة، فهناك وحدات زخرفية مصرية قديمة، ابرزها زهرة اللوتس والزهرة الرباعية، وهناك وحدات هيلينستية منها الأوراق الثلاثية والمراوح النخيلية، وثمة وحدات قبطية ممثلة في الفروع النباتية والزخارف المشتبكة وورقة الاكانثوس او شوكة اليهود وورقة العنب وغيرها من الزخارف التي كان الاقباط والنساطرة قد نقلوها عن الفن البيزنطي، بالاضافة ـ بالطبع ـ الى وحدات اسلامية صرفة ولاسيما زخارف التوريق الاثيرة لدى الفنان المسلم. وهذه العناصر الزخرفية التي وجدت في العمائر الاسلامية انقسمت الى قسمين محددين: أ ـ زخارف نباتية منفردة قائمة بذاتها. ب ـ عناصر زخرفية مختلفة تشكل ارضية او مهادا لزخارف القسم الاول. وهكذا فإنه في نهاية المطاف نجد انفسنا امام مستويين من الزخارف يكمل كل منهما الاخر ويزيده جمالاً ورونقاً وبهاء. ولعل أهم عناصر الزخرفة النباتية التي وجدت في العمائر الاسلامية ورقة العنب الثلاثية واجزاءها ذات الفص الواحد وذات الفصين، والورقة التركية المعروفة باسم رومي، وورقة الاكانثوس المعروفة باسم شوكة اليهود، والمراوح النخيلية الكاملة وانصافها، والورود المختلفة ذات الفصوص الثلاثية والرباعية والخماسية والثمانية، والأشجار ولاسيما شجرة السرو. ولزخارف الازهار حضور قوي في زخرفة العمائر الاسلامية، فهناك الزهرة رباعية الاوراق، وهي زهرة مصرية قديمة استمرت في فرض نفسها خلال العصرين الاغريقي والبيزنطي قبل ان يلتقطها الفنان المسلم ويبادر بتوظيفها، وهناك الازهار الخماسية والسداسية والثمانية التي تشبه الى حد كبير زهرة الاقحوان المصرية، وقد تطورت هذه الازهار الى شكل تحويري يتألف من اثنتي عشرة وريقة. وفي ما يتعلق بالأشجار فلابد من الاشارة بصفة خاصة الى السرو، مع النخيل والدوم، حيث كانت شجرة السرو لدى الاتراك بصفة خاصة رمزاً للخلود، بالنظر الى دوام خضرة اوراقها في كل فصول السنة، وبالتالي عبرت بالنسبة لهم عن الحياة الخالدة. ونلمح في العربسة التي وظفت هذه العناصر كلها مباديء التحوير الخطي والتوظيف المكثف للاوراق والعناصر الزهرية في تصميمات نباتية عديدة، تمتد عبر اسطح رحبة، ويمكن ان تفرض نفسها على اي سطح يشكو الفراغ، كما انها احاطت بها في بعض الاحيان مؤثرات اخرى، مثل «مزهرية الوفرة» البيزنطية التي نجد اروع امثلتها في مسجد صخرة القبة، او الشجرة التي نجدها على واجهة قصر المشتى، والتي قارنها العديد من الكتاب بـ «شجرة الحياة» الرافدية، التي تحمل بالنسبة لوجدان الكثيرين وعداً بالبعث والخلود، وهذه الشجرة تعاود الظهور مراراً وتكراراً بصورة لافتة للنظر على امتداد تاريخ العربسة الطويل. غير ان من المهم بالنسبة لكل متأمل لابداعات العربسة ان يعمد، بدلاً من البحث عن معنى ثابت في قرار هذه التكوينات الفنية، الى التفكير في الديناميات التشكيلية التي تنطلق من عقالها في مثل هذه التكوينات التي ترتب فيها الغصون بصورة متناظرة على كل من جانبي محور رأسي. وفي هذا الصدد يشار الى مثال مدهش محفوظ في المتحف الوطني السوري بدمشق، وهو عبارة عن شبيكة نافذة مجرية منتزعة من قصر الحير الغربي، حيث نجد نموذجاً رائعاً للارتباط بين الشجرة وبين التطوير الانعطافي للسجادة التزيينية، اذ نجد ان غصنين يتفرعان من قاعدة جذع الشجرة بصورة متناظرة ليشكلا لولبين كبيرين يبرز منهما لولبان آخران، وينحنيان في الاتجاه المضاد، وعلى الرغم من ان هذا التكوين لا يحمل وجه شبه بشجرة حقيقية، الا ان تداخل المنحنيات التبادلية يعطي انطباعاً قويا بحياة عضوية متدفقة. ويبدو الامر كما لو ان المسار الذي تتخذه الفروع صمم ليحمل النسغ على نحو مستمر صعودا به الى الاشكال المسطحة للاوراق والسعفات. وبدلاً من تجسيد الشجرة فاننا نجد هاهنا استحضارا بصريا لمبدأ التدفق الذي يعيد الى الاذهان كذلك اسلوب الري. ونجد اشكالا للعربسة مثيرة للاهتمام حقاً في عمارة الاناضول ومنها على سبيل المثال العربسة التي تزين وجهية المسجد الاخضر في بورصة، حيث نجد هذه العربسة منفذة في السبندلتين اللتين تؤطران عقد المدخل، واذا صح التعبير فاننا نرى حركة الغصون منغمسة في غمار تيارات دوامة، وهكذا فان العربسة تحقق قوة تعبيرية مدهشة ومفارقة تماماً للطابع السكوني المألوف في العربسة. ومن المحقق ان حديثنا عن العربسة كأحد موضوعات ـ او موتيفات ان احببت ـ الزخرفة الاسلامية في سياقها المسجدي سيظل اذا لم نشر الى التأثيرات الصينية وما استدعته من تأكيد على النزعة الطبيعية بعيد عن الحد الادنى المطلوب من الاكتمال. ما الحكاية؟ فما هي حكاية هذه التأثيرات بالضبط؟ يمكننا، بأوسع المعاني ومن دون التطرق الى التفاصيل، ان نشير الى ان بلاد فارس شهدت نتيجة للغزوات المغولية في القرن الثالث عشر عربسة استوعبت اشكالاً زهرية اخرى مستمدة من التقاليد الفنية الصينية، مثل زهرتي اللوتس والفاوانيا. وهنا تميزت العربسة بصفة خاصة بميلها الى ابراز التكوينات التي تفرضها الازهار وليس الشبكة الابداعية المؤلفة من الغصون. وبهذه الطريقة فان العربسة حلت محلها، وبصفة خاصة في الزخرفة الصفوية، نثارات متفرقة من الزهور، التي على الرغم من ان نسيجها ظل ماثلاً وقائماً وموجوداً الا انه ليس بارزاً بحال. وهكذا يبدو ان المنطق الزراعي للري قد حل محله استحضار لمشهد طبيعي تكسوه على نحو غير متوقع زهور الربيع وهو مشهد غالبا ما نراه مرتسماً على صقال مرآة الشعر الفارسي. وتطور العربسة هذا الى ترتيب تناثري للزهور يعد افصاحاً عن تحرك باتجاه نزعة طبيعية جديدة في الزخرفة النباتية نراها ماثلة في الفن الصفوي، ولكنها اكثر وضوحاً في الفن العثماني وفي الفن المغولي في الهند ايضاً. اخيراً، لا يمكننا الا التشديد مجدداً على ان هذا النجاح المدهش الذي حققته العربسة لا يدين بوجوده للخوف من دائرة الوقوع في المحظور بقدر ما يدين لهذا التوق وذلك التطلع الدائمين في وجدان المسلمين جميعاً الى ما وعد الله به المؤمنين من عباده واليقين بأنه الوعد الحق. نعم، انه اليقين، الذي تأنس اليه القلوب، وترتاح عند سدرته النفوس. ألم يقل اهل الحقيقة: «اليقين عين القلب»؟ ألم يعلمنا ذو النون ان: «كل ما رأته العيون نسب الى العلم وما علمته القلوب نسب الى اليقين؟