الاحد 19 رمضان 1423 هـ الموافق 24 نوفمبر 2002 أثبت العلم الحديث ما جاء به القرآن بعد جهد شاق طويل، تقدمت فيه أبحاث الجيولوجيا والتحاليل الأرضية، تمخضت عن أن الأرض والشمس ومختلف الكواكب والأجرام، إنما كانت سديما فى الفضاء، وأن الأرض انفصلت عن هذا السديم، والأدلة على ذلك كثيرة، ومنها أن نفس العناصر التى تتكون منها الأرض هى نفسها التى تتكون منها الشمس. يقول تعالى: (أولم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حى أفلا يؤمنون). [سورة الأنبياء الآية: 30]. وقد حاول العلماء جاهدين أن يصلوا إلى حقيقة السديم، وقد كان الرأى الذى استقروا عليه مؤخراً جداً، هو أن السديم عبارة عن غاز عالق بين مواد صلبة، ولهذا فإنه لا يمكن إطلاق لفظ السديم على أن شيء من الوجهة العلمية سوى الدخان، وليس عجيباً أن يكون هذا هو ما جاء به القرآن الكريم: (قل أئنكم لتكفرون بالذى خلق الأرض فى يومين وتجعلون له أنداداً ذلك رب العلمين وجعل فيها رواسى من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها فى أربعة أيام سواء للسائلين ثم استوى إلى السماء وهى دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أوكرها قالتا أتينا طائعين). فالعلم الحديث يقرر أن الكون كان شيئاً واحداً من غاز، ثم انقسم إلى سحب وعالمنا الشمسى كان نتيجة ذلك الانقسام الذى حدث من جراء انفجارات شديدة وتم الانفتاق المذكور فى الآية بعد أن كانتا مرتوقتين وفى ذلك إشارة لما حدث فى الكون من انفجارات انتشرت بسببها مادة الكون فيما حولها من فضاء وفراغ، انتهت بتكوين أجرام السماء المختلفة. وفي الآية الكريمة: (والأرض بعد ذلك دحاها أخرج منها ماءها ومرعاها والجبال أرساها). ويقرر العلم أن الأرض انفصلت عن الشمس، وهى على صورة غازية ملتهبة، ثم أخذت تبرد شيئاً فشيئاً، فنتج عن ذلك تجمد السطح الخارجى الذى أخذ يزداد سمكاً.. وفى هذه الفترة كانت الغازات والأبخرة تتصاعد من الأرض لتتساقط عليها ثانية على هيئة المطر، فكان تكوين الماء. بعد خلق الأرض ونزول الماء مع الأمطار، وتفجره من الينابيع، وجدت التربة الصالحة التى ينمو فيها النبات ويترعرع.. أو ليس ذلك هو ما يقرره القرآن الكريم. وكلمة دحاها تعنى أنه جعلها كالدحية أى كالبيضة.. وقد أوضحت الصور التى سجلتها آلات التصوير فى أثناء رحلات الأقمار الصناعية فى الفضاء، أن شكل الأرض الحقيقى مستدير، وهذا يطابق ما تدل عليه البراهين النظرية والعملية. ويلاحظ أن لفظ «دحا» يدل على شيئين هما: البسط مع الاتساع والتكوير فى التكوين.. وهذه روعته فى التعبير عن الأرض التى نراها أمامنا فى الظاهر مبسوطة فسيحة الأرجاء، هى فى واقع الأمر مستديرة كالبيضة، وهذا تقرير العزيز الحكيم الذى أتقن كل شيء خلقه. ومما يثبت كروية الأرض قوله تعالى: (رب المشرقين ورب المغربين). فلو كانت الكرة الأرضية منبسطة، لوجب أن يكون على سطحها شروق واحد وغروب واحد، فتنير الشمس كامل سطحها حين تشرق، ويحتجب النور عن كامل سطحها حين تغرب، وبما أن الأرض كروية فإن الشمس حينما تشرق عليها تنير الجهة الشرقية منها فقط، وتظل الجهة الغربية منها محجوبة عن النور فى حالة ظلمة، ويجرى العكس حينما تشرق الشمس على الجهة الغربية منها، وتنيرها بحيث تظل الجهة الشرقية منها مظلمة محرومة من النور بسبب غروب الشمس عنها.. وهذا الأمر لا يتأتى إلا من كون الأرض كروية الشكل. وإن ما أثبته القرآن عن الشكل الكروي بالآية الكريمة السالف ذكرها. وحيث إن التكوير لا يتم عادة إلا حول جسم كروى.. ويؤيده قول الله سبحانه فى آية أخرى حيث يقول جل شأنه: (لا الشمس ينبغى لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل فى فلك يسبحون). وفيه يرد على من يزعم أن النهار يسبق الليل، فضلاً عن أن ذلك يعتبر تأكيداً قرآنياً بأن الأرض كروية إذ لو كانت مبسوطة لما تم تكوير الليل والنهار حول جسم واحد، فى وقت واحد، أى أن القرآن الكريم أثبت منذ ألف وأربعمائة عام كروية الأرض قبل أن يثبتها العلم الحديث. ونأتى لنظرية علمية أخرى أثبتها القرآن فى آيات محكمات، أن يثبتها العلم الحديث بمئات السنين وهى نظرية دوران الأرض فى القرآن الكريم، قال تعالى: (وترى الجبال تحسبها جامدة وهى تمر مر السحاب صنع الله الذى أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون). وإذا كانت الجبال وهى أوتاد الأرض تتحرك وتمر مر السحاب فالأرض المشدودة المثبتة بهذه الأوتاد لابد وأن تدور بدورتها.. وفى التعبير: ( وهى تمر مر السحاب) إشارة إلى أن مرور الجبال وحركتها ليست مروراً ذاتياً، وإنما يتم تبعاً لدورة الأرض، ذلك لأن السحاب لا يمشى بقوة ذاتية، وإنما يمشى بقوة الرياح. ولهذا كان التشبيه القرآنى قوياً ودقيقاً فى إثبات دوران الأرض يقول تعالى: (أولم يروا أنا نأتى الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب ). وقال أيضاً: ( بل متعنا هؤلاء وآباءهم حتى طال عليهم العمر أفلا يرون أنا نأتى الأرض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون ). أثبت العلم الحديث أن الأرض عندما تبرد تدريجياً تنكمش.. وانكماشها هذا سبب من أسباب الالتواءات الأرضية، وسبب من الأسباب التى تحدث البراكين.. فإذا انكمشت القشرة الأرضية ضغطت على جوف الأرض، فخرج منها الحمم والصخور الملتهبة على هيئة غازات تندفع بسرعة مبتعدة عن الأرض. وهذا يفسر ندرة الغازات الخفيفة مثل الهيدروجين الطليق والهليوم من الغلاف الأرضى. الأمر الذى يدل على هجرتها من جو الأرض.. ولما كانت الأرض كروية فإن أطرافها هى كل ما يحيط بها، والتى تفلطحت عند القطبين وانبعجت عند خط الاستواء بسبب سرعة دورانها حول نفسها، الذى يبلغ نحو ألف ميل فى الساعة.. وأن جزئيات من الغازات والعناصر المحيطة بوسط الكرة الأرضية تنطلق بقوة الطرد المركزية إلى الخارج حول خط الاستواء مما يساعد على الانبعاج.. أى زيادة فى شكلها عند خط الاستواء، ونقص فى طرفى القطبين. إن كل هذه الحقائق لا تثير العجب ولا الدهشة، ولكن العجب المدهش حقاً هو ذكر هذه الحقائق منذ ألف وأربعمائة عام أو يزيد فى كتاب الله الكريم فى موضعين من مواضعه، حينما كانت هذه الفكرة وأمثالها بعيدة كل البعد عن الفكر البشرى ولم تتضح له إلا مؤخراً.