الاحد 19 رمضان 1423 هـ الموافق 24 نوفمبر 2002 سورة «الأنعام» التى يغلب على الظن أن نزولها كان فى السنة الرابعة من البعثة، زاخرة بالأدلة على وحدانية الله ـ تعالى ـ ، وبالأدلة على أن يوم القيام حق، وبالأدلة على أن هذا القرآن من عند الله، وبالأدلة على أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ صادق فيما يبلغه عن ربه.. وزاخرة ـ أيضا ـ بالوصايا الحكيمة للمؤمنين، وبالآيات القرآنية التى تأمرهم بالدعوة إلى الله ـ تعالى ـ بالحكمة والموعظة الحسنة، وبالمجادلة بأسلوب مهذب قويم، بعيدا عن السباب والهجاء، والتطاول والإيذاء.. ومن الآيات القرآنية التى ساقتها سورة «الأنعام» لنهى المؤمنين عن سب آلهة المشركين قوله ـ تعالى ـ : [ولاتسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم، كذلك زينا لكل أمة عملهم، ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون]. (الآية: 108) 2ـ لفظ «تسبوا» مأخوذ من السب بمعنى الشتم الوضيع، وذكر مساوئ الغير لمجرد التحقير والإهانة. ولفظ «عدوا» مصدر بمعنى العدوان والظلم والانتقال من الحق إلى الباطل، ومن العدل إلى الجور. والمعنى: ولاتسبوا ـ أيها المؤمنون ـ آلهة المشركين الباطلة، فيترتب على ذلك أن يسب المشركون إلهكم الحق الذى هو إله واحد، جهلا منهم وضلالا، وكفرا منهم وعناءا.. وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الأية روايات منها: ما رواه معمر عن قتادة قال: «كان المسلمون يسبون أصنام المشركين، فيسب المشركين الله ـ عزوجل ـ عنادا وجهلا، فنزلت هذه الآية. 3ـ وقد ذكر كثير من العلماء الحكم والأسباب التى من أجلها جاء هذا النهى، فقال صاحب الكشاف ـ رحمه الله ـ : «فإن قلت: سب الآلهة الباطلة حق وطاعة، فكيف صح النهى عنه، وإنما يصح النهى عن المعاصى؟ قلت: رب طاعة علم أنها تؤدى إلى مفسدة فتخرج عن أن تكون طاعة، فيجب النهى عنها لأنها معصية لا لأنها طاعة، فالنهى عن المنكر هو من أعظم الطاعات، فإذا علم أنه يؤدى إلى زيادة الشر، انقلب إلى معصية ووجب النهى عن ذلك، كما يجب النهى عن المنكر». وقال الإمام السيوطى ـ رحمه الله ـ : «وقد يستدل بهذه الآية على سقوط وجوب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، إذا ضيف من ذلك مفسدة أقوى، وكذا كل فعل مطلوب ترتب على فعله مفسدة أقوى من مفسدة تركه». وقال الإمام القرطبى ـ رحمه الله ـ : نهى الله المؤمنين عن سب الأصنام لوجهين: أحدهما، أنها جماد لاذنب لها. والثانى: أن ذلك يؤدى إلى المعصية بسب الله ـ تعالى ـ ، والذى يجب علينا إنما هو بيان بغضها وأنه لاتجوز عبادتها، وأنها لاتضر ولاتنفع، وأنها لاتستحق العبادة..». وقال الشيخ الطاهر بن عاشور ـ رحمه الله ـ : «ووجه النهى عن سب أصنامهم، هو أن السب لاتترتب عليه مصلحة دينية، لأن المقصود من الدعوة إلى وحدانية الله ـ تعالى ـ هو الاستدلال على إبطال الشرك، وإظهار استحالة أن تكون الأصنام شركاء لله ـ تعالى ـ، فذلك الذى يتميز به المحق من المبطل، فأما السب فإنه مقدور للمحق وللمبطل، وربما استطاع المبطل بوقاحته وفحشه ما لا يستطيعه المحق، فيلوح للناس أنه تغلب على المحق.. على أن سب آلهتهم لما كان يحمى غيظهم ويزيد تصلبهم، صار منافيا لمراد الله من الدعوة، فقد قال سبحانه لرسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ «وجادلهم بالتى هى أحسن» وصار هذا السب متمحضا للمفسدة، وليس بمثوبة بمصلحة من المصالح النافعة للدعوة..». 4ـ وقوله ـ تعالى ـ :«كذلك زينا لكل أمة عملهم» تعليل آخر للنهى عن سب آلهة المشركين. والتزيين تفعيل من الزين الذى هو الحسن والجمال. والمعنى: ومثل ذلك التزيين والتحسين الذى حمل المشركين على الدفاع عن عقائدهم الباطلة جهلا منهم وعدوانا وعنادا وجحودا للحق، زينا لكل أمة من الأمم عملهم، من الخير والشر والايمان والكفر، فقد مضت سنتنا فى أخلاق البشر أن يستحسنوا ما تعودوه، وأن يتعلقوا بما ألفوه حتى ولو كان فى نهاية القبح والبطلان.. وصدق الله إذ يقول: «أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا، فإن الله يضل من يشاء ويهدى من يشاء، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون» [صورة فاطر: الآية 8]. 5ـ ثم ختم ـ سبحانه ـ الآية الكريمة بقوله: «ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون». أى: عليكم ـ أيها المؤمنون ـ أن تبتعدوا عن سب آلهة المشركين، لأن هذا السب سيؤدى إلى أن يسب هؤلاء الجاهلون ربكم الذى خلقكم وخلقهم، واعلموا أن الله ـ تعالى ـ إليه مرجعكم جميعا، فيخبر هؤلاء المشركين من غير تسويف أو تأخير بما كانوا يعملونه فى الدنيا، ويجازيهم على ذلك بما يستحقونه. وفى هذه الجملة الكريمة تهديد شديد لأولئك الذين استحبوا العمى على الهدى، والذين إن يروا سبيل الرشد لايتخذوه سبيلا، وإن يروا سبيل الغى يتخذوه سبيلا. نسأل الله ـ تعالى ـ أن يهدينا جميعا إلى صراط مستقيم