السبت 18 رمضان 1423 هـ الموافق 23 نوفمبر 2002 المحراب، لغة، هو الموضع العالى وصدر البيت وأكرم مواضعه وأشرف المجالس. وفى لسان العرب لابن منظور (المحاريب صدور المجالس ومنه محراب المسجد، والمحراب القبلة. ومحراب المسجد أيضا صدره وأشرف موضع فيه). وقد وردت كلمة (محراب) فى القرآن الكريم بمعنى المكان العالي المكرم فى المنزل (وهل آتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب)، كما أشارت لفظة المحراب الى الحجرة أو الصومعة التى يقوم فيها المتعبد بأداء شعائر الصلاة ومناجاة الله والتقرب اليه فى موضعين من القرآن الكريم: فى سورة مريم (آية 11): (فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم ان سبحوا بكرة وعشية). فى سورة آل عمران (آية 39): (فنادته الملائكة وهو قائم يصلي فى المحراب ان الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين). أما فى المساجد فتستخدم كلمة المحراب للدلالة على العلامة التى تعين اتجاه أقدس مكان عند المسلمين يتجهون اليه فى صلاتهم، وسواء كانت هذه العلامة على هيئة رسم مسطح أو حفر غائر أو بناء بارز، فهى مجرد علامة رمزية تعين اتجاه بيت الله الحرام وهو الكعبة بمكة المكرمة. ومحاريب المساجد فى ديار الاسلام تنقسم الى نوعين رئيسيين، وهما المحاريب الثابتة المشيدة فى حائط القبلة أو على أحدى دعامات ظلة القبلة ثم المحاريب المتنقلة وقد اتخذ هذا النوع الأخير من الخشب وان لم يكن فاشيا فى المساجد وأغلب الظن أنه كان يستخدم فى قصور وبيوت الأمراء وعلية القوم ممن تتسع دورهم لاقامة الصلوات الجامعة. ومن أشهر أمثلة المحاريب المتنقلة بعض محاريب خشبية يحتفظ بها متحف الفن الاسلامى بالقاهرة وقد عثر فى بعضها مشاهد آل البيت بالقاهرة وهى تؤرخ بالعصر الفاطمى بمصر وبالتحديد فى القرن السادس الهجرى (12م). وقد عثر على أقدم هذه المحاريب الثلاثة فى الجامع الازهر أما المحرابان الآخران فقد نقلا الى المتحف من مشهدى السيدة نفيسة والسيدة رقية. ونعود الى النوع الأول من المحاريب وهو الأكثر استخداما فى المساجد، فنجد أنه كانت هيئة بنائية ثابتة بوسط جدار القبلة وفى بعض الأحيان نجد هذا النوع من المحاريب على دعامات ظلة القبلة. وأشهر محاريب هذا النوع هي المحاريب المجوفة وهى مشيدة على هيئة نصف دائرة فى جدار القبلة ومن ثم فالمحراب يبدو بارزا خلف جدار المسجد. ولا يعرف على وجه التعيين تاريخ ومكان أول محراب مجوف فى المساجد الاسلامية وان حاول بعض المستشرقين نسبة بناء أول المحاريب المجوفة الى اقباط مصر الذين عملوا فى عمارة المسجد النبوى بالمدينة على عهد الخليفة الأموى الوليد بن عبدالملك (707ـ 709م). وقد روجت كتابات هؤلاء الأجانب لمقولة ان المحراب المجوف اتخذ عن هياكل (مذابح) الكنائس القبطية فى مصر، مشيرين فى سياق ذلك الى محراب مجوف عثر عليه فى دير الأب هرميا بسقارة ونسب الى القرن 6م مما يقطع من وجهة نظرهم بسبق الأقباط فى انشاء هذا النوع من المحاريب. وليس بخاف ان المستشرقين قصدوا من وراء ذلك حرمان العرب والمسلمين من أي فضل معمارى أو فنى فى انشاء مساجدهم ومبانيهم التى خلدها تاريخ العمارة. ومهما يكن من أمر تلك المزاعم فإن الحنايا المجوفة التى يكون مسقطها الأفقى على شكل نصف الدائرة عرفت كعناصر زخرفية فى العمائر الرومانية ومنها انتقلت الى الكنائس، فعملت الهياكل على هيئتها، ولكن بمساحات أكبر من التى نعهدها فى المحاريب الاسلامية، وذلك حتى تتسع لرجال الدين القائمين بالصلاة بينما لا يكاد المحراب الاسلامى يتسع لامام الصلاة. والى أبعد من ذلك فإن محراب دير الأب هيرميا بسقارة لا يوجد ما يؤيد نسبته الى الفترة السابقة على الاسلام ومن المرجح أنه ينسب الى القرن 7م أو 8م، فيكون محرابه متأثرا بالمحاريب الاسلامية وليس العكس. وبوادي النطرون بمصر مثال جيد للتأثر بعمارة المحراب الاسلامى نجده فى محراب مجوف بكنيسة السيدة العذراء فى دير السريان (القرن الثالث الهجرى 9م ). وفضلا عن ذلك فإن كلمة (قبط) قد استخدمت للاشارة الى المصريين على اطلاقهم بغض النظر عن ديانتهم. ويحدثنا التاريخ عن شخصيات اعتنقت الاسلام وبقيت صفتها القبطية (المصرية) لم تتغير مثل مارية القبطية زوجة الرسول (صلى الله عليه وسلم) وأم ولده ومن الصحابة ورواة الحديث (جبير بن عبدالله القبطى) مولى بنى فهر، وأبو رافع القبطى مولى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وعبيد القبطى وعبداللطيف القبطى. والغالب على الظن ان مسجد الرسول (صلى الله عليه وسلم) بالمدينة كان مزودا بمحراب وكذلك مسجد قباء فى عهد الرسول كما يستفاد من بقاء حائط القبلة الأولى فى مكانه بعد تحويل القبلة فى مسجد المدينة وما ذكر عن ان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين أسس مسجد قباء وضع حجرا فى قبلته ثم جاء أبوبكر فوضعه ثم جاء عمر بن الخطاب بحجر ووضعه الى جنب حجر أبى بكر ثم أخذ الناس فى البناء. وفى هذا احتمال كبير بأن لفظة القبلة هنا تعنى المحراب لا جدار القبلة فحسب كما يظن لأول وهلة. ويبدو ان محراب المسجد النبوى بالمدينة كان مجوفا حيث تقول الروايات بشأن عملية البناء ان المسلمين صفوا النخل قبلة له وجعلوا عضادتيه من حجارة والعضادة تعنى جانب فجوة أو تجويف مما يعزز الظن بأن المقصود بذلك هو محراب مجوف. كما ينسب بناء المحراب المجوف الى عمارة مسلمة بن مخلد فى جامع عمرو بن العاص بالفسطاط بمصر عام 53هـ (673م) أى قبل تجديد المسجد النبوي فى عهد الوليد بن عبدالملك بنحو 35 عاما. أما الناحية الأثرية فان أقدم محراب مجوف يوجد فى الضلع الجنوبى من المثمن الخارجى لقبة الصخرة بالقدس، ويعود الى زمن تشييد القبة أيام عبدالملك بن مروان فى عام 72هـ (691م). وتشير بقايا العمائر الاسلامية فى القرنين الأول والثانى الهجريين الى ان المسلمين استعملوا المحاريب المجوفة ذات المسقط المتعامد الاضلاع وخاصة فى شرق العالم الاسلامى إبان العصر العباسى كما فى محراب مسجد قصر الأخيضر ببغداد ومحراب أقدم مسجد باق بأرض فارس ويعرف باسم (طريق خانة) وينسب الى النصف الثانى من القرن الثانى الهجري (8م). بيد ان الغلبة كانت للمحراب المجوف ذي المسقط النصف دائرى والذى نجده بكثرة فى العمائر الأموية كما فى الجامع الأموى بدمشق وجامع قصر الحلابات ومسجد خان الزبيب ومسجد أم الوليد ومحراب المسجد الصغير فى كل من قصر المشتى وقصر الطوبة وجميعها تقع فى بادية الشام. وسرعان ما انتشر هذا النوع من المحاريب المجوفة فى بناء المساجد فى شرق العالم الاسلامى وغربه. وفى مصر يعد المحراب المجوف الموجود بجامع أحمد بن طولون أقدم مثل فى مصر مؤكد التاريخ وكذلك من ناحية جداره المجوف وعقد واجهته وما حولها من زخارف جصية، فكلها تعود الى وقت تشييد الجامع فى منتصف القرن الثالث الهجرى (9م). ماعدا كسوة طاقية المحارب الخشبية والتى زخرفت بالألوان، فهى من أعمال السلطان المملوكى لاجين، وذلك الشريط المزخرف بالفسيفساء والكسوى المؤلفة من حشوات وأشرطة رخامية تغطى سطح تجويفة المحراب. وجدير بالذكر ان المحاريب الاسلامية فقد معظمها بسبب أعمال التجديد والتوسيع فى المساجد نتيجة تزايد اعداد المسلمين فضلا عن الاخطاء الفلكية التى ارتكبها مشيدو المحاريب مما استوجب هدمها لتصحيح اتجاه القبلة أو (تحرير القبلة) حسبما اصطلح على تسميته هذه العملية فى كتابات المؤرخين. ومن أشهر وأقدم المحاريب الاسلامية ذلك المحراب الذى عثر عليه فى جامع الخاصكى ببغداد، ويقال انه كان فى الأصل محراب لجامع المنصور الذى بناه لقصره بوسط بغداد وهو من قطعة واحدة من الرخام الأبيض ويبدو أنه نقل لجامع الخاصكى بعد تهدم قصر المنصور. ويشتهر محراب المسجد الجامع بالقيروان فى تونس بكسوته من البلاطات الخزفية ذات البريق المعدنى والتى وضعت له خصيصا فى مدينة سامراء بالعراق. ومهما يكن من أمر فقد تنوعت المواد التى كسيت بها تجاويف المحاريب عبر الأقطار الاسلامية اذا استخدمت مواد مختلفة لعل أهمها الجص والرخام والأحجار والبلاطات الخزفية بمختلف أنواعها. ولا ينفى ذلك التنوع ما نراه من تميز لبعض الأقاليم فى استخدام كسوات بعينها. ففى مصر والشام كان الجص هو المادة الشائعة الاستخدام فى عصر الدولة الفاطمية بينما تميزت المحاريب فيهما منذ عصر المماليك باستخدام الرخام المتعدد الألوان فى كسوتها فجاءت جميعها آية فى الفن. وفى المحاريب المملوكية عادة ما تنتهى تجويفة المحراب من أعلاها بطاقية على شكل نصف قبة مكسوة بأشرطة رخامية على هيئة خطوط منكسرة (زجزاجية) أو من قطع صغيرة من الرخام الخردة (فسيفساء رخامية) والجزء الأوسط قد يكون على شكل أشرطة رخامية متعددة الألوان على هيئة الشاذروان الموجود فى أسبلة الماء وقد يكسى هذا الجزء برخام دقيق مطعم بالصدف ليكون أشكالا هندسية متنوعة. أما الجزء الأسفل فكان يكسى بالرخام على هيئة محاريب صغيرة متلاصقة. وامتازت أقطار المغرب العربى بعمل المحاريب المجوفة وكسوتها بالفسيفساء الخزفية المتعددة الألوان وجميعها على هيئة زخارف هندسية. أما ايران فقد تفردت بالمحاريب المكسوة ببلاطات القاشانى وجميعها حافل بالكتابات النسخية والزخارف النباتية. ومن نوافل القول ان نذكر هنا عادة المعمار المسلم فى ان يوضع المحراب فى منتصف جدار القبلة بالضبط ليتخذ محورا لتوزيع فتحات النوافذ على جانبيه بالتوازن والتراصف المألوفين فى الفن الاسلامى. وفضلا عن هذا وذاك، فقد درج الآثاريون على القول بأن من فوائد المحراب المجوف، اضافة الى تحديد اتجاه القبلة، ان هيئته المجوفة توفر صنعا اضافيا عند ازدحام المسجد فيقف الامام داخل الحنية. ولا شك فى ان تجويف المحراب كان يساعد على تضخيم صوت الامام فى التكبيرات وقراءة القرآن فى الصلوات الجهرية فى عهد لم يكن لمكبرات الصوت فيه أى وجود. وإلى جا نب المحاريب المجوفة ظهرت محاريب أخرى مسطحة، وعادة ما وضعت فى دعامات ظلة القبلة، وقد أثارت ظاهرة تعدد المحاريب تلك تساؤلات حول الغرض منها. فمن قائل أنها كانت ضرورة بسبب تعدد المحاريب تلك تساؤلات حول الغرض منها، فمن قائل أنها كانت ضرورة بسبب تعداد المذاهب ليصلى اتباع كل مذهب خلف امام لهم بينما يرى آخرون استبعاد مثل هذا القول مع ترجيح ان المحاريب المسطحة قصد بها تعيين اتجاه القبلة للمصلين فى الصفوف الخلفية، فضلا عن اتاحة الفرصة لذوى الشأن ان يسجلوا اسمائهم فى عمارة المساجد التى سبق الأولون الى تشييدها. ومن المعروف تاريخيا ان أقدم أمثلة المحاريب المسطحة التى ورد ذكرها فى كتب المؤرخين هى تلك التى كانت بالجامع الأموى بدمشق، أما أشهر الأمثلة الباقية منها فهى خمسة من المحاريب الجصية بدعامات جامع أحمد بن طولون وهى تعود الى العصرين الفاطمى والمملوكى.