السبت 18 رمضان 1423 هـ الموافق 23 نوفمبر 2002 الحمد حمد من شكره وأصلي واسلم على خير من ارسله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وبعد... سورة التوبة من السور المدنية وعددا آياتها مئة وتسع وعشرون اية وهي السورة الرابعة عشرة بعد المئة في عداد نزول السور القرآنية وهي اخر سورة نزولا ونزلت بعد سورة الفتح، ولسورة التوبة اهمية عظيمة وهي السورة التي ختم بها القرآن حيث كانت آخر سورة براءة ايضا لهذا سوف نجد في سورة التوبة امر جلل فهي السورة التي اعلنت فصل الخطاب بين اولياء الله وبين اولياء الشيطان في يوم مشهود وهو يوم الحج الاكبر فهذه السورة تناولت احداث مختلفة وضربت بحظ وافر في تبيان اسس المجتمع وشروطه وحدوده ودولته التي لا يشاركه فيها مشرك وعلى هذا الاساس كان للآية سياق خاص طويل يعبر عن ضوابط شرعية كثيرة فجاء مقصود السورة اجمالا في تسميتها انها وردت فيها توبة الله تعالى عن الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك وهو حدث عظيم ولقد ذكر للسورة ثمانية اسماء لأهميتها فسميت براءة، التوبة، الفاضحة، المبعثرة، المقشقشة، البحوث، العذاب، الحاضره وقد وضع عنوان السورة (التوبة) لانه عنوان معنوي يدل على عمل اخلاقي استحق فاعله العفو والغفران فكان هذا العنوان واضح الاثر على مدى علاقة السورة باسمها ومدى تأثير دلالات الاسماء في الاخلاق، فسورة (التوبة) سورة عظيمة وهي من السبع الطوال لهذا نرى محتوياتها كثيرة واثاراتها متعددة ودلالاتها لاتنتهي لما فيها من دلائل الاحكام وفضائل الاخلاق لان الناظر في هذه السورة وعلى ما دار فيها يجد انها حوت مواضيع كثيرة ولكنها ركزت على المنافقين وكذبهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، واثنت على الذين صدقوا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم في اعتذارهم لما تخلفوا عن الجهاد ومن جهة اخرى نجد السورة عالجت قضية اخلاقية اخرى وهي طلب الجوار وان المستجير له حق الامان وعدم الخيانة لان الخيانة عمل غير اخلاقي ونجد ان الاسلام يعالج قضايا خطيرة في حاجة الى تريث واستماع مما يدل على سماحته في معاملة الكفار لان الله وضح ذلك في كتابه «وان احد من المشركين استجارك» وطلب جوارك وحمايتك فاقبل جواره حتى يسمع كلام الله ويتدبره ويتفهم معانيه ويقف على اسراره العالية لان الانسان اذا خرج من بيئة العناد والضلال قد يشرح الله قلبه للاسلام، ثم ابلغه مكانه واوصله للدار التي يأمن فيها: «اسلم او لم يسلم» ثم قاتله ان استوجب حاله القتال من غير غدر ولا خيانة وهذا من مكارم الاخلاق التي دعا اليها الرسول الاعظم صلى الله عليه وسلم وتنبيه المسلمين جميعا ان يعملوا على نشر الدين ومبادئه حتى يسمعها اولئك الذين لايعرفون عن محاسن الدين الاسلامي شيئا لان الدين هو الاخلاق التي ذكرها الرسول صلى الله عليه وسلم حين قال: انما بعثت لأتمم مكارم الاخلاق ففي هذه السورة نجد دلالات الاخلاق في كل اية من هذه السورة على اختلاف طول آياتها التي تعرضت لجوانب كثيرة من احكام التي كشفت عن اعمال المنافقين السيئة التي خالفت ادنى درجات الصدق والاخلاق الانسانية والسورة العظيمة (التوبة) يتضح من مقصد اسمها انها اعلت من شأن الاعتراف الذي يهدم الاقتراف وسفهت المخادعين لانفسهم الذين ظنوا انهم يخدعون الله وهو خادعهم، الذين يحلفون كذبا واوصت بالصدق، فالذين اعترفوا بذنوبهم وسألوا الله التوبة عليهم جاءت توبتهم مثل فلق الصبح في آيات تتلى ابد الدهر، فالتوبة راحة للنفس لتستأنف العمل من جديد وتفتح صفحة بيضاء لأن الذنب يتعب الانسان ويكبل خطواته ويقض مضجعه ويدنس ثوبه، فالتائب الى الله معترف بسلطانه وقوته وانه غفور رحيم وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم انه كان يقول (والله اني لاستغفر الله واتوب اليه في اليوم اكثر من سبعين مرة) والتوبة اول مقامات السلوك عند العلماء وهي التي تغسل الذنوب وتريح القلوب ولهذا جعلت عنوانا لسورة كريمة وذلك حتى يسموا الناس بهذا المعنى العظيم وهو التوبة من الذنب والذي يقرأ سيرة الثلاثة الذين نزل فيهم القرآن يشعر مدى الضيق الذي كانوا فيه حين ضاقت عليهم الارض بما رحبت ولما تاب الله عليهم سارع الناس الى تبشيرهم لذا كان اختيار لفظ التوبة اسما للسورة من بين كثير من الالفاظ فيه دليل على التنصيص على عظمة التوبة وذلك لان القرآن الكريم جعل التوبة والاستقامة عليها من اول طريق السلوك ثم الوصول الى غاية المعرفة التي قوامها الرضوان بأن يرضى الله ورسوله عنك وخلاصه القول ان اسم السورة اعطى المسلمين التوبة لأنها الامان لهم من المعاصي والذنوب التي ترتكب ومن لم يحقق التوبة ولم تكن له غاية له، فهو في سبيل الشيطان والغواية وان ادعى باسم واحد وهو مسلم وبل يجب ان يستقيم الحال وان نكثر من التوبة ونمتثل هذه السورة العظيمة التي سميت بالتوبة، رزقنا الله واياك اخي المسلم التوبة النصوح ونسأله قبول صالح الاعمال والحمدلله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد صلى الله عليه وسم. د. سيف الجابري