السبت 18 رمضان 1423 هـ الموافق 23 نوفمبر 2002 لقد أنشأ الإسلام حضارة عظيمة مترامية الأطراف عميقة المعانى والدلالات حضارة أبهرت العالم وشهد لها الأعداء بالنبوغ والتفوق وسمو الهدف ونبل المقصد ظلت هى الأولى عالميا على مدى ثمانية قرون شهدت رقيا فى مختلف نواحى المعرفة وأنجبت علماء مازالوا يحتلون مكانة عظيمة فى الوعى الإنسانى فى مختلف فروع العلم حضارة تهدف إلى البناء والتعمير وتيسير حياة الإنسان على ظهر الأرض واكتشاف المجهول وتعمير الكون باعتبار أن ذلك رسالة وفريضة إيمانية واجبة على الأمة الإسلامية. وتهدف هذه السلسلة إلى إلقاء الضوء على جهود المسلمين فى مجال الحضارة الإسلامية وقد عرضنا فى الحلقة السابقة لجهود المسلمين فى علم الكيمياء واليوم نتوقف أمام علم عظيم الأهمية والمقصد وهو علم الطب الذى يهدف إلى حماية صحة الإنسان ووقايته من الأمراض والأوبئة وكيف أشار الإسلام من خلال المصادر الأصلية القرآن والسنة إلى موضوعات طبية غاية فى الأهمية، كما نشير إلى تطور الطب فى إطار الحضارة الإسلامية على يد مجموعة من العلماء أناروا طريق البشرية وصاروا رموزا لا يمكن تجاهلها فى مجال الحديث عن تطور العلوم الإنسانية ولا فى مجال الحديث عن الرقى البشرى والنمو الحضارى وكذلك عند الحديث عن مدى مساهمة الأمم والشعوب فى هذين المجالين. لقد جاء إسهام المسلمين فى تطور علم الطب من ناحيتين: الأولى: حديث القرآن والسنة وما جاء فيهما من إرشادات تتصل بعلم الطب وهو ما عرف فى تراثنا الإسلامى باسم الطب النبوى. الثانية: دور العلماء المسلمين فى تطوير علم الطب وأهم إسهاماتهم فى هذا المجال الذى وصلهم عن الأمم السابقة عن طريق حركة الترجمة التى نشطت فى البيئة الإسلامية بتشجيع المسئولين من الحكام والولاة منذ القرن الأول الهجرى. ومن ثم سيكون حديثا عن علم الطب فى الحضارة الإسلامية مكونا من حلقتين الأولى عن الطب النبوى والثانية عن دور المسلمين فى تطوير هذا العلم. الحلقة الأولى ـ الطب النبوي: لقد أشار القرآن الكريم فى العديد من الآيات كما أكدت السنة النبوية المطهرة إلى أهمية الطهارة وضرورة تطهير النفس والبدن واتخاذ الوسيلة وطلب الشفاء والتطبب ولقد جمع ذلك العديد من العلماء واهتموا بذلك فألفوا الكتب فى هذا المجال من أشهرهم ابن قيم الجوزية فى كتابه المهم «الجواب الكافى لمن سأل عن الدواء الشافى« وموفق الدين عبد اللطيف البغدادى فى كتابه «الطب فى القرآن والسنة» وجلال الدين السيوطى فى كتابه «مختصر الطب النبوى» وغيرها من الأعمال المهمة فى هذا الصدد. ويقسم العلماء الموضوعات التى اهتم بها هذا النوع من الطب الإسلامى إلى ثلاثة أقسام رئيسية على النحو التالى: ـ الطب الوقائى. ـ الطب العلاجى. ـ الطب النفسى. وسوف نتحدث عن كل واحد من هذه الأنواع بما يوضح المقصود منها وبما يفسر طبيعة الطب الإسلامى. ويقصد بالطب الوقائى الاحتراز من الوقوع فى المرض وذلك باتباع قواعد صحية عامة وهذا ما يعكسه قول الرسول صلى الله عليه وسلم فى الحديث الشريف: «سلوا الله العافية والعفو فإنه ما أوتى أحد بعد اليقين خيرا من العافية« وقد جاء ذلك فى حديث الرسول إلى عمه العباس بن عبد المطلب : «يا عباس سل الله العافية فى الدنيا والآخرة.» وهذا يظهر فى حديث الإسلام عن الطهارة وتحريم أكل الميتة والدم والخمور والبعد عن النجاسات بمعنى أن الإسلام اهتم عمليا بتطبيق المثل المشهور الوقاية خير من العلاج وهو مثل صحيح يظهر مدى الحرص على تجنيب الإنسان وعدم تعريضه للمهالك والمضار وهذا ما أكدت عليه الآيات الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة التى ركزت على أهمية النظافة النفسية والجسدية وعلى أهمية حماية الإنسان المسلم ظاهريا وباطنيا فالإسلام لم يهتم فقط بالبناء المادى للإنسان ولكن اهتم بالبناء الشامل الذى يهتم بجميع الجوانب الإنسانية ماديا ومعنويا. وعلى هذا الأساس يشتمل هذا النوع من الطب الإسلامى على الموضوعات والقضايا التى تحدثت عن النظافة والطهارة كالوضوء والتسوك والغسل وضرورة تجنب المجزوم وعدم دخول إلى أرض انتشر بها الوباء أو عدم الخروج من أرض يوجد بها الوباء مما يوضح مدى حرص الإسلام على نظافة المرء كفرد وكإنسان كما أظهرت الحرص على حماية الجماعة من الأوبئة والأمراض المعدية. وقد أشارت إلى ذلك العديد من الآيات والأحاديث النبوية فبالنسبة للنظافة والطهارة تعد قيمة أساسية حرص عليها الإسلام ونبه إلى أهميتها كما فى قوله تعالى فى سورة المائدة : «يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا» وقوله تعالى فى نفس السورة: «وإن كنتم جنبا فاطهروا» وقوله تعالى عن ضرورة تجنب جماع المرأة الحائض بقوله تعالى من نفس السورة : «يسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء فى المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن« كما جاءت الأحاديث النبوية بتحريم أكل الحيونات الضارة والمؤذية بصحة الإنسان كالأسد والذئب والثعلب والصقر والعقاب والكلب وغيرها. وقد جاءت حياة الرسول صلى الله عليه وسلم كأسوة حسنة للمسلمين نموذجا وقدوة فى هذا الإطار فقد عرف عنه صلى الله عليه وسلم حبه للتطهر والمسك وأكدت ذلك بعض الدراسات الحديثة التى أوضحت أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان ينفق ثلث دخله تقريبا على الروائح والطيب كما عرف عنه صلى الله عليه وسلم حرصه على جمال مظهره الخارجى ونظافة ملابسه ونهيه عن أكل الطعام ذوى الروائح الكريهة التى تؤذى الآخرين كالبصل والثوم. الطب العلاجى على المسلم أن يوقن أن الشفاء بيد الله سبحانه وتعالى ولكن هذا لا يمنع من الأخذ بالأسباب فقد أشارت العديد من الآيات القرآنية إلى بعض الأطعمة باعتبارها دواء وشفاء للناس كما فى حديث القرآن عن العسل فى سورة النحل يقول تعالى: «يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس». كما نبهت الأحاديث النبوية على ضرورة التداوى وطلب العلاج فقال صلى الله عليه وسلم: «ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء» وقد أوصى الرسول عليه الصلاة والسلام إلى أنماط من العلاج كالفصد والحجامة كما أكد الرسول صلى الله عليه وسلم على أهمية العسل كعلاج للمرضى حينما جاءه صحابى فقال له يا رسول الله إن أخى يشتكى بطنه فقال اسقه عسلا فذهب وعاد ليخبره بأن العسل زاد من إسهاله فكرر الرسول الطلب اسقه عسلا فعاد إليه مرة أخرى ليقول بأن العسل زاد من إسهاله أيضا فقال له الرسول صدق الله وكذب بطن أخيك». وقد أشار الطب النبوى إلى أنواع أخرى متعددة من العلاج فتحدث عن أهمية الحبة السوداء وماء زمزم وألبان الأبل والتداوى بالسنا والسنوت والكمأة والعجوة..وغيرها. ومما يوضح أهمية الطب الإسلامى فى العلاج أن الهيئات والمنظمات العالمية اتجهت إلى الاهتمام بالطب الإسلامى فقد صنع العسل على هيئة حبوب للتناول لمنح القوة والحيوية وكذلك صنع من السواك مسحوق ومعجون لغسيل الفم كما صنع من الحبة السوداء حبوب للتناول مما يوضح أهمية هذه الأشياء فى علاج الإنسان وخصوصا أنها لا يوجد لها آثار جانبية كالعقاقير. الطب النفسى لقد جاء القرآن الكريم فى الأساس كتاب هداية وتشريع يهتم برسم حياة الإنسان وفق منهج إلهى يحقق له الاستقرار النفسى والأمان وهذا ما أشارت إليه الآيات الكريمة كقوله تعالى فى سورة الإسراء: «وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين» وكقوله عز وجل فى سورة يونس: «يا أيها الناس قد جاءكم موعظة من ربكم وشفاء لما فى الصدور». وعن مكانة القرآن الكريم فى علاج الإنسان المسلم يقول الإمام ابن القيم فى كتابه زاد المعاد: «فالقرآن هو الشفاء التام من جميع الأدواء القلبية والبدنية وأدواء الدنيا والآخرة وما كل أحد يؤهل ولا يوفق للاستشفاء به وإذا أحسن العليل التداوى به ووضعه على دائه بصدق وإيمان وقبول تام واعتقاد جازم واستيفاء شروطه لم يقاومه الداء أبدا، وكيف تقاوم الأدواء كلام رب الأرض والسماء الذى لو نزل على الجبال لصدعها أو على الأرض لقطعها؟ فما من مرض من أمراض القلوب والأبدان إلا وفى القرآن سبيل الدلالة على دوائه وسببه والحمية منه لمن رزقه الله فهما فى كتابه». ومدلول كلام ابن القيم السابق أن القرآن الكريم فيه قواعد عامة للوقاية من الأمراض المعدية والضارة بالإنسان مثل نهى القرآن على سبيل المثال من اجتناب النساء فى المحيض وعن أكل لحم الخنزير والميتة وشرب الخمر لما تسببه هذه الأمور من أضرار محققة بصحة الإنسان ولا يحمل كلامه على ترك التداوى وطلب الطب فإن ذلك من قبيل الوسيلة التى جعلها الله من أسباب الشفاء والعلاج. كما أن كلام ابن القيم السبق على أهميته لا يحمل من قريب أو بعيد ما تسعى إليه بعض الجماعات الآن من الحديث عن العلاج بالقرآن والحديث عن المس الشيطانى الذى كثر فى بلاد المسلمين فى السنوات الأخيرة بصورة أنكرها الكثير من علماء الإسلام الثقات كالشيخ محمد الغزالى رحمه الله. وينطبق نفس الكلام على الإفراط فى الحديث عن الإعجاز العلمى فى القرآن لأن فيه تحميلاً للقرآن الكريم فوق ما يحتمل لأن القرآن فى الأساس كتاب هداية وتشريع وفيه بعض الإشارات العلمية اليقينية كدليل على إعجازه لكنه حض على طلب العلم والمعرفة وليس كتابا فى الكيمياء أو الصيدلة أو الفلك أو الطب لأن فى هذا خطورة على القرآن نفسه وذلك حيث أن النظريات العلمية فى حالة تغير مستمر والجديد منها ينسخ القديم ويبطله وفى ربط ذلك بالقرآن خطورة على القرآن ككتاب إلهى ثابت لا يأتيه الباطل وربما لهذا السبب أشار كبار علماء المسلمين فى العصر الحديث كالشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر السابق إلى خطورة مثل هذا الكلام على القرآن ورفضه وكذلك المفكر الإسلامى الشهيد سيد قطب. كما أن الأزهر الشريف لهذا السبب منع تداول تفسير الشيخ طنطاوى جوهرى أحد علماء الأزهر لاعتماده فى التفسير بصفة أساسية على ظاهرة الإعجاز العلمى.