السبت 18 رمضان 1423 هـ الموافق 23 نوفمبر 2002 الاسلام هو الدين الوحيد الذي يحدث توافقا بين العقل وبين النقل ويتصدى لأكاذيب خصومه الذين يحاولون نزع صفة القداسة عن تعاليم الاسلام ويرفضون الوحي الغيبي الذي تميز به الاسلام عن سائر الاديان ولا يؤمنون بكل ما يتعلق بالغيب على عكس ما اقرته عقيدة الاسلام والمسلمون.. فكيف يرى علماء الاسلام هذا التوافق؟ يري الدكتور محمد عمارة المفكر الاسلامي الكبير ان هناك العديد من الأيديولوجيات تقيم قطيعة بين العقل والنقل، ويجعلون من النقل مادة تتناقض بشكل عام مع العقل، ويدعون ان الثقافة الاسلامية نقلية لا عقلية، ويعتقدون ان جميع علماء الأمة بدون استثناء غير مؤهلين لانهم اعتمدوا على النقل وليس على التفكير ويطالبون بالغاء كل الأساسيات الموجودة التي تعتبرها الأمة الاسلامية من المسلمات وانهم مكلفون بالبحث عن الحقيقة من جديد تاركين النقل - القرآن - معتمدين على عقولهم فقط.. حيث أن هذه الأيديولوجيات الالحادية التي لا تعترف بدين ولا وحي مردود عليها من آيات القرآن الكريم نفسه الدين الوحيد الذي يحدث توافقا بين العقل وبين النقل. ويضيف د. عمارة بان القول بالاعتماد على العقل فقط - اى دون النقل الذي هو الوحي الالهي في بلاغه القرآني وبيانه النبوي - واستخدام العقل وحده أداة لاعادة النظر في كل ما تعتبره الأمة من المسلمات هو قول يحتاج الى ضبط والى تصويب ويمكن ان يتم ذلك من خلال اشارات الى عدد من الحقائق وهي: ان مقام العقل فى الاسلام هو مكان عال وفريد ولا نظير له في الشرائع السابقة على الشريعة الاسلامية الخاتمة فالعقل فى الاسلام هو مناط التكليف بكل فرائض واحكام الاسلام اى شرط التدين بدين الاسلام.. و ان النقل الاسلامي وخاصة معجزته القرآنية هو معجزة عقلية قد ارتضت العقل حكما فى فهمها وفي التصديق بها، وفي التميز بين المحكم والمتشابه فى آياتها وايضا فى تفسير هذه الآيات.. فليس للقرآن كهنوت يحتكر تفسيره، وانما هو ثمرة لنظر عقول العلماء المفسرين وعلى حين كانت معجزات الرسالات السابقة معجزات مادية تدهش العقول فتشلها عن التفكير والتعقل.. جاءت معجزة الاسلام وهي القرآن الكريم معجزة عقلية تستنفر العقل كي يتعقل ويتفكر ويتدبر وتحتكم اليه باعتباره القاضي في تفسير آياتها. ويوضح د. علي جمعة أستاذ الفقه المقارن وعضو مجمع البحوث الاسلامية انه من الحقائق الثابتة ان العقل فى الاسلام هو سبيل الايمان بوجود الله ووحدانيته وصفاته، لان الايمان بالله سابق على التصديق بالرسول وبالكتاب الذي جاء به الرسول ولأنه شرط لهما ومقدما عليهما فالتصديق بالكتاب متوقف على صدق الرسول الذي آتى به والتصديق بالرسول متوقف على وجود الاله الذي أرسل هذا الرسول واوحى اليه والعقل هو سبيل الايمان بوجود الله تعالى وذلك عن طريق تأمل وتدبر بديع نظام وانتظام المصنوعات الشاهدة على وجود الصانع المبدع لنظام وانتظام هذه المصنوعات فالعقل في الاسلام هو اداة الايمان بجوهر الدين. وأضاف أن المقابلة بين العقل والنقل هي أصلا اثر من آثار الثنائيات المتناقضة التي تميزت بها المسيرة الفكرية للحضارة الغربية تلك التي عرفت لاهوتاً كنسياً - نقلا - لا عقلانيا فجاءت عقلانيتها في عصر النهضة والتنوير الوضعي العلماني ثورة على النقل اللاعقلاني ونقضا له.. أما في الاسلام والمسيرة الفكرية لحضارته وأمته وخاصة في عصر الازدهار والابداع فان النقل لم يكن أبدا مقابلا للعقل لان المقابل للعقل هو الجنون وليس النقل.. ولان النقل الاسلامي ـ القرآن الكريم ـ هو مصدر العقلانية المؤمنة والباعث عليها والداعي لاستخدام العقل والتفكر والتدبر في آيات الله المنظورة والمسطورة جميعا.. وآيات القرآن التي تحض على العقل والتعقل تبلغ 49 آية، والآيات التى تتحدث عن «اللب» بمعنى عقل وجوهر الانسان هي 16 آية، كما تحدث القرآن عن «النهى » بمعنى العقل في آيتين وعن الفكر والتفكر فى 18 موضعا، وعن التدبر في اربع آيات، وعن الاعتبار فى 7 آيات، وعن الحكمة فى 19 آية، وعن القلب كأداة للفقه والعقل في 132 موضعا.. ناهيك عن آيات العلم والتعلم والعلماء التى تبلغ فى القرآن اكثر من 800 آية.. فالنقل الاسلامي ـ اى الشرع الالهى ـ هو الداعي للتعقل والتدبر والتفقه والتعلم، والعقل الانساني هو أداة فقه الشرع، وشرط ومناط التدين بهذا الشرع الالهي ولذلك لا اثر للشرع بدون العقل كما انه لا غنى للعقل عن الشرع وخاصة فيما لا يستقل العقل بادراكه من أمور الغيب وأحكام الدين. وأوضح ان العقل مهما بلغ من العظمة والتألق في الحكمة والابداع هو ملكة من ملكات الانسان، وكل ملكات الانسان ـ بالخبرة التاريخية والمعاصرة ـ هي نسبة الادراك والقدرات تجهل اليوم ما تعلمه غدا كما أن ما يقصر عنه عقل الواحد يبلغه عقل الآخر.. واذا كانت ميادين عالم الشهادة ـ النفس والكون أي الدنيا مفتوحة على مصراعيها أمام العقل وأمام التجربة بالنسبة للانسان فان هناك ميادين عالم الغيب وسبيل معرفتها الوحيد هو «النقل» - أي الوحي ـ والوجدان «القلب والالهام» فالهدايات التي يهتدي بها الانسان هي « العقل»، و«النقل»، أو « التجربة»، و«الوجدان » وليس العقل وحده دون سواه.. وبتنوع الهدايات وسبل المعرفة الانسانية، مع تنوع مصادر المعرفة الانسانية ـ الوحي وآيات الله المسطورة، مع الكون وآيات الله المنظورة ـ تتكامل وتتوازن المعرفة الانسانية وهذه هي نظرية المعرفة الاسلامية التي تعتمد على التوازن بين العقل والنقل.. بينما المنظومة الغربية وغيرها من المنظومات تفتقد هذا التوازن اذ يعتمدون على العقل فقط والتجربة. ويستشهد د محمد الفيومي أستاذ الفلسفة وعلوم الاستشراق بجامعة الازهر بما عبر به الامام محمد عبده عن التوازن الذي يتميز به الاسلام بين عالم الغيب «الوحي» او «النقل»، وبين عالم الشهادة «العقل» عندما تحدث عن ذلك 1849- 1905م في تفسيره لآية «اهدنا الصراط المستقيم» عن «الهدايات الأربع» وهي العقل والنقل والتجربة والوجدان.. ويرى ان العقل هو ينبع اليقين في الايمان بالله وعلمه وقدرته، والتصديق بالرسالة، اما النقل فهو ينبوع فيما بعد ذلك من علم الغيب كأحوال الآخرة والعبادات.. والقرآن - وهو المعجز الخارق - دعا الاسلام الناس الى النظر فيه بعقولهم فهو معجزة عرضت على العقل وعرفته القاضي فيها وأطلقت له حق النظر في انحائها ونشر ما انطوى في أثنائها.. واذا قدرنا عقل البشر قدره وجدنا غاية ما ينتهي اليه كماله انما هو الوصول الى معرفة عوارض بعض الكائنات التي تقع تحت الادراك الانساني.. ويضيف ان الاسلام لا يعرف على الاطلاق هذه الثنائية المتناقضة بين العقل والنقل وصريح المعقول لا يمكن ان يتعارض مع صحيح المنقول ولقد عبر الامام محمد عبده عن ما قد يتوهمه البعض تعارضا عندما صاغ هذه القضية فقال: لقد تقرر بين المسلمين ان الدين ان جاء بشيء قد يعلو عن الفهم فلا يمكن ان يأتي بما يستحيل عند العقل.. ففارق بين ما يعلو على ادراك العقل من بعض أمور الدين وبين ما يستحيل في العقل الذي بريء ويبرأ منه الدين، الا انه من بين علماء الاسلام الذين عبروا بصدق وعبقرية عن تكامل العقل والنقل ـ الحكمة والشريعة ـ حجة الاسلام ابو حامد الغزالي 1058-1111م . كما اكد هذه العلاقة بين العقل والنقل علاقة التكامل والتآخي أيضا ابو الوليد بن رشد 1126- 1198م حين قال: ان الباب مفتوح على مصراعيه أمام العقل في سائر ميادين عالم الشهادة وهو سبيل الفقه والفهم والتكليف في الشرع والدين، ولكن لابد من مؤازرة الشرع والنقل العقل فيما لا يستقل العقل بادراكه من عالم الغيب والحكم والعلل من وراء بعض احكام العبادات في الدين وما قد يبدو من تعارض أحيانا بين العقل والنقل فهو تعارض بين العقل وبين ظاهر النقل وليس حقيقة معنى النقل أو مرجعه الى تخلف «صحة» النقل أو تخلف «صراحة» العقل أو وجود ما يعلو عن الفهم لا ما يتعارض مع العقل فالعقل مع الشرع كما قال حجة الاسلام الغزالي نور على نور وما الحديث عن التعارض بينهما الا اثر من آثار الغلو في أحدهما تفريطا أو افراطا واذا كانت البديهة والخبرة البشرية وحتى الحكمة الفلسفية تقول ان مبادئ الدين والشرائع ما لا يستقل عنه العقل بادراك كنهه وحقيقة جوهره فكيف يجوز لعاقل ان يدعو الى تحكيم العقل وحده في كل أساسيات الدين؟!