السبت 18 رمضان 1423 هـ الموافق 23 نوفمبر 2002 تواجه الدعوة الإسلامية تحديات كثيرة في أعقاب أحداث 11 سبتمبر فالإسلام يتهم بالإرهاب والدعاة لا يستطيعون الحركة بحرية ويواجهون المضايقات في معظم الدول الغربية. ولا تختلف الصورة كثيرا على الساحة الإسلامية رغم اختلاف الأسباب فالجهود الدعوية مبعثرة بين فرق وأحزاب وتيارات لا تنظر إلا تحت أقدامها ولا تسمع إلا كلمة العلماء الذين ينتمون إليها بالإضافة إلى ضعف مستوى الدعاة وضحالة علمهم وعدم قدرتهم على توجيه الناس أو التأثير فيهم. حول هذه القضية نلتقي فضيلة الشيخ يوسف البدري الداعية الإسلامي المعروف ليحدثنا عن تجربته الدعوية وذكرياته والمواقف التي واجهته خلال رحلته الطويلة مع الدعوة إلى الإسلام في أكثر من 35 دولة من دول العالم ويتطرق الحوار إلى القضايا والمعارك التي خاضها فضيلته وكان لها تأثير كبير في الرأي العام الإسلامي. ـ الدعوة الإسلامية تواجه تحديات كثيرة منذ أحداث سبتمبر فالمسلمون متهمون في الغرب بالإرهاب والتطرف وتوضع العراقيل أمام عملهم كيف نتعامل مع تلك التحديات؟ ـ نعم الدعوة الإسلامية تواجه ظروفا صعبة الآن فالوقائع التي تحدث كل يوم تشير بأصابع الإتهام إلى الإسلام ظلما وزورا يقول تعالي: «ولايزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم أن استطاعوا» ويصدق على الغربيين قوله ـ تعالي: «قد بدت البغضاء من أفواهمم وما تخفي صدورهم أكبر» وقد بات العالم الإسلامي يعاني أمورا كثيرة تجعله يقف موقف المتهم العاجز عن الدفاع عن نفسه كأن القوة في هذا العصر هي لسان المنطق والكلام فألسنة المدافع وحدهم مقبولة الدعوات طاهرة الفم، والمسلمون لا قوة لهم رغم ما معهم من خير وما في أيديهم من ثروات لكنهم عاجزون عن حمايتها لأنهم تفرقوا وأصبحوا شيعا وأحزابا، وهذا هو سبب ضعفهم وكل دولة من الدول الإسلامية لها اتجاهات معينة تتبناها وقضايا تدافع عنها ولذلك تختلف مواقف هذه الدول في أكثر من القضايا الأساسية التي تتعلق بالكيان الإسلامي كله وهذا كله جعل الدعاة في حيرة واضطراب لأنهم لا يعرفون ما الذي يمكن أن يقولوه خاصة وأن المسلمين ليس بأيديهم صناعة فأجهزة التسجيل والحاسب الآلي والطيارة والسيارة لا تصنع في البلاد الإسلامية بل أن هذه البلاد لا تنتج ما يكفيها من الحاصلات الزراعية والمواد الغذائية والعالم الإسلامي اليوم متخلف يستورد كل شئ حتى الطعام ويستورد التكنولوجيا والملابس وغير ذلك وعندما يذهب الإنسان إلى مكه أو المدينة في موسم الحج يجد كل ما يعرض على الحجاج من منتجات ـ في هذا السوق الذي حل محل عكاظ وذي المجاز والمربض التي كانت تمتلئ بالمصنوعات الإسلامية ـ الصين واليابان وأميركا وأوروبا وآسيا ولم تعد هناك أية منتجات إسلامية، إذن ماذا يقول الدعاة وإنتاج العامل في البلاد الإسلامية لا يزيد على 27 دقيقة يوميا رغم أنه يمكث في عمله ثماني ساعات فكيف يعيش المسلمون ومن أين يأكلون وكيف يدافعون عن أنفسهم؟ الدعاة في موقف لا يحسدون عليه والدعوة الإسلامية أيضا في موقف لا تحسد عليه، في ظل هذه الأوضاع هل نستطيع أن نقول للغرب أن الإسلام عظيم لذلك نسبوا إليه الإرهاب، هل نقول الإسلام متقدم ونحن نستورد كل شئ، هل نقول ان الإسلام ذو خلق ورحمة للعالمين والجرائم الآن منتشرة بين المسلمين انتشار النار في الهشيم، هل نورد للغرب القيم الروحية والخلقية والإنسانية ونحن نستورد نظريات التعليم، أعتقد أن الموقف يحتاج منا إلى إعادة نظر وأن تجتمع العقول المفكرة وكل ذي شأن وكل صاحب مسئولية في عالمنا الإسلامي حتى نعيد تخطيط ورسم سبل الدعوة. مراجعة التاريخ ـ هل معنى ذلك أن الدعوة الإسلامية تجمدت الآن ولم يعد لها تأثير يذكر؟ ـ الدعوة لم تتوقف لأن الله ـ سبحانه وتعالى ـ يدافع عن دينه نيابة عنا فالإسلام ينتشر في أوروبا وأميركا بمجرد قراءة أي كتاب عنه ولو رأى الذين يدخلون الإسلام المسلمين لربما غيروا توجههم وابتعدوا عن الإسلام، أذكر منذ أكثر من عشر سنوات كنت في الولايات المتحدة والتقنية بثلاثة أشخاص أسلموا وسألوني: ماذا نصنع وما المكان الذي نستطيع الجهاد فيه من أجل الإسلام؟ فقلت لهم: جاهدوا هنا لأن قراراتنا هناك تصنع هنا وقالوا نحن أسلمنا عندما قرأنا عن الإسلام وعندما ذهبنا للحج ورأينا المسلمين حمدنا الله أننا أسلمنا قبل أن نرى المسلمين لأننا لو رأيناهم قبل ذلك لما فكرنا في الدخول في الإسلام مهما قرأنا عنه، فالإسلام يواجه ضغوطا صعبة لا أعني الإسلام كدين وإنما أقصد الدعوة والدعاة والمسلمين لذلك لابد من عقد مؤتمر كبير تشارك فيه البلاد الإسلامية لنبحث هذه الأزمة ونناقش الآراء والمقترحات لنعيد الدعوة إلى مسارها الطبيعي بعد أن انحرف المسار بأصحابها وأصبحنا في مفترق طرق واصبحنا كالأيتام على مأدبة اللئام وجعلنا الأمم كلها تحاربنا بسبب حمقنا وعدم فهمنا للإسلام، والدعوة تحتاج إلى أن نراجع تاريخ أجدادنا وتاريخ السلف الصالح في قرون الخير وتاريخ الصحابة والتابعين وعصور القوة الإسلامية وأن نأخذ منها الدروس النافعة بدلا من التطفل على فتات موائد الغرب الذي نستورد منه كل شئ ولذلك يرى نفسه أفضل منا وأعظم وأعلم وأغنى منا لهذا لابد أن نعود إلى حياة إسلامية تمتلئ بالقناعة والتقوى والعمل الصالح حتى نعود كما كنا وأفضل. واقع مؤلم ـ من الداعية الذي يعجبك الآن؟ ولماذا؟ ـ لا أرى داعية يستحق الاعجاب وأنا أول من أبغض، فأنا أكره نفسي كداعية، للأسف الدعاة الموجودون على الساحة بعضهم يحذر الشعور وبعضهم يستثير الأحزان ويبكي الأعين لكن لا يوجد من يدفع الناس إلى الحركة والعمل وإذا كان هناك داعية له رأي فإن إنحيازه إلى فئة أو تيار معين يتلف كل آرائه، وقد أصبحت الدعوة الآن شيعا وأحزابا «قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض..» وكل حزب بما لديهم فرحون وليس معنى ذلك أنني أزكي نفسي فأنا أرى نفسي أسوأ الدعاة والعباد وأبكي لخطيئتي وأرى أن الله جعلني علما وأنا عاجز عن توصيله وتبليغه وأنا لا أرى داعية يعجبني الآن ولست متشائما لكنه الواقع المؤلم المرير لذلك المسلمون مطالبون بنبذ التفرق ومحاسبة النفس والإلتقاء على رأي واحد وأن يصبحوا مسلمين حقيقيين بعيدا عن الخلافات والمذاهب وأن يتواحدوا في أصول الإسلام وأن يدعو الناس إلى ما دعا إليه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم. الدعاة الجدد ـ لكن هناك دعاة برزوا على الساحة واصبحت لهم شهرة كبيرة بين الناس فهل لا يعجبك أحد من هؤلاء؟ ـ الدعاة الذين برزوا على الساحة يكره الواحد منهم أن يناقشه أحد في رأيه حتى أنني سمعت أحد هؤلاء الدعاة يقول أنا لا أهتم بالرد على كل ما يثار ضد أقوالي لأنني أعلم مهما قلت فكل معجب برأيه فما على أن يعجب الآخرون بآرائهم ولماذا لا أعجب أنا برأي، هذه قضية كبيرة. ـ لكنني أعتقد أنكم تقولون ذلك من باب التواضع يا فضيلة الشيخ فهل تتفقون معنا في هذا؟ ـ هذا إقرار مني وأنا رجل أنتظر لقاء الله وأخاف أن القاه على سوء وهذا ليس تواضعا لأننا لم نقدم للإسلام شيئا ولم نخدم الأمة الإسلامية للأسف نحن على الإسلام عالة وعبء فكل الدعاة ـ وأنا على رأسهم ـ عبء على الإسلام. ترينداد ـ ما أهم المواقف الدعوية التي مرت بك وتأثرت بها؟ ـ مواقف كثيرة أذكر منها أنني كنت في ترينداد وعمل أعداء الإسلام على الإيقاع بيني وبين مدير الدعوة هناك من أجل ترحيلي من هذا البلد بعد أن كنا نقوم بجولات يومية للدعوة وكان يعتنق الإسلام كل يوم 50 شخصا من خلال كتيبات ودروس قصيرة وأنشطة مختلفة لكن أعداء الإسلام لم يعجبهم ذلك لأنهم يعملون على إيقاع العداوة والبغضاء بين المسلمين رغم أن رئيس ترينداد مسلم وهو نور الدين حسن علي وتخرج في الأزهر وقد اضطررت في النهاية إلى الرحيل عن ترينداد وأنا أشعر بالحزن، أيضا تكرر معي نفس الموقف في السعودية وفي قطر وفي الشارقة بعد أن نصبت في منصب المفتى والوعظ العام جاء أعداء الإسلام وأوغروا الصدور علي وغادرت البلد أيضا حدث موقف مماثل في البحرين وفي باكستان طلبتني جامعة كراتشي لتدريس اللغة العربية لكن أعداء الدعوة تكاتفوا ضدي ومنعت من العمل في هذه الجامعة بعد تأليف ستة كتب ولذلك أشعر بأنني لم أمكن حتى أؤدي دوري وأقول لنفسي لعلي أذنبت أو أخطأت ولعل الله يعاقبني على ذلك ويعاقب الناس بحرمانهم من علمي، لقد زرت وعملت في أكثر من 35 دولة ولم يكن هناك خلاف أشد من الخلاف الموجود بين المسلمين، وأذكر أنني طردت من ترينداد بسبب موقفي من قضية الحجاب حيث كنت أطالب بإعطاء الحرية للفتيات لإرتداء الحجاب ورفعت قضايا أمام المحاكم، وفي أميركا أنشأت مع آخرين مركز عمر بن الخطاب الإسلامي ومسجدا كبيرا وقمنا بدور كبير في الدعوة وتحفيظ القرآن وأنشأنا مدرسة وكان الزنوج والأسبان والأميركان يأتون إلينا ويعتنقون الإسلام وهذا جعل الحكومة الأميركية تسحب التأشيرة مني، وحقيقة أشعر بالحزن لأن المسلمين لا يثق بعضهم في الآخر ويؤذي بعضهم البعض لذلك المسألة خطيرة. ـ الشيخ البدري خاض العديد من المعارك الفقهية والقضايا الإسلامية ما أهم هذه المعارك من وجهة نظركم؟ حتى المعارك التي خضتها عقب كل معركة كنت أفاجئ بمن يقول أنها نكبة على الإسلام رغم أن الذين قالوا ذلك رفعوا العديد من الدعاوى والقضايا فعلي سبيل المثال قضية الختان عندما رفعتها قال البعض هل هذا وقت الختان رغم أن المسألة ليست ختان الإناث وإنما رمز من رموز الإسلام وشعار من شعائره أيضا قضية إعلانات السينما الفاضحة عندما قدمنا دعوى بشأنها للقضاء قيل هل هذا وقته؟ وتناسى هؤلاء أن هذا بمثابة إشارة إلى أننا لا نسكت على منكر أو على باطل مهما كان صغيرا وعندما قدمنا دعوى أثيرت قضية الدكتور حامد أبو زيد قال بعض العلماء لي أنك أثرت قضية جلبت علينا غضب وسخط العالم كله رغم أنه كان يدرس الإلحاد في الجامعة وعندما أثرت قضية عبد الصبور شاهين فيما يتعلق بكتابة «أبي آدم» فوجئت بالبعض يصف الدعوى التي قدمتها بأنها تشعل الحرب بين المسلمين وأتساءل الآن لماذا لجأ الأزهر نفسه إلى رفع دعاوى ضد بعض الكتب لسيد القمني وغيره ورغم ذلك يوجهون إلينا الإنتقادات لأننا رفعنا هذه الدعاوى رغم أننا كنا نسعى لإحقاق الحق من خلال القانون ومعاقبة المفسدين والمنحرفين وهذا ما يحدث الآن مع وزير المالية السابق ومحافظ الجيزة السابق ورئيس اللجنة الاقتصادية بمجلس الشعب وهذا بالفعل ماكنا نريده، ومشكلة المسلمين اليوم أنهم على مستوى الدعوة شيع وأحزاب وكل جماعة ترفض الإستماع إلى غير علمائها وكأن الآخرين يتكلمون في دين آخر أو إسلام آخر غير الذي يؤمنون به رغم أننا كلنا دعاة وكلنا مسلمون، واقول أن هذا البلاء هو بما كسبت أيدينا يقول تعالى ـ: « واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة» فما يصيب الإنسان يكون مما كسبت يداه وخطأ فرد قد يؤدي إلى هلاك أمة فقد قيل للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «أنهلك وفينا الصالحون» قال: «نعم إذا كثر الخبث» وللأسف الدعوة الإسلامية الآن منكوبة بابنائها. المستقبل ـ فضيلتكم تطرحون رؤية متشائمة إلى حد ما فهل تنظرون إلى مستقبل الدعوة بنفس المنظور؟ ـ المستقبل لهذا الدين كما قالها الشيخ سيد قطب ـ رحمه الله ـ رغم أنف كل من يزعم غير هذا وإذا كان جيلنا لم يحقق ما أراد فإن الله ادخر لهذه الأمة الكثير خلال الأيام المقبلة وهناك إرهاصات لذلك فالذين أسلموا بعد أحداث سبتمبر في أوروبا وأميركا يعادل عدد الذين أسلموا في هذه الدول خلال قرن بالكامل والكتب الإسلامية التي بيعت في هذه الدول عقب تلك الأحداث أكثر مما بيع خلال قرن وذلك لأن الغربيين بدأوا يفكرون في الإسلام والصورة المشوهة للإسلام ولرسول الإسلام التي غرسها المستشرقون وغيرهم في نفوس الغربيين بدأت تتغير رغم أن الغرب مازال ينسب للإسلام فظائع لا علاقة له بها لكن يكفي أن يقول الرئيس الأميركي: أنا لست ضد الإسلام فهو دين رحمة ولكني ضد الإرهاب حتى لو كان هذا الكلام من وراء قلبه أو من قبيل السياسة والخداع فإن تلك الكلمة لها مفعول السحر في نفوس غير المسلمين وهذه الكلمة سيكون لها الأثر الكبير في إنطلاق هذا الدين الذي يتميز بقوة ذاتية وسيحمله دعاة مخلصون إلى كل بلاد العالم فالمستقبل لهذا الدين شئنا أم أبينا. ضياء الدين أحمد