السبت 18 رمضان 1423 هـ الموافق 23 نوفمبر 2002 عندما توفيت «تشي تشي» عن عمر يناهز 24 عاما خيمت مشاعر الحزن العميق التي لا يمكن وصفها على عموم مواطني الصين .. وبمجرد اعلان نبأ الوفاة في نشرة الاخبار التلفزيونية توافد الالاف من الصينيين الى مدينة ووهان وسط البلاد لألقاء نظرة الوداع الأخيرة على تشي تشي التي جاءت وفاتها بشكل مفاجيء حيث كانت تتمتع بصحة جيدة الا أن الأطباء عللوا سبب الوفاة بكبر السن! وقبل أن تندهشوا من تعليل الأطباء فإن 24 عاما بمقاييس حياة الدلافين هي عمر طويل جدا فتشي تشي لم تكن سوى أنثى دلفين من ذوي الزعانف البيضاء النادرة وهي الوحيدة على مستوى العالم التي تعيش في الأسر حيث تم اصطيادها من نهر اليانجتسي أطول الأنهار الصينية عام 1980وكان طولها آنذاك 47،1 ووزنها 5،36 كيلو غراما وكان عمرها حوالي عامين .. ومن هنا كان عشق الصينيين لتشي تشي خاصة أن الدلفين الأبيض من أكثر الدلافين المعرضة لخطر الانقراض على مستوى العالم وقد تم ادراجه على القائمة الوطنية للمحميات الطبيعية الصادرة في عام 1999. وعلى العموم فان هناك الكثير من البشر يشتركون مع الصينيين في عشق الدلافين ولا بد من الاشارة هنا الى أن الدلافين أدهشت الناس كثيرا بطبيعتها الجيدة وحبها للاختلاط بالآخرين فالكثير من الروايات تحدثت عن قيامها بانقاذ الناس الذين تعرضوا لحوادث الغرق في البحر .. وهناك قصص تتحدث عن أن الدلافين كثيرا ما قادت السفن البحرية الى خارج منطقة المياه البحرية الخطرة .. وبصورة عامة أصبح الدلفين حيوانا مفضلا لدى الناس كثيرافركاب وبحارة السفن يسرون على حد سواء بملاعبة الدلفين والمزاح معه. والدلفين أدهش العالم بسرعته الفائقة في البحر، فقد وقف الناس ذات يوم مندهشين عندما استطاع الدلفين أن يتجاوز بسهولة سفينة ذات محركات قوية تسير بسرعة اكثر من 50 كلم في الساعة ومن صفات الدلفين أنه يستطيع تطوير سرعته أثناء السباق ويحسن من قدرته بمقدار عشرة أضعاف قدرته في الحالات العادية. وبالرغم من أن العديد من أسرار الدلفين تم اكتشافها وتم تطوير الجلد الصناعي الذي استند في صناعته الى مبدأ تركيب جلد الدلفين الا أن الأنسان لم يتوصل بعد لسر سرعة الدلفين .. وحاول مصممو السفن صناعة سفن بحرية بأشكال تماثل تماما شكل الدلفين ولكنهم لم يحصلوا على النتائج المرجوة فالنموذج الجديد للسفن بدأ يلاقي مقاومة من الماء تزيد 60 % عما يلاقيه جسم الدلفين من مقاومة أثناء سباحته في الماء بالرغم من أن شكل السفينة الخارجي كان نسخة مماثلة عن شكل الدلفين حتى أن جوانبها كانت قد صقلت وغطيت بمواد صقيلة ناعمة أكثر مقارنة مع جوانب الدلفين. واستمرت الأبحاث والتجارب بكثافة الى أن تمكن المختصون من فهم الأفضلية الكبيرة للدلفين مقارنة بالسفن والسر يكمن في الجلد نفسه فقد بينت الدراسات التي أجريت بأنه يتألف من طبقات ثلاث ويملك عددا هائلا من الخلايا المليئة بالدهن والماءوتجعل هذه البنية المميزة الدلفين قادرا على تحطيم الأرقام القياسية في سرعة السباحة في الماء وذلك لأن الجلد الناعم والمرن يعمل على عدم ظهور الأضطرابات المائية من حول الدلفين حتى لو كان يسبح بسرعة عالية للغاية. ولم يكتف الدلفين بتقديم خدمات الانقاذ للأنسان فقط بل أثبت الطب الحديث امتلاكه قدرات علاجية هائلة للأنسان فالأمواج الصوتية الشبيهه بتلك التي تصدرها الدلافين تستخدم في الطب التقليدي لتفتيت الحصوة الصفراوية وعلاج أعتام عدسة العين والأمواج فوق الصوتية التي تصدرها الدلافين تفوق شدتها بأربع مرات شدة تلك المستخدمة في المستشفيات كما أنها تنتقل عبر الماء الذي تفوق فاعليته في نقل الصوت بستين مرة. ويعتقد بعض الخبراء أن سونار الدلفين يمكن أن يؤثر على البشر بطرق غير مفهومة لنا بشكل كامل حيث يؤكد أحد الخبراء أن مرضى الكساح الذين شاركوا في برامج علاج تتضمن الدلافين أظهروا نتائج ايجابية للغاية .. ويصف جون أرند وهو شاعر وكاتب مسرحي أصيب بالكساح عام 1988 أن أنثى الدلفين التي تدعى تينا قامت بتمريغ أنفها بقدميه وعندها شعر فجأة بأن قدمه تسري بها نبضات طاقة بعثت فيها الحياة وسرعان ما سرت هذه الطاقة النابضة في أنحاء جسده وصولا الى أسفل النخاع الشوكيوفي كل مرة تضرب فيها تينا قدم جون كان يشعر بزلزال علاجي من أول فقرة قطينية الى أسفل العجز! وفي جزر الكناري الأسبانية كانت اليساالبالغة من العمر 6 سنوات لا تستطيع النطق سوى بكلمات قليلة كما تجد صعوبة في المشيوتجلس لفترات طويلة وقبضيتها مطبقتين كما لو كانت حانقة على الأضطراب العقلي الذي يمنعها من أن تكون طفلة طبيعية ولكن عندما تذهب اليسا الى بركة السباحة لتلعب مع الدلافين فان حالتها تتغير فجأةوتربت بلطف على الدلافين وتصفق لها بسعادة وتمتطي ظهرها وتضحك بسعادة بالغة عندما يخطف أحد الدلافين حذاءها.. وذكر أحد الخبراء أنه من المؤكد أن ذكاء وحساسية الدلافين يمكن أن يساعد في علاج الأضطرابات العقلية والجسمية عند الاطفال. ويقوم مركز أوجابارك بأسبانيا وهو المركز الأوروبي الوحيد الذي يقدم برنامج علاج الأطفال بمساعدة الدلافين من الاضطرابات مثل الانطواء والشلل الدماغي ومرضى داونزو استطاع المركز تقديم العلاج لأكثر من ألف طفل خلال خمسة أعوام. ومن أغرب طباع الدلافين أنها تنادى بعضها البعض من خلال (اسم) لكل منها مستخدمة صفارات متميزة لتحافظ على المسارات التي تسبح فيها معا في المياه المظلمة وعبر المسافات الطويلة كما أن الدلافين تمتلك مفردات لغوية واضحة ومتسقة وبمقدور كل منها التعرف على الآخر كأفرادو كل دلفين يطور اشارة متميزة ومحددة للغاية تكون أشبه بتوقيعه الخاص. وبالرغم من ان الدلفين كائن بحري ودود الا أنه يلجأ الى سلاح سري قوي لمهاجمة فرائسه أثناء المطاردات ويصف العلماء هذا السلاح بانه يشبه مفجرا صوتيا داخليا ويقولون أنهم سجلوها لأول مرة وهي تهاجم الأسماك بهذا السلاح حيث لاحظوا أن الدلافين القريبة من أسماك الرنجة تصدر أصواتا ذات تردد منخفض، ويعتقد أن الهدف من هذه الأصوات تدمير الجهاز السمعي للفرائس. ولكن مع أن الدلفين حيوان محبوب وودود الا انه يواجه متاعب من الأنسان حاله كحال معظم الحيوانات فهناك المئات من الدلافين تظهر ميتة على سواحل الأطلسي الفرنسية لا كضحايا البقع النفطية بل بسبب شباك صيد الأسماك العادية .. وألقى مسئولون فرنسيون عن الحياة البحرية باللائمة لظاهرة نفوق الدلافين على استخدام أساطيل صيد الأسماك العاملة في المياه لشباك صيد ذات فتحات كبيرة مع اتضاح اختناق الدلافين الميتة بعد أن علقت في الشباك تحت الماء كما ظهرت على الدلافين علامات اصابات تدل على الصراع الذي خاضته لتحرير نفسها من براثن الصيد. نعود الى الصين كما بدأنا فلقد حذر تقرير عاجل من أن 100 دلفين مازالت على قيد الحياة داخل موطنها الطبيعي الوحيد بنهر اليانجتسي بات من المؤكد انقراضها في فترة لن تتجاوز 20 عاما .. فهل يا ترى سينضم الدلفين الى القائمة العالمية لأكثر الحيوانات المعرضة للانقراض ؟! وهل سيأتي يوم نحرم فيه من مشاهدة عروض هذا الحيوان المسلية وسنكتفي بالصور والافلام الوثائقية القديمة لمشاهدته!