السبت 18 رمضان 1423 هـ الموافق 23 نوفمبر 2002 كان حريا بنا وقد ألقينا نظرة على التصوير كأحد موضوعات الزخرفة الاسلامية في سياقها المسجدي، ان ننتقل الى الموضوع الثاني الذي حددناه لأنفسنا، وهو العربسة، حيث تأملنا البعد اللغوي للتصوير وألقينا نظرة على الخلافات بين الفقهاء في مسألة تحريمه واشرنا الى خصائص التصوير الاسلامي، وأوردنا امثلة لصور تشبيهية فرضت حضورها في مساجد اثرية لا تزال قائمة حتى اليوم. غير ان شعورا غامضا وملتبسا قوامه عدم الارتياح يمنعنا من الاكتفاء بهذا القدر فيما يتعلق بالتصوير. ان ما قمنا به في الواقع اقرب الى وقفة قصيرة في غمار مسيرة متعجلة، كنا خلالها اقرب الى السائح الذي يعطي المجال للعدسة بأكثر مما يتيح للعين ان ترى وتفحص وتتأمل، وحتى اذا كنا قد رأينا موضوع التصوير وتأملناه، فإننا لم نلمسه، لم نقترب منه بشكل حقيقي، لم نقف حياله نسائله ونطرح عليه علامات الاستفهام التي تؤرقنا بخصوصه وتجعل الحيرة تسودنا في غمار محاولة اكتناه اسراره. فدعنا نحاول هنا، من دون الغرق في تفاصيل فنية تتجاوز المجال المتاح لنا، ان نقوم بهذا بالضبط دعنا نتأمل حديث بابا دوبولو عن الثورة الفنية الكبرى التي عرفها فن التصوير الاسلامي فجعلته الفن الاسلامي بامتياز دعنا نحاول فهم التفسيرات المختلفة للتصوير الاسلامي التي تقترحها علينا دومنيك كليفنو، دعنا نقترب من الالغاز الحقيقية التي تطرحها علينا الجداريات التي تتألق في قصور بادية الشام وفي سامراء، وأخيرا دعنا نحاول فهم هذا الدفق المحير من الرموز الكامن وراء الصور التي شقت طريقها الى المساجد وبعض المعالم المعمارية الاسلامية البارزة. في غمار هذا كله، يتعين علينا الا ننسى اننا معنيون بالتصوير الاسلامي لا كفن قائم بذاته، وانما باعتباره احد موضوعات الزخرفة الاسلامية في سياقها المسجدي، ومن المحقق ان تذكر ذلك باستمرار من شأنه ان يجنبنا التطرق الى تفاصيل فنية دقيقة، هي ـ على الرغم من اهميتها ـ مما يدخل في اهتمام الاختصاصيين في المقام الاول. ثورة فنية خلافا لما يعتقده الكثيرون، لا يتردد المستشرق المعاصر الكسندر بابا دوبولو في دراسة له عن التصوير الاسلامي نشرتها مجلة «فنون عربية» اللندنية في العدد الاول من مجلدها الثاني الصادر في عام 1982 في التأكيد ان: «التصوير التشبيهي هو اكثر الفنون الاسلامية تعقيدا وأكثرها دقة ومهارة، وهو على الاخص الفن الذي ارتقى بحيث اصبح اكثر الفنون الاسلامية تميزا». ولا يكتفي بابا دوبولو بأن يقرر هذا ويشدد عليه فحسب، وانما هو يحاول ان يفسر السر في هذا التميز الذي اتسم به التصوير الاسلامي، حيث يبادر الى ايضاح ان المثل الاعلى للفن الذي حددته الفلسفة اليونانية القديمة، وبخاصة فلسفة ارسطو وافلاطون يقتضي محاكاة الطبيعة بأدق صورة ممكنة، من حيث انها تمثل الحق والجمال في آن، وبالتالي يتعين على الفنان اذا أراد ان يرتقي الى الذروة في فنه ان يقلدها ويحاكيها. وقد بقى هذا الاساس الفلسفي كامنا في كل نزعة واقعية في الفن في أوروبا حتى نهاية القرن التاسع عشر. بالمقابل فإن الفنانين المسلمين الذين ابدعوا فن التصوير التشبيهي يتمثل منجزهم الحقيقي في انهم اكتشفوا مبدأ جماليا معارضا لكل هذا التقليد، جوهره ان الفنان ليس واجبه محاكاة الطبيعة ولا تقليدها، حيث ان المحاكاة ليست هي التي تؤسس قيمة العمل الفني، وانما ما يؤسسها حتما هو الابتكار، اي ابداع عالم جديد مختلف بل ومتعارض مع المظاهر الحسية للطبيعة، بل ومتعارض مع حقيقتها واحتماليتها، حيث عمد المبدعون المسلمون الى تطبيق ما عرف بمبدأ الاستحالة، واكتشفوا في وقت لاحق ان العمل الفني يتجاوز مظاهر العالم الممثل والحكاية المسرودة، لانه عالم مستقل وكون قائم بذاته تتخذ فيه الاشكال والألوان مواضعها لأسباب باطنة، كامنة في العمل الفني نفسه، وليس لمحاكاة الطبيعة او لتصوير حكاية محتملة الوقوع. ويشدد بابا دوبولو على ان هذه الثورة الفنية التي حققها الفنانون المسلمون قبل ثورة الفن المعاصر بسبعة قرون مردها الى انهم كانوا يلتزمون بالرؤية السائدة التي تقول بتحريم محاكاة الكائنات الحية، كما امتنعوا عن محاولة تقديم نسخ لكائنات حية بعينها، وبالمقابل ذهبوا الى ان تمثيل البشر والحيوانات من دون تعيين او محاكاة ليس محظورا، حيث يتعلق الامر هنا بمفاهيم بالمعنى الارسطي او بمثل بالمعنى الافلاطوني وليس بكائنات بعينها تحددت من حيث الزمان والمكان والابعاد. ولا يتردد بابا دوبولو كذلك في القول ان الرياضيات تكمن في صميم هذا الابداع التصوري الاسلامي، حيث كانت فكرة استخدام منحنيات رياضية لتنظيم العمل الفني طبيعية جدا بالنسبة لعقلية الفنانين في الحضارة العربية الاسلامية، وهو يقدم في عمله العملاق الموسوم «جمالية الفن الاسلامي» ثلاثمئة مثال يبرهن من خلالها على صحة هذا الطرح الذي يسوقه لنا في هذا الصدد. ويخلص المستشرق المعاصر الى القول في نهاية المطاف: هكذا نجد إذن ان التصوير التشبيهي الذي يمثل الكائنات الحية والانسان بصورة خاصة كما اسسه الفنانون المسلمون بهذه الدرجة العالية من الدقة والذوق لم يكن غير محظور فحسب، بل كان على العكس يمثل الفن الوحيد الذي اصبحت جماليته اسلامية بصورة حقة وانه تكون بالضبط للرد على التحريمات. ومن نافلة القول ان نذكر اننا نستبعد في هذا المجال بصورة تلقائية كل فكرة قائلة بأن التصور العربي الاسلامي كان نتيجة لتأثيرات الفرس واليونان والفن البيزنطي او الصيني او اي فن آخر في ذلك العصر، وكذلك نرفض الفكرة التي مؤداها انه ثمرة مزيج من هذه التأثيرات». من الجلي ان ما يقوله بابا دوبولو مستمد من دراسة طويلة ومعمقة لمجمل التجربة الابداعية الاسلامية في هذا الفن، والتي امتدت عبر ما يزيد على الف عام. لكن من المحقق ان الامر كان ابعد ما يكون عن الوضوح في مرحلة البدايات المبكرة التي سنمضي اليها لنتأمل التصوير الاسلامي في السياق المعماري بعامة والمسجدي بخاصة، والتي كانت في جوهرها مرحلة حراك هائل واختمار محتدم حافل بالقوى والطاقات والامكانات لكنها ابعد ما تكون عن الوضوح والتحدد. لو اننا تأملنا ما بقي لنا من عمارة الدولة الاموية وصدر الدولة العباسية من زاوية ما فيها من عناصر التصوير للاحظنا ابتداء ان القصور الاموية في دمشق قد زالت واندثرت فلم يبق لنا في نهاية المطاف الا قصورهم العديدة التي شيدوها في البادية والتي هي في جوهرها سلسلة من علامات الاستفهام المثيرة للحيرة وللاهتمام معا، من منظور فن التصوير. تأملات في البادية ليس الذهاب الى قصور الدولة الاموية وصدر الدولة العباسية لتحقيق قراءة تفيدنا في فهم جوانب من عمارة المساجد في المرحلة نفسها قفزة الى المجهول، ويكفي في هذا الصدد ان نتذكر دراسة جان سوفاجيه بعنوان «المسجد والقصر» التي لا يتردد في ختامها في التأكيد على تشابه بيت الصلاة في المسجد وقاعة الاستقبال الكبرى في القصور ومع ان هذه النقطة بالتحديد مسألة متروكة للاختصاصيين لحسمها، إلا انها ـ في نهاية المطاف ـ تؤكد لنا مدى عمق الصلة بين عمارة المسجد والقصر. كشفت لنا عمليات التنقيب ثروة حقيقية من اطلال القصور التي نجت من عاديات الزمن، يوجد اقدمها في سوريا والاردن. وأبرز القصور ما بقى منها في عمان، والذي يقدر الخبراء ان بناءه يعود الى ما بين عامي 712 و715 اي آخر عهد الخليفة الوليد بن عبدالملك. وعلى الرغم من صغر هذا المبنى الا انه لا يزال يحير الخبراء، ويدفعهم الى طرح العديد من التساؤلات: هل هو قصر ام حمام ام قاعة استقبال ام جزء باق صغير من مجموعة اكبر أودت بها عاديات الايام؟ من الذي بناه؟ لماذا في هذا المكان؟ ما معنى الرسوم الجدارية المفعمة بالحركة التي تملأ جنباته وتغطي كل زاوية من زواياه؟ من شأن نظرة سريعة على قصير عمرة ان توضح لنا اننا بازاء مبنى يقوم على ارض جرداء، مكون من بهو مستطيل ذي ثلاث قبوات يشبه في مسقطه المسقط البازيليكي المعهود، الذي عرفته بلاد الشام على امتداد اكثر من عشرة قرون سابقة على الاسلام كمخطط للقاعات التي يتخذها الملوك للاستقبال، ثم بعد ذلك وبتأثير الحضارة الهيلينستية كمخطط للكنائس الاولى. ويلتصق بالجدار الشرقي للبهو حمام صغير، مؤلف على التوالي من مخلع فغرفة باردة ثم غرفة فاترة وأخيرا غرفة حارة، على نسق الحمامات الرومانية المتأخرة التي عرفتها بلاد الشام حتى القرن الخامس الميلادي. غير ان ما يعنينا حقا في قصير عمرة يتمثل في جدارياته المذهلة، التي تجمع اطرافا من التراث القصصي والرمزي للمنطقة في استحضار بديع. وأبرز هذه الجداريات هي الجدارية التي يعرفها الباحثون باسم جدارية الملوك الستة، حيث نلمح فيها اميرا عربيا متربعا على عرشه وعلى يساره يقف ستة ملوك، كل منهم بثياب مميزة يعتمر تاجا، ويفتح يده اليمنى باتجاه الأمير العربي الجالس على العرش، ويضع اليسرى خلف ظهره بعلامة خضوع رمزية معروفة منذ اقدم العهود، وقد حرص الرسام على الحيلولة دون يكون ان يكون هناك مجال لضياع المعنى المقصود، فبادر الى كتابة اسماء هؤلاء الملوك بالعربية واليونانية، وابقت لنا الايام من هذه الاسماء، او بالاحرى الألقاب، اربعة اسماء تعد اكثر من كافية لفهم المغزى، وهي: قياصر لذريق، كسرى، والنجاشي، وهم ـ بالطبع ـ اعداء الفتح الاسلامي الذين هزموا او كانوا على وشك الانهزام ، وقدر اقترح الباحثون ألقابا من نوعية خاقان الترك او ملك الهند او امبراطور الصين للشخصيتين المجهولتين. بهذا المعنى فإننا نجد انفسنا، امام جدارية تفخر بالفتوحات الاسلامية منفذة بأسلوب هيلينستي محلى، ومشروحة بالعربية واليونانية في قلب بادية الشام، ويتأكد هذا المعنى اذا ما تذكرنا انه من الناحية التاريخية ارتبطت هذه المرحلة من حياة الدولة الاموية بفتوحات هائلة شملت بخارى وشملت سمرقند وتدفق الجيوش الاسلامية الى السند. الامر لا يتوقف عند هذا الحد، وانما يضم قصير عمرة اكثر من عشر لوحات بطلاتها نساء، يتوزعن ما بين راقصات ونساء تحملن اطفالا وأخريات محتشمات الملابس يرتدين ثيابا ملكية بيزنطية وعلى وجوههن نظرات الخشوع يصافحن عيون الناظر اليهن في حنية القبور المركزية في البهو. وثمة جدارية تفوق هذه اللوحات اهمية هي اللوحة المقابلة للوحة الملوك الستة، وتظهر فيها سيدة من علية القوم مستلقية على اريكة مزركشة ووثيرة امام خيمة وعلى يسارها امرأة في مقتبل العمر عليها هيئة الخدم وأمامها طفلان خلفهما رجل يقف متسلحا برمح ويعتمر قلنسوة شبيهة بالتي اعتمرها الساسانيون والامويون بعدهم وهذه اللوحة تحير الخبراء، ويذهب بعضهم الى انها تصور سارة، زوج ابراهيم الخليل. اذا تركنا قصير عمرة بكل ما فيه من ابداع وعلامات استفهام مؤرقة، لوجدنا انفسنا امام حشد من النماذج الاخرى ذات الاهمية البالغة فهناك قصر المشتى الشهير، الذي يقع في اراضي مطار عمان، ولا يبعد عن قصير عمرة اكثر من خمسين كيلومترا وأكثر قليلا عن غيره من القصور الاموية البارزة كقصور الزرقاء والحلابات والحرانة، وهناك ايضا قصر الحير الغربي الواقع على الطريق بين دمشق وتدمر، وفي اريحا هناك قصر «خربة المفجر» بما فيه من زخارف الفسيفساء والاحجار المنقوشة. في قصر المشتى بشكل خاص، وعلى الرغم من ان كسوة الجدار الخارجي المنحوتة حمل الكثير منها الى متحف الدولة في برلين اثر زيارة الامبراطور غليوم الاول في مطلع القرن العشرين، وانتزع الكثير من احجارها لاعادة الاستخدام كمواد بناء، الا ان المرء يمكنه تصور انه على طول اكثر من ثلاثين مترا تخترقها اربعة ابراج نصف دائرية امتد حائط حجري سطحه منحوت ومنمنم بأكمله من القاعدة الى الرف بارتفاع يتجاوز خمسة امتار ونصف المتر، وشكلت على هذا السطح عشرون مثلثا بأسلوب النحت النافر، طول ضلع كل منها اكثر من ثلاثة امتار، وقد ملئت كل مساحة المثلثات بالزخارف التوريقية والنباتية الكلاسيكية ولكن بمقاسات هائلة غير مألوفة، حيث نلمح في كل مثلث وردة حجرية منحوتة ومسدسة الاضلاع ملئت بدورها بالمنمنمات النباتية من اغصان الكروم وأوراق الاكانثوس، وأضيفت في اثنى عشر مثلثا من المثلثات العشرين اشكال طيور، احدها برأس بشري، بالاضافة لشكلي حيوانين متقابلين عبر ابريق، في حين احتفظت المثلثات الثمانية الباقية بزخارفها التوريقية خالية من الاشكال الحية. وفي مواجهة علامات الاستفهام العديدة التي يطرحها هذا الابداع يشدد المعماري ناصر الرباط في كتابه «ثقافة البناء وبناء الثقافة» على تأكيد ان الفن الاموي مختلف جذريا عن ارهاصات الفن الكلاسيكي التي عاشت في سوريا بعد انقضاء الفترة الكلاسيكية، وهو اختلاف ناتج عن اختلاف الممول والمتلقي لان الصانع لم يختلف، وهو يؤكد ان الفن الاموي في جوهره اعادة تمثل واعية ومريرة لتلك الثقافة الكلاسيكية الشامية، يقتبس منها ويحورها لصالحه، لخدمة تطلعاته وذوقه ومتطلباته بالتأثير على محيطه وبيئته وبالتعبير عن تباهيه بمنجزاته وبعظمته، وهذه كلها تتطلب تدخلا مباشرا وفعالا في صيرورة الفن وفي توجهه. هذه البداية الشامخة لتصميم العمارة الاسلامية التي نلمحها بصفة خاصة في قصر المشتى، سنراها تمضي موغلة في مسيرة التطور لتبلغ ذروة رفيعة في بيوت الفسطاط وكذلك بصفة خاصة في قصر الاخيضر بالعراق الذي يرجع الى القرن الثامن، والذي نرى فيه استمرارا للتقليد الاموي في بناء قصور البادية، وإن كان يحمل وشائج قربى مع القصور الساسانية، ونتوقف طويلا عند الزخارف المعمارية الرائعة التي تزين واجهة الاخيضر وقاعة الشرف، والمكونة من اسطوانات تتعاقب مع كوى زخرفية بديعة، يرجع البعض اصولها الى طاق كسرى بالمدائن. وقد كشفت التنقيبات الاثرية في منطقة جنوب شرق افغانستان عن عدة قصور ترجع الى القرنين التاسع والعاشر تحاكي في تصميمها وزخارفها قصر الاخيضر، الامر الذي يوحي بأن الامراء الصفاريين الذين حكموا المنطقة باسم الخلفاء العباسيين قد تشبهوا بالخلفاء في قصورهم، حيث نرى تقليدا لقصور سامراء وبخاصة الجوسق الخاقاني، حيث تكسوها مساحات ممتدة من الجص المشغول او المحفور، وفي الابهاء التي كانت تعقد فيها مجالس الحكم تتابعات من الصور الجدارية تبدو كأنما قصد بها تعزيز هيبة الحاكم. أربعة تفسيرات محتملة هذه الاطلالة الفضولية التي قمنا بها على التصوير في القصور الاسلامية ليست منبتة الصلة عن موضوعنا الاساسي. وهو التصوير كأحد موضوعات الزخرفة الاسلامية في سياقها المسجدي، حقا ان الاستمرارية التاريخية لهذه الزخرفة تؤكد نفي التصوير من السياق المسجدي، لكن علينا ان نلاحظ ان هذا النفي ليس مطلقا، ولا يمكن تحديده من خلال معايير هي اقرب الى الابيض والاسود، ذلك ان هناك ـ في هذا الموضوع ـ منطقة رمادية يتعين علينا المرور بها، مهما كان هذا المرور صعبا وخشنا وشائكا، وهو كذلك بالفعل شئنا أم أبينا. هذا الذي قلناه حالا يعني امرين محددين: أ) ان استخدام الاشكال الحيوانية والادمية في التصوير الاسلامي كان له وجوده على امتداد فترات طويلة، وبصفة خاصة في قالب المنمنمات. ب) ان هذا الاستخدام اخذ شكل حضور هامشي في العمارة الاسلامية وما كان له ان يزعم لنفسه القدرة على منافسة موضوعات الزخرفة الاخرى. على الرغم من هذا الحضور الهامشي، الذي لا مجال الا بالتسليم بأنه كان كذلك، الا ان هذا النوع من التصوير يظل جديرا باهتمامنا وفضولنا وحرصنا على ان نعرف المزيد عنه، وذلك بحكم خواصه التشكيلية والمعاني الاجتماعية والسياسية والسحرية والدينية التي ينقلها الينا. ما الذي يعنيه هذا على وجه الدقة؟ ـ توضح لنا دومنيك كليفنو في كتابها «الحلى والزخرفة في العمارة الاسلامية» ان هناك مجموعة من التفسيرات المحتملة التي يمكننا طرحها حيال اعمال التصوير المعمارية الاسلامية كتلك التي سبق ان رأيناها في قصير عمرة وقصر الحير الغربي وخربة المفجر وغيرها. وهي توجز هذه التفسيرات في الابعاد الاربعة التالية: 1) تمثيل القوة والاعلاء من شأنها والتأكيد على هيبتها وحضورها الكلي. 2) افتراض النزعة التنجيمية التي تعكس قدرة على التنبؤ والاطلال عبر حاجز المجهول. 3) استحضار المعتقدات والموروثات الطوطمية. 4) استحضار بعض الافكار المتعلقة بالسحر. وتربط كليفنو بين هذه التوجهات المختلفة في التفسيرات وبين ما نلمحه في بعض الصور المشار اليها من حضور للملائكة، النسور، الاسود، الثعابين، الاشكال المرتبطة بالأبراج، التنانين، الفرافين ذات الاجساد التي تجمع بين هيئة النسر وشكل الاسد، ابى الهول والسيرانات، وهي الصور التي نجدها في بعض الابنية، والحصون والجسور والابراج، وبصفة خاصة في ديار بكر وقونية، وكذلك نجدها على واجهات بعض الابنية الدينية. وهي تشير الى ان هذا الميل الى الاشكال الحيوانية ذات القيمة الرمزية، والتي تشيع بصفة خاصة في العمارة السلجوقية، غالبا ما يعزى الى التقاليد الثقافية التي جلبها التركمان معهم لدى استقرارهم في الاناضول خلال القرن الحادي عشر الميلادي، ويذهب بعض الباحثين في هذا الصدد الى القول بأن من الممكن التعرف على بعض العناصر المستعارة من الفنون الخاصة بالحيوانات وبعض الممارسات السحرية الشامانية في مناطق السهول الاسيوية، غير ان هذه المناظر والمؤثرات التي تتداخل فيها الحيوانات الحقيقية والكائنات الغرائبية يمكن ان تكون مستمدة كذلك من الحضارات القديمة في الشرقين الادنى والاقصى. واذا كان البعض يرى ان معظم ما قلناه هنا ينصرف الى التصوير خارج السياق المسجدي، فما علينا الا ان نشير الى تلك الامثلة التي سبق لنا ايراد بعضها فهناك مسجد ديار بكر الجامع الكبير في شرقي الاناضول الذي يعود تاريخ بنائه الى القرن الثاني عشر الميلادي، وهو يقدم لنا بوضوح نموذجا على هذا النوع من الزخرفة، حيث نلمح على كل جانب من جانبي عقد مدخله الصرحي وتحت حشوة رقشية صورتين متطابقتين متشكلتين بالنحت النافر المشطوف لأسد يصيد ثورا وتبدو كل صورة منهما كما لو كانت انعكاسا على صقال مرآة بالنسبة للاخرى وعلى الرغم من ان هذا المشهد منفذ بأسلوب النحت البارز او النافر المشطوف، كما قلنا حالا، مما يعكس استدعاء الاساليب الاوروبية ـ الآسيوية في تصوير الحيوانات، الا انه يبدو صيغة متأخرة زمنيا لمؤشرات نراها في قصور شيدت في بلاد ما بين النهرين. ويرى المستشرق ريتشارد اتنهاوزن ان اصله يمكن ان يرجع الى الرمز الفلكي لمجموعتي الطور والاسد مع هيمنة الثاني على الاول. غير انه عند مدخل مسجد ديار بكر اصبح هذا المشهد رمزا للقوة على نحو ما يوضحه رقش ملحق به، وهو ما يفيد ان المشهد احالة للاطاحة بحكام محليين في القرن الثاني عشر الميلادي. وقد يمكن تفسير صورة النسر ذي الرأسين التي نراها في مدخل مسجد ديفريجي الذي شيد في عامي 1228 ـ 1229، والتي سبق ان اشرنا اليها على انه يعكس العديد من المعاني التي تداخلت بحيث غدا من الصعب الاشارة الى معنى معين بذاته. وإن كانت دومنيك كليفنو لا تتردد في الاشارة الى ان هذا النسر قد يكون له مغزى تعويذي طلسمي، غير انه يصعب علينا ان نتقبل امكانية وضع صورة ذات ابعاد طلسمية عند مدخل مسجد من بين كل الاماكن التي يمكن ان توضع عليها هذه الصورة، اذا كان ذلك هو بالفعل تفسيرها الصحيح. وربما يكون من المقبول بشكل اكبر الاحالة الى الوظيفة التحويلية للصورة لدى الحديث عن الحيتين المتضافرتين اللتين تعودان الى القرن الثالث عشر الميلادي واللتين تعلوان عقد البوابة الاولى لقلعة حلب بشمالي سوريا. وشأن النحت البارز للتنانين الذي زخرفت به البوابة الطلسمية لبغداد والتي لم تبق عليها عاديات الايام فقد يمكن رد اصول هذه الصور الى الموروثات السومرية التي تعزو للحية القدرة على الشفاء وعلى رد قوى الشر على اعقابها وعلى صد العدو. وربما يتعين علينا ان نرصد تناظراً وظيفيا في الحيتين المتضافرتين، حيث ان هذين الشكلين الملتويين يعكسان قيمة زخرفية من ناحية، ومن ناحية اخرى يعيدان الى الذهن استخدامات معينة ذات طابع سحري للعقدة في الوجدان الشعبي لابناء المنطقة، فحتى وقت جد قريب كان بعض ابناء المناطق الريفية في مصر يعلقون خيطا به عقد عديدة على أبواب بيوتهم اعتقادا منهم بأنها لها فائدة كتعويذة تقي من الشر والحسد. وهناك امثلة عديدة من هذا النوع، منها ما يتعلق بالسنور او بطائر النسر او بغيرها من الكائنات، ونجدها تحتل مكانة بارزة في مجمعات معمارية دينية بالاساس على نحو ما نجد في مدخل مدرسة نادر ديوان بايغي في بخارى والتي تعود الى عام 1622 حيث نجد صورتين متماثلتين لطائر النسر الذي يرتبط في وجدان الكثيرين بمزيج من الحكمة وطول العمر. واذا كنا قد تحدثنا عن التصوير فأطلنا الحديث وعن التجريد فأوغلنا في القول، فإننا لا نجد تتويجا افضل لهذا الحديث وذاك القول من ان نرطب اللسان بذكر ما كان اهل الحقيقة يقصدونه بحديثهم عن التجريد. وما ألطف اشارة ابن عربي اذ يقول: «التجريد اماطة السوى والكون من القلب والسر. وقال السهروردي فأجاد وأحسن: «التجريد ان العبد يتجرد عن الاعراض فيما يفعله، ولا يأتي بما يأتي به نظرا الى الاعراض في الدنيا والآخرة، بل ما كوشف به من حق العظمة يؤديه حسب جهده عبودية وانقيادا».