الجمعة 17 رمضان 1423 هـ الموافق 22 نوفمبر 2002 نشأ علم الصيدلة فى التراث العلمى فى الحضارة الإسلامية متكئاً على علمى الكيمياء والطب، وذلك حيث كان علم الصيدلة يعد فى بداية نشأته عند العرب جزءاً من الطب كما كان يعتمد على الكيمياء فى تركيب الأدوية وصناعة المعاجين عن طريق مزج وتركيب أكثر من عنصر فى بوتقة واحدة. والصيدلة هى علم الأدوية وكانت صناعة الدواء تقوم على تركيب العناصر الكيميائية وكان يقوم بها الأطباء، ومن جهة أخرى كانت الصيدلة تتصل أيضاً بعلم الأعشاب الذى يقوم على وصف نباتات معينة تستخدم حبوبها وأوراقها ومستخلصاتها كأدوية، وهذا الفرع من فروع الصيدلة مازال قائماً حتى عصرنا الراهن وهو طب الأعشاب وتزداد أهميته خصوصاً فى وقتنا الحالى حيث توجد مراكز بحثية تنتشر فى العالم المعاصر فى الشرق والغرب على السواء تهتم بالأعشاب وتحاول الاعتماد عليه كلية فى العلاج والدواء بدلاً من الأدوية الكيميائية التى لها تأثير جانبى على الإنسان. وقد ازداد الاهتمام حديثا بعلم صناعة الأدوية المستخلصة من الأعشاب فى الدول المتقدمة التى حولت الأعشاب الطبيعية إلى حبوب تستخدم فى العلاج كشجر الأراك الذى تستخلص منه المسواك وتحويله إلى مسحوق بودر أو معجون لغسيل الفم والأسنان وكذلك تحويل عسل النحل إلى حبوب لتنشيط البدن واستخدام الأعشاب والحبوب كمشروبات ومواد تضاف إلى الطعام كالزعتر والحلبة واليانسون والشيح البابونج والحبة السوداء وغيرها. وقد ازدهر علم الصيدلة عند المسلمين الذين عنوا بتركيب الأدوية عن طريق المزج الكيميائى بين العناصر المختلفة من عدة معاجين أو عن طريق الاهتمام بالأعشاب والنباتات واستخلاص قيمتها الغذائية فى علاج بعض الأمراض عن طريق معرفة خواص هذه النباتات وتحليل محتوياتها وكانت الصيدلة فى أول عهدها فى الحضارة العربية الإسلامية جزءاً من عمل الطبيب الذى كان يعد بنفسه الأدوية والمعاجين ويعطيها للمرضى. والصيدلة فى الأصل كلمة هندية معربة وأصلها فى الهندية جندنانى أو جندن أو جندل وهو يعنى بالهندية الصندل وهو من العطور المعروفة عند العرب وأهل الهند يستخدمون هذا العطر فى العلاج كثيراً وعلى هذا فإن كلمة جندلانى تم تعريبها إلى صيدلانى وتعنى مزاول العطر ثم أطلقت بعد ذلك على مزاول الأدوية وعلى الشخص الذى يجمع الأعشاب النافعة للتطبيب. ويرى حاجى خليفة صاحب كتاب كشف الظنون أن الكلمة أخذت من الكلمة اليونانية أقراباذين أو أقربازين ومعناه التركيب، أى تركيب الأدوية المفردة وقوانينها. فالكلمة أصلها يونانى مثلها مثل كلمة فارماكون اليونانية التى تقابل علم عقار، وعلى هذا فالفارماكوبيا هى علم الأقراباذين أو دستور الأدوية ومنها كلمة فارما كولوجى وهى فى المصطلح الفنى الحديث علم طبائع الأدوية وخواصها أى أن فعل الأدوية وتأثيرها فى الجسم، وقد أخذت الكلمة عند العرب مدلولا دقيقا فأصبحت تعنى الأدوية المركبة. ويذهب بعض الباحثين المعاصرين أن من أسماء علم الصيدلة أيضاً عقاقير المستمدة من أصل سريانى الذى تطلق على الأدوية المستخلصة من نباتات وذلك لأن الأرومة والجرثومة تسمى فى السريانية عقاراً وهى أصل النبات وفرعه لأن أساس الأدوية كان أصول الأعشاب، وقد اتسع مدلول الكلمة بعد ذلك فدل على جميع الأعشاب المستعملة للعلاج، ثم أدخل فى ذلك ماليس بنبات أيضاً فشملت الكلمة الأدوية الحيوانية والمعدنية. لقد اشتغل العرب بالنبات وأوغلوا فيه واستخرجوا منه مواد كثيرة للطب والصيدلة وأضافوا إلى آثار القدماء مادة غزيرة أفاد منها من جاء بعدهم وتابع مسيرتهم ثم انتقلت هذه العلوم إلى الأوروبيين الذين أخذوا من الشرق أعشاب ونباتات طبية وعطور كثيرة واشتهر من هذه المفردات أسماء دخلت فى اللغات الأوروبية ويرى بعض الباحثين الغربيين أنها أكثر من ثمانين اسما وكلمة كالصندل والراوند والمسك والتمرهندى واليانسون والعنبر. كما اخترع العرب الأشربة والكحول والمستحلبات والخلاصات العطرية وتوصلوا إلى عمل الترياق المقاوم للسموم. العرب واستقلال علم الصيدلة والعرب هم المؤسسون الحقيقيون للصيدلة فهم الذين ارتفعوا بها من مستوى تجارة العقاقير وهم الذين أنشأوا المدارس لتعليمها والحوانيت لبيعها وتصريفها، كما أنهم وضعوا كتباً خاصة بتركيب الأدوية أطلقوا عليها الأقرباذين وأخضعوا هذه الصناعة لرقابة المحتسب. وذلك حيث كانت الأدوية تجارة حرة منذ أقدم الأزمان، ولم يكن القائمون على هذه التجارة جميعاً من ذوى الأخلاق الكريمة، فكان منهم من يغشون فى الأدوية فكان إذا طلب مريض دواء ليس موجوداً لدى العطار أو لايعرفه العطار فلم يكن يرده دون أن يعطيه أى شيء اتفق ولم يكن هو الدواء المطلوب ومن هنا أمر المأمون بإجراء امتحان للصيادلة لاختيار أفضلهم لتلك الصناعة المهمة ثم أمر المعتصم أن يعطى الصيدلى الذى تثبت أهليته منشوراً يجيز له العمل وإلا حيل بينه وبين تعاطى هذه الصناعة. جملة القول أن العرب افتتحوا الصيدليات العامة فى أواخر القرن الثامن للميلاد أى منذ زمن المنصور وقد الحقوا بكل بيمارستان صيدلية خاصة به وأنشأوا صيدليات خاصة بميادين القتال كانت تصحب البيمارستانات المحمولة المتنقلة وجعلوا على الصيادلة نقيباً يسمى رئيس العشابين وأخضعوا هذه الصناعة لرقابة المحتسب فصارت خاضعة لنظام الحسبة ليحولوا دون غش الدواء. وقد اشتهر فى الحضارة العربية مجموعة من الأطباء الذين ساهموا فى تقدم علم الصيدلة وفى تطوير الدواء والعقاقير وذلك عن طريق تحسين تركيب بعض الأدوية والتى تلقوها عن اليونان وخففوا من وطئتها فمزجوها بعصير الليمون والبرتقال والقرنفل ومن الأعلام الذين ساهموا فى تقدم الصيدلة وتطويرها فى الحضارة العربية أبو بكر محمد بن زكريا الرازى الذى نادى باستقلال الصيدلة عن الطب وكان واضحاً فى ذلك كما ساهم فى تطوير الأدوية عن طريق التركيب والمزج بين العناصر الكيماوية كما ساهم ابن سينا فى تقدم علم الصيدلة وذلك فى بحثه عن ماهية الدواء وصفاته ومفعوله وطريقة حفظه وذلك فى كتابه المشهور «القانون فى الطب» فقدم فيه أدوية جالينوس المعقدة فى صورة سهلة لا ضرر فيها وأضاف إليها ما يجعلها مقبولة الطعم مستساغة وغلف الحبوب التى يطلب من المريض بلعها بالفم ليمنع من مذاقها الكريه وذكر فى كتابه المذكور ما يزيد على 760 عقاراً دخلت كلها فى علم النبات وعلم الصيدلة فى أوروبا ومن أعلام هذا العلم عند العرب البيرونى والزهراوى والغافقى والشريف الأدريسى والصورى وابن البيطار وهو يعد العمدة فى مجال الصيدلة فى الحضارة الإسلامية خصوصاً فى كتابه الشهير الجامع فى الأدوية المفردة. ابن البيطار هو عبد الله بن أحمد المالقى أبو محمد ضياء الدين المعروف بابن البيطار إمام النباتيين وعلماء الأعشاب والعارفين بها حتى صار الحجة فى معرفة أنواع النبات وتحقيقه وصفاته وأسمائه وأماكنه وقد اتصل ابن البيطار بالكامل من بنى أيوب محمد بن أبى بكر الذى جعله رئيس العشابين فى الديار المصرية وظل كذلك فى مهنته فى عهد الملك الصالح أيوب ابن الكامل وقد حظى عنده بمكانة واشتهر شهرة عظيمة وهو صاحب كتاب الأدوية المفردة الذى يقع فى أربعة أجزاء ويعرف بمفردات ابن البيطار وله المغنى فى الأدوية المفردة وميزان الطب وقد توفى ابن البيطار فى دمشق عام 646ه. أما كتاب الجامع لمفردات الأدوية والأغذية فهو من أجل كتبه فقد ذكر فيه ماهيتها وقواها ومنافعها ومضارها واصلاح أضرارها والمقدار المستعمل من جرعها أو عصارتها أو طحنها والبدل منها وقد صنف ابن البيطار فى هذا الكتاب الأدوية فوصف فيه أكثر من ألف وأربعمائة عقار بين نباتى وحيوانى ومعدنى، منها ثلاثمائة دواء من صنعه بين فيها الفوائد الطبية لكل منها ويقول الدومييلى وهو من مؤرخى العلم عند العرب فى كتابه «العلم عند العرب» ويحتوى كتاب الجامع فى الأدوية المفردة لابن البيطار ما يزيد على 1400 صنف من الأدوية المختلفة مرتبة حسب الحروف الأبجدية منها 300 صنف لم يتناول بحثها كتاب فى الصيدلة من قبل، ووصفه دقيق جداً وهو يذكر المترادفات كما يذكر ترجمتها بالإغريقية. وأضاف المستشرق والمؤلف الغربى المعروف رام لاندر فى كتابه الإسلام والعرب أن ابن البيطار صنف أوسع كتاب فى الموضوع أى فى علم النبات بل أهم كتاب ألف فى علم النبات طوال الحقبة الممتدة من ديسقوريدس إلى القرن السادس عشر الميلادى لقد كان كتاب الجامع فى الأدوية المفردة دائرة معارف حقيقية فى هذا الموضوع ضمت بين دفاتها كامل الخبرات الأغريقية والعربية ... فلابد من الإقرار إذن بابن البيطار أعظم عالم نباتى وصيدلى فى القرون الوسطى ولو روعيت جميع الاعتبارات على حقيقتها فهو أعظم عالم نباتى وصيدلى فى جميع العصور. فقد أوضح فى كتابه هذا الأهداف التى توخاها فيه ومنها يتجلى أسلوبه فى البحث وأمانته العلمية فى النقل واستناده إلى التجربة كمعيار لصحة الأحكام. وقد ظل هذا الكتاب المرجع لعلماء أوروبا فى هذا المجال حتى عصر النهضة الأوروبية. بعض المراجع: 1 ـ علم الكيمياء والصيدلة عند العرب ـ د. فاضل أحمد الطائى - دار المعارف للطباعة والنشر ـ تونس 1994م. 2 ـ الموجز فى التراث العلمى العربى الإسلامى ـ د. على عبد الله الدفاع ـ نيويورك 1979م. 3 ـ تاريخ العلوم عند العرب ـ د. عمر فروخ ـ دار العلم للملايين ـ بيروت الطبعة الرابعة 1984م. 4 ـ الجامع فى تاريخ العلوم عند العرب - د. محمد عبد الرحمن مرحبا ـ بيروت الطبعة الثانية 1988م. د أحمد عرفات القاضى