الجمعة 17 رمضان 1423 هـ الموافق 22 نوفمبر 2002 لم تسلم المرأة المسلمة من الاعتداء البدني عليها في بلاد الغرب من بعض المتطرفين والعنصريين، حيث لها شكلها المميز بحجابها الاسلامي الفريد في جميع الظروف كما لم يسلم الاسلام كدين من افتراءات هؤلاء حول المرأة ليستغلوها موضوعا للهجوم على جوهر الاسلام وهؤلاء الذين يعتدون بدنيا على المرأة المسلمة في الغرب يحملون فجأة وبشكل يثير الشكوك والريبة لواء الدفاع عن المرأة، ويزعمون ان الاسلام قهرها وهضم حقوقها وانتهك آدميتها وقلل من شأنها.. و.. و.. الخ من هذه الاتهامات الباطلة.. الا ان المتأمل في حقيقة الأمور يدرك زيف وكذب ما يتشدق به بعض الأصوات في الغرب، ويعلم تمام العلم أن الاسلام على العكس مما قيل عنه بأنه يمنع المرأة من تولي المناصب الوظيفية العليا فنجد المرأة في تاريخ الاسلام صار لها شأن يفوق وضعها في كافة الأمم والأديان والعصور حيث أعطاها الاسلام حق الترشيح للمجالس النيابية وتولي المناصب العليا حتى صارت وزيرة ورئيسة للوزراء بشكل يفوق ما وصلت اليه المرأة في الغرب نفسه ... وخلال هذا التحقيق يرد علماء المسلمين على اباطيل خصومه بهذا الشأن. فى البداية ركز فضيلة الامام الأكبر الدكتور محمد سيد طنطاوى شيخ الأزهر على مظاهر تكريم الاسلام للمرأة مدلالا بذلك على ان الاسلام لم يمتهنها ولم يظلمها كما قال المغرضون ومن أبرز مظاهر التكريم للمرأة المساواة بينها وبين الرجل فى أصل الخلقة، وهذه الحقيقة نراها واضحة جلية فى كثير من الآيات القرآنية ومنها قوله سبحانه وتعالى «يا أيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذى تساءلون به والأرحام ان الله كان عليكم رقيبا».. بل ان حكمته سبحانه قد اقتضت أن تكون جميع المخلوقات من ذكر وأنثى ومن الشيء ومقابله يقول الله تعالى: «ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون». وقد جاءت أحاديث النبى صلى الله عليه وسلم فأكدت هذه الحقيقة وهى أن الرجال والنساء قد أوجدهم الله تعالى من أصل واحد، ولتأكيد هذه الحقيقة أيضا حرمت شريعة الاسلام تحريما قاطعا ما كان شائعا فى بعض القبائل فى الجاهلية من قتل للاناث وتوعدت من فعل ذلك بسوء المصير كما في قوله تعالى: «واذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه فى التراب ألا ساء ما يحكمون».. كما ان من مظاهر تكريم الاسلام للمرأة ايضا المساواة بينها وبين الرجل فى التكاليف الشرعية، بمعنى أن القاريء لكتاب الله تعالى يراه فى كثير من آياته يجمع بين الرجال والنساء فى التكاليف الشرعية، وفى الأوامر الدينية، وفى الثواب على الاحسان وفى العقاب على العصيان وفى توجيه الخطاب اليهما معا يقول الله تعالى: «ان المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما». ويضيف فضيلة الامام الاكبر.. انه كما أن الرجل والمرأة متساويان فى التكاليف الشرعية فانهما كذلك على نفس الدرجة فى الحقوق المدنية ونعنى بالحقوق المدنية ما يشمل جميع التصرفات التى أباحتها شريعة الاسلام للبالغين العقلاء فجعلت للمرأة شخصيتها المستقلة فى التملك وفى شتى المعاملات التى أحلها الله تعالى فاين الامتهان اذن الذي يروج له هؤلاء!! اما الدكتورة هاجر سعد الدين رئيس شبكة القرآن الكريم في الاذاعة المصرية فأكدت ان ظهور هذه الدعاوى بين الحين والاخر ليس مقصود بها الحرص على مصلحة المرأة بقدر ما انه مقصود منها شغل الناس بقضايا غير مهمة وتافهة لابعادهم عن القضايا المصيريه الهامة والقضايا الجادة الاساسية التى يجب ان يركز عليها فالمرأة ايام الرسول صلى الله عليه وسلم فى العهد النبوي كانت تشارك الرسول غزواته والسيدة عائشة كانت فقيهه زمانها كما تولت اعلى المناصب فى عهد الرسول عليه السلام والصحابة وهذا موضوع لايجب ان نتهم به ولا يجب ان نلقي بأي خلل فى الاسرة على شماعة عمل المرأة لتبرير المطالبة ببقائها فى المنزل.بل لابد من تحديد السبب الذى قد يكمن فى عدم قيامها بواجباتها على اكمل وجه. ويجب ان نكون واعين بان هناك الام الحاضرة الغائبه التى تقضى يومها كله بالمنزل ولكنها لاترعى شأنا من شئون ابنائها بينما هناك الام العاملة الغائبة بجسدها بعض الوقت لكنها حاضرة بوجدانها وروحها وتوجيهاتها ورعايتها لابنائها واسرتها وتسعى لتعويض ابنائها عن غيابها فى العمل مزيدا من الحنان والشوق والاهتمام لكن سفر الوالدين او احدهما كما قلت واكرر هى الكارثه التى تهدم البيوت فى فترة وجيزة. واشار الشيخ جمال قطب عضو مجلس الشعب المصري السابق ان ما يقال عن ان الاسلام ظلم المرأة يعد أكذوبة لان العدو سخر ذكاءه في التشنيع على الاسلام فابتكر مصطلحات من حياته هو وقاس عليها الاسلام فقلب الموازين حيث تم قياس الحق بالباطل والوضوح بالغموض .. هذا فضلا عن ان الاسلام لا يعرف عصبية جنس على جنس ولا طبقيه نوع على اخر والذكر والانثي في عقيدة الاسلام كالليل والنهار لا فضل لاحدهما على الاخر ولا تنافس بينهما بل العلاقة بينهما علاقة تكامل .. وحينما يجد الباحث عن الحقيقة فرقا بينهما فان امانة البحث العلمي تهديه الى ان هذا الفرق ليس فرقا بين الذكر والانثى بسبب الجنس لكنه حادث وقائم ومعلن ومقبول لانه فرق المركز القانوني في المعاملات لكل منهما .. واضاف ان العلاقة بين الزوجين لا تقوم الا بالمساواة بين طرفيها فلا يقبل احدهما الزواج الا بموافقته كما ان التعايش بينهما مشروط بالرضا ورضا الطرفين والا فلا معاشة بينهما وفى حالة رؤية احدهما لاستحالة الاستمرار فللرجل حق الطلاق وللمرأة حق الخلع . واشار الشيخ جمال الى ان جهل الغرب بتعاليم الاسلام واحكامه ساقه الى قراءة ايات المواريث قراءة خاطئة غير واعية لاحكام الشرع وذلك شأن الجاهل الذى لا يفهم وليس من الاسلام في شئ.لان الاسلام لا يتعصب للرجل فى الميراث ضد الانثي وامثلة ذلك كثيرة: فاذا انفردت البنت وحدها ولا اخ لها جازت نصف الميراث وحدها والنصف الاخر لامها وجدها وجدتها ولجميع الاعمام او ابنائهم فمن هنا المفضل الذكر ام الانثي؟! فميراث البنت المنفردة النصف بينما جدها السدس واعمامها الذكور اقل من ذلك.اما اذا كان الوارث بنتين اخذتا ثلثين وحدهما والباقي لجميع الاعمام والجد والجدة والام.لكن زيادة نصيب الزوج على الزوجة قضية مرتبطة بالتزامه بالانفاق وليست قائمة على تفضيل احدهما على الاخر.اما زيادة نصيب الاخ على الاخت فمرتبط بالتزامه بالرعاية والمسئولية والجد والجده متساويان والاب والام متساويان . واكد الشيخ قطب فى قضية شهادة المرأة ان بعض المغامرين من حملة الباطل والمروجين له مازلنا نراهم حتى الان يقرأون دون فهم ودون وعي وحتى لو فهموا لووا عنق النص وتعاموا عما فيه من فضل وخير يقولون ويعيدون في شهادة المرأة وانها نصف شهادة وما الشهادة القضائية الا مسئولية وتكليف؟! وحينما يقلل الاسلام من قيمة شهادة المرأة فانه لا يقلل من قيمة المرأة نفسها بل يطالب المجتمع بعدم ارهاقها وبعدم تحميلها مسئولية فوق المسئوليات التربية وادارة البيت والقيام على اغلب الشئون المعنوية في الاسرة واصولها وفروعها. واضاف: واذا كان الأمر امر شهادة ووقوف امام القضاء فان من فروع الفقه ما لا تقبل فيه الا شهادة المرأة بل المرأة وحدها تغنى عن جميع الرجال في تلك الشهادات مثل الشهادة على حالة الانثى بين البكارة والثيوبة وشهادة الرضاع.ومن ناحية اخرى اذا كنا نحتاج الى الدفاع عن المرأة فان الشرع قد سوى مطلقا بين الزوجة والزوج في قضاء الملاعنة فشهادتها وقسمها مساو ومكافئ لشهادة الرجل وقسمه . وأوضح الشيخ جمال قطب عضو مجلس الشعب ورئيس لجنة الفتوى السابق بالأزهر الشريف ان من يروجون بان بعض كتب الفقه اوردت ما نصه حرمان الاسلام للانثى من تولي الوظائف العامة او الرياسة العليا للدولة يعد أكذوبة وفرية ليس في الاسلام نص يدعمها لا في قرآن او سنه وها هي المرأة فى بلاد المسلمين الان تتولى المناصب القيادية حتى رئاسة الدولة لم تحجب عنها وكذلك القضاء.. الخ دون انكار من علماء الشرع . بينما يسلط الدكتور محمد عمارة المفكر الاسلامي المعروف الضوء على الحديث النبوي: «ما افلح قوم ولوا أمرهم امرأة » حيث انتهى بعد حديث طويل الى أن الحديث كانت له مناسبة وملابسات خاصة، وكان قصد الرسول صلى الله عليه وسلم منه ان يجعله نبوءة سياسية بزوال ملك فارس - وهى نبوءة نبوية قد تحققت بعد ذلك بسنوات ـ اكثر منه تشريعا عاما يحرم ولاية المرأة للعمل السياسي العام والولايات الخاصة والعامة. ويضيف ان هذه الملابسات تجعل هذا الحديث خاصا بالولاية العامة أي رئاسة الدولة وقيادة الأمة فالمقام كان مقام الحديث عن امرأة تولت عرش الكسروية الفارسية التي كانت تمثل احدى القوتين الأعظم فى النظام العالمي لذلك التاريخ ولا خلاف بين جمهور الفقهاء - باستثناء طائفة من الخوارج - على اشتراط الذكورة فيمن يلي الامامة العظمى والخلافة العامة لدار الاسلام وأمة الاسلام.. اما ما عدا هذا المنصب بما فى ذلك ولايات الأقاليم والأقطار والدول القومية والقطرية والوطنية فانها لا تدخل فى ولاية الامامة العظمى لدار الاسلام وأمته لانها ولايات خاصة وجزئية بفرض واجب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر المشاركة فى حمل اماناتها على الرجال والنساء دون تفريق . واشار عمارة الى ان هذه الشبهة انما جاءت من خلط مثل هذه الولايات - الجزئية والخاصة - بالامامة العظمى والولاية العامة لدار الاسلام وامته وهى الولاية التى اشترط جمهور الفقهاء الذكورة فيمن يليها.. ولا حديث للفقه المعاصر عن ولاية المرأة لهذه الامامة العظمى لان هذه الولاية قد غابت عن متناول الرجال فضلا عن النساء منذ سقوط الخلافة العثمانية حتى الان. ويلفت الدكتور عمارة الأنظار الى ان مفهوم الولاية العامة وتولى المرأة المناصب العليا قد تغير فى عصرنا المعاصر وذلك بانتقاله من سلطان الفرد الى سلطان المؤسسة والتي يشترك فيها جمع من ذوي السلطان والاختصاص كما تحول القضاء من قضاء القاضي الفرد الى قضاء مؤسسي يشترك في الحكم فيه عدد من القضاة ..فاذا شاركت المرأة في هيئة المحكمة فليس بوارد الحديث عن ولاية المرأة للقضاء بالمعنى الذي كان واردا فى فقه القدماء لان الولاية هنا - الان - لمؤسسة وجمع وليست لفرد من الأفراد رجلا كان او امرأة .. بل لقد أصبحت مؤسسة التشريع والتقنين مشاركة فى ولاية القضاء بتشريعها القوانين التى ينفذها القضاة وبالتالي اصبح قاضي اليوم ليس المجتهد بل المنفذ للقوانين التي صاغتها مؤسسة كما تحول التشريع والتقنين من اجتهاد الفرد الى مؤسسات الصياغة والتشريع والتقنين فاذا شاركت المرأة فى هذه المؤسسات فليس بوارد الحديث عن ولاية المرأة لسلطة التشريع بالمعنى التاريخي. واستطرد قائلا: وتحولت كذلك سلطات صنع القرارات التنفيذية - فى النظم الشورية والديمقراطية -عن سلطة الفرد الى سلطات المؤسسات المشاركة فى الاعداد والصياغة فاذا شاركت المرأة فليس بوارد الحديث عن ولاية المرأة لهذه السلطات والولايات بالمعنى الذى كان فى ذهن الفقهاء الذين عرضوا لهذه القضية فى ظل فردية الولايات .والجدير بالذكر ان القرآن الكريم عندما تحدث عن ملكة سبأ وهى امرأة اثنى عليها وعلى ولايتها العامة لانها كانت تحكم بالمؤسسة الشورية لا بالولاية الفردية وذم القرآن فى نفس الوقت فرعون مصر وهو رجل لانه قد انفرد بسلطان الولاية العامة وسلطة صنع القرار «قال فرعون ما اريكم الا ما ارى وما اهديكم الا سبيل الرشاد» فلم تكن العبرة بالذكورة او الانوثة فى الولاية العامة وانما كانت العبرة بكون هذه الولاية مؤسسة شورية ام سلطانا فرديا مطلقا ؟! واوضح ان ولاية المرأة للقضاء من الشبهات التى اثارها الغرب ضد الاسلام كشبهة على اكتمال اهلية المرأة فى الرؤية الاسلامية لكن ازالة هذه الشبهة يمكن ان يتحقق بسهولة اذ ان ما لدينا فى تراثنا حول قضية ولاية المرأة لمنصب القضاء ما هو الا فكر ديني واجتهادات فقهية اثمرت بدورها احكاما فقهية وليس «دينا» وضعه الله سبحانه وتعالى، ومعلوم ان الاحكام الفقهية التى هى اجتهادات الفقهاء مثلها مثل الفتاوى تتغير بتغير الزمان والمصالح الشرعية المعتبرة فتولى المرأة للقضاء قضية فقهية لم ولن يغلق فيها باب الاجتهاد الفقهي الاسلامي كما ان اجتهادات الفقهاء القدماء حول هذه القضية اجتهادات متعددة ومختلفة باختلاف وتعدد مذاهبهم ومن ثم فليس هناك اجماع فقهي فى هذه المسالة حتى يكون هناك الزام للخلف باجماع السلف فضلا عن ان جريان العادة فى العصور الاسلامية السابقة على عدم ولاية المرأة لمنصب القضاء لا يعني تحريم الدين لولايتها هذا المنصب وان العادة مرتبطة بالحاجات المتغيرة بتغير المصالح والظروف والملابسات وليست مصدر الحلال والحرام بالاضافة الى ان علة اختلاف الفقهاء حول جواز تولى المرأة لمنصب القضاء فى غيبة النصوص - القرآن والسنة - كانت اختلافهم فى الحكم الذى قاسوا عليه توليها للقضاء وهو الامامة العظمى فكان القياس على حكم فقهي وليس على نص قطعي الدلالة والثبوت واخيرا فان منصب القضاء وولايته قد اصابها هى الاخرى ما اصاب الولايات السياسية والتشريعية والتنفيذية من تطور انتقل بها من الولاية الفردية الى ولاية المؤسسة فلم تعد ولاية الرجل او ولاية المرأة وانما اصبح الرجل جزءا من المؤسسة والمجموع واصبحت المرأة كذلك ومن ثم اصبحت القضية فى كيف جديد يحتاج الى تكييف جديد يقدمه الاجتهاد الجديد لهذا الطور المؤسسي الجديد الذي انتقلت اليه كل هذه الولايات ومنها ولايه المرأة للمناصب العليا. مجاهد المليجي