الجمعة 17 رمضان 1423 هـ الموافق 22 نوفمبر 2002 الداعية فاطمة أبو السعود رغم أنها مهندسة زراعية الا أن تكوينها الثقافي والديني يرجع الى السنوات الأولى من عمرها حيث حرصت على دراسة الاسلام من مصادره الأساسية وكونت مكتبة كبيرة كانت زادها ووسيلتها للعمل في مجال الدعوة ثم التحقت بمعهد اعداد الدعاة حتى تصبح مؤهلة للعمل في هذا المجال. وهي تؤكد أن عمل المرأة في مجال الدعوة أمر ضرورى لأنها تستطيع الاجابة على أسئلة وفتاوى النساء دون حرج أو ضياء، كما أن تجاربها وخبرتها تجعلها اقرب للمرأة وأكثر فهما لها ولمشكلاتها من الدعاة الرجال. وتشير الى أن المرأة تصلح للعمل في الافتاء والقضاء ما دامت مؤهلة ولديها الخبرة والكفاءة وهي في ذلك لا تختلف عن الرجال موضحة أن المرأة مطالبة بتحقيق التوازن بين عملها وبيتها حتى لا تقصر أو تهمل في أي مجال من المجالات. وتوضح أنها تحرص على نشر الفكر الوسطى بعيدا عن الافراط والتفريط ما يؤكد أن التطرف نتيجة طبيعية للجهل وعدم الدراسة الصحيحة لعلوم الدين وتدعو الى تطبيق تعاليم الاسلام وعدم الاكتفاء بترديد آيات القرآن دون أن يكون لها تأثير في حياتنا وأخلاقنا. ـ كيف كانت بداية توجهك الى العمل في مجال الدعوة؟ ـ منذ سن مبكرة وجهت نفسي للثقافة الدينية والاطلاع على آمهات الكتب حتى أتعرف على الفكر الصحيح وابتعد عن التيارات المنحرفة وما تنشره من آراء لا تعبر عن وجهة نظر الاسلام لذلك اتجهت الى المصادر الأساسية للدين وليس لكتب الارصفة أو الكتب التي لا يعرف مؤلفها وكنت استشير أساتذة الازهر وأطلب منهم أن يوجهوني لتحصيل العلم الديني من أقصر طريق والحمد لله أرشدوني الى ما ينبغي على أن أقرأ سواء في مجال التفسير أو الحديث أو الفقه أو الاخلاق واستطعت بذلك تكوين مكتبة جيدة أفادتني افادة كبيرة حتى قبل أن التحق بمعهد اعداد الدعاة حيث كنت واحدة من بين خريجي أول دفعة من هذه المعاهد ، وأنا أؤمن بأن حفظ العلم يكون من خلال تطبيقه اما العلم من أجل العلم فلا يحقق الفائدة المرجوة وكنت أنشر هذا العلم في محيط الأسرة والجيران والأصدقاء فالتوعية والارشاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مسائل موجودة في داخلي بالفطرة. ـ ما المؤهل الذي حصلت عليه قبل معهد اعداد الدعاة؟ ـ أنا مهندسة زراعية لكن كانت لدى رغبة كبيرة للعمل في مجال الدعوة لأنها تجعل الانسان على اتصال بالعلم بصفة مستمرة وتوجهه للقراءة والاطلاع فيستفيد ويفيد غيره ولا تستطيع أعباء الحياة أن تشغله عن ذلك وقد تركت وظيفتي من أجل أن أتفرغ للدعوة. ـ هل الأسرة وافقت بسهولة على عملك في مجال الدعوة؟ ـ الحمد لله الأسرة احترمت رغبتي ولم تعترض فأبناء عائلتي يدركون أنني دخلت مجال الدعوة عن خبرة وتجربة وليس مجرد اندفاع لهذا المجال ومن جهة أخرى لست في حاجة ـ أنا وأسرتي ـ للوظيفة وقد دخلت مجال الدعوة لتكون لي مكانة عند الله وأجر عظيم ولا تهمني المكانة الاجتماعية في الدنيا. الفتاوى الخاطئة ـ يعتبر عمل المرأة في مجال الدعوة من المجالات الجديدة وهناك كثيرون لا يتقبلون عملها في هذا المجال فما أسباب ذلك؟ ـ عمل المرأة بالدعوة مطلوب ونحن في حاجة اليه وربما يرجع عدم تقبل البعض الى وقوع بعض الداعيات غير المؤهلات في اخطاء في الفتاوى أو ارتدائهن لملابس لا تعبر عن الحجاب الصحيح الذي فرضه الاسلام فهناك أناس قد ينظرون الى هيئة وملابس الداعية قبل معرفة مؤهلاتها ومستواها العلمي وأعتقد أن الفتاوى الخاطئة هي التي تدفع البعض للهجوم على الداعيات رغم أن الداعيات المؤهلات حققن نجاحا كبيرا ولهن شعبية كبيرة لأن هؤلاء يبنين منهج الوسطية والتيسير على الناس والتسامح دون تعقيد أو تشديد حتى لا ينفر الناس منهن فالداعية المؤهلة تخاطب الناس على قدر عقولهم وتدرك كيفية التعامل مع المستويات الاجتماعية والثقافات المختلفة وبذلك ترغب الناس في الدين والتمسك بالاخلاق وبالتالي يقبل عليها الناس ولا يهاجمونها. ـ لكن هل تصلح الداعية أن تكون مفتية أم الأفضل أن يقتصر عملها على القاء الدروس والعظات؟ ـ نعم الداعية تصلح كمفتية خاصة في فتاوى النساء حيث تستطيع المرأة أن تسأل الداعية عما تريد دون حرج أو استحياء بجانب أن المرأة الداعية تعرف مشكلات بني جنسها بصورة جيدة لأنها تعيش الظروف والتجارب نفسها وتجيب على الأسئلة من واقع هذه التجارب فيكون تأثيرها أكبر، أيضا المرأة الداعية تساهم في حل المشكلات الاجتماعية للنساء وليس الاجابة عن أسئلتهن الشرعية فحسب وبالنسبة لي فان تليفوني لا ينقطع عن الرنين من سيدات وفتيات يسألن في مختلف المجالات وكثيرات منهن بحاجة الى نصائح لمواجهة مشكلة ما أو اتخاذ قرار في قضية ما أكثر من حاجتهن للآراء الفقهية. ـ هذا يحتم على المرأة الداعية أن يكون لديها خبرة وخلفية اجتماعية بجانب العلوم الشرعية فهل تتوافر تلك الخبرة لكل الداعيات؟ ـ نعم لابد أن تكون الداعية عارفة بالمشكلات الاجتماعية وبظروف مجتمعها لأن هذا يساعدها على الاجابة على كثير من الأسئلة بسرعة وبدون تفكير. المرأة مفتية ـ هل معني ذلك أنه يجوز تعيين المرأة كمفتية كما كانت تطالب الدكتورة سعاد صالح الاستاذة بجامعة الأزهر؟ ـ هذا يتوقف على الكفاءة سواء بالنسبة للمرأة أو الرجل فاذا توافرت الكفاءة فلا مانع من تعيين المرأة في منصب مفتية مثلما يعين الرجل في هذا المنصب ما دامت مؤهلة لذلك فالعبرة بالكفاءة والتأهيل العلمي وليس بالجنس فلا فرق بين الرجل والمرأة في هذا الصدد ولا أعرف لماذا يستغرب البعض ذلك وينكر على المرأة حقها في تولي منصب الافتاء رغم أن المرأة تتولى أعلى المناصب في المجالات الأخرى مثل الطب والهندسة وغيرها فهذه المجالات مفتوحة للمتفوقين سواء من الرجال أو النساء. ـ هل من حق المرأة أيضا أن تتولى القضاء؟ ـ الاسلام لايمنع المرأة من تولى القضاء لكن يجب أن يكون لديها من المؤهلات ما يجعلها تصلح لشغل هذا المنصب وان كان مثل هذا المنصب يحتم على المرأة التفرغ التام وعدم الانشغال برعاية الأبناء والأسرة وبالتالي ستكون مقصرة في حق بيتها فالمرأة يتنازعها واجبان العمل والبيت أما الرجل فهو منقطع للعمل ولا شيء آخر يشغله ، والمرأة التي تجمع بين العمل والبيت وتتفوق تعد حالة نادرة لا يقاس عليها. وفي الغرب ربما تتفوق المرأة لأنهم لا يفرقون بين الرجل والمرأة في الواجبات والحقوق فيما يتعلق بالمنزل أما نحن في مجتمعاتنا الاسلامية فنسير وفق تعاليم الاسلام التي توجب على المرأة أن تقوم بدورها وتؤدي واجباتها وأن تقدم رعاية أرستها على الأعمال الأخرى. ـ هل يعني ذلك أنه يجب اختيار اعمال معينة تناسب طبيعة المرأة حتى لا تخل بالتزاماتها العائلية؟ ـ يجب أن يكون هناك توازن بين العمل وبين البيت فلا يجب أن يكون عمل المرأة على حساب رعايتها للأسرة والابناء أيضا ليس من المنطقي أن تجيد الداعية عملها الدعوى وتلم بالعلوم الشرعية جيدا في حين أن بيتها يعاني من الاختلال ويواجه الانهيار لأن مثل هذه الداعية انما تدعو فقط بلسانها ولن يصل كلامها الى قلوب الناس لأن الداعية اذا أراد أن يؤثر في الناس فلابد أن يطبق على نفسه ما يدعو اليه وأن يكون قدوة للآخرين وأن تكون أفعاله وسلوكياته دعوة فعلية للناس تحببهم في الاسلام وتقربهم منه أما مجرد الكلام فان المتكلمين عددهم كبير جدا لكن الذين يقدمون نماذج عملية يستطيع الآخرون أن يقتدوا بها فعددهم محدود للغاية خاصة في عصرنا الحاضر الذي بات فيه من الصعب فيه على الناس الالتزام بالوسطية فمعظم الناس يميلون اما الى الافراط أو التفريط. ـ اذا كنا نعاني من غياب الوسطية فالمسلم الآن اما مفرط أو متشدد فكيف نعيد الامور الى نصابها الطبيعي؟ ـ الوسط حسنة بين سيئتين هما الافراط والتفريط والوسط هو الخلق المحمود وأعتقد أن الذين ينشرون الفكر المتشدد وقعوا في ذلك بسبب الجهل وعدم الدراسة الصحيحة لعلوم الدين وتأويل النصوص بطريقة غير صحيحة فهي التي تجعل المسلم يفهم دينه بطريقة سليمة ومن مصادر موثوق فيها فالذين يدرسون في معاهد اعداد الدعاة على سبيل المثال ، تتغير أفكارهم وسلوكياتهم ويحاولون تقديم الفكر الوسط بعيدا عن الافراط والتفريط، والتمسك بالوسط هو الذي يلائم طبيعة الانسان وفطرته لأن المتشدد يجهد نفسه ولن يستطيع الاستمرار فيما يدعو اليه وأحيانا ينقلب من التشدد الى الافراط والتقصير في حقوق الله سبحانه وتعالى ـ ويصبح على النقيض ، وتعد الانعزالية أرضا خصبة لنمو الافكار المتطرفة لذلك لابد من الاختلاط بالمجتمع والتعامل مع الناس وتعلم الصفات الجميلة كالصبر والسماحة الخلق التي لايمكن تعلمها الا بممارسة الحياة أما من يعتزل الحياة فيكون مجرد انسان لا تتأصل فيه الاخلاق والقيم ولا يعرف الصبر أو السماحة والعفو ولا يستطيع تحمل الشدائد والصبر. ـ ما أهم القضايا التي تتعرضين لها في دروسك أو تعرض عليك بصفة مستمرة؟ ـ ما يغضبني انتشار الأفكار الغريبة والقضايا التافهة وتجاهل القضايا الأساسية فنجد البعض يجيز للنساء المسح على «الايشارب» أو الخمار أو «الطرحة»وهذا يخل بالضوء ويترتب على ذلك بطلان الصلاة ، أيضا هناك عدم التزام بآداب الصلاة وغياب للخشوع وكثرة الحركات في الصلاة وهذا يخل بالفريضة ، أيضا ضيع المسلمون الآن فريضة الفجر لأنهم يسهرون لوقت متأخر واعتقد أن الأسر المسلمة لن تعيش في أمان واستقرار طالما ضيعت صلاة الفجر فان ذلك يؤدي الى مشكلات أسرية لا نهاية لها. ـ أعتقد أن طبيعة العصر وعدم انضباط المجتمع ـ والانسان ابن مجتمعه ـ بتعاليم الاسلام هو الذي جعل المسلم يعيش في حيرة ولا يستطيع الوفاء بفروض دينه والالتزام بتعاليمه فهل تتفقين معنا في هذا الرأي؟ ـ نعم المجتمع تقع عليه المسئولية لكن الفرد يستطيع أن يتأقلم مع جميع الظروف وأنا عندي ابنة منذ تعلمت الصلاة وحتى تزوجت لم تفتها صلاة فجر واحده في وقتها رغم أنها درست في الجامعة وتعمل لكنها وفقت بين الدراسة والعمل وبين أداء الفرائض والله ـ سبحانه وتعالي ـ يوفق الذين يحرصون على أداء فرائضه ويبارك لهم في أوقاتهم ونحن ندعو الناس الى النوم مبكرا وعدم السهر لأوقات متأخرة الا عند الضرورة وأعتقد أن الانسان يستطيع أن يتأقلم مع كافة الظروف رغم أنه قد يواجه بعض المتاعب لأنه ليس من المقبول أن يعتذر المسلم عن أداء صلاة الفجر بأن نظام المجتمع لا يساعده. ـ ما هو المنهج الذي تتبعينه في ممارسة الدعوة؟ ـ أعمل على تصحيح الأفكار والتركيز على الأساسيات وحث الناس على أداء الفرائض وتطبيق ما يسمعونه ويتعلمونه لأن العلم بدون تطبيق ينسى بسرعة ولا يقوم بدوره في تهذيب الاخلاق وتقريب الانسان من الله وغياب التطبيق يؤدي الى انتشار الخرافات والدجل. ـ لماذا انتشرت الشعوذة والخرافات والدجل بين النساء بصفة خاصة؟ ـ عدم الالتزام بتعاليم الاسلام وعدم الحفاظ على الصلاة يجعل الانسان يواجه مشكلات نفسية عديدة أيضا يراعي المسلمون قراءة القرآن ويحرصون على تعلم أحكام التلاوة والتجويد لكنهم لا يهتمون بالعمل والتمسك بأخلاقيات القرآن وكأن القرآن ـ كما أخبر صلى الله عليه وسلم ـ لا يجاوز حناجرهم في حين أن رسول الله كان خلقه القرآن أما هؤلاء فتركوا كل شيء وركزوا على مخارج الحروف ومعرفة أحكام التلاوة والتجويد وهذا يوضح مدى سلبية المسلمين. القاهرة ـ ضياء الدين أحمد: