الجمعة 17 رمضان 1423 هـ الموافق 22 نوفمبر 2002 اذا كان مشروعنا، الذي اقترحناه على القاريء لدراسة موضوعات الزخرفة المعمارية الاسلامية في سياقها المسجدي يمر بأربع محطات رئيسية، هي على التوالي: التصوير، التوريق أي العربسة، التسطير، وأخيرا الخط، فإن ترتيب مكونات هذا المشروع ربما يدفع بعض القراء الى الاعتراض، مشيرين الى ان وضع التصوير في بداية محطات هذا المشروع انما يشكل مصدر صعوبة وعرقلة، لانه بطبيعته موضوع خلافي في السياق الذي نتناوله هنا. ونبادر الى الاقرار بأن هذا الموضوع ـ اي التصوير في السياق المسجدي ـ إشكالي بطبيعته، ونحن انما آثرنا البدء به لالقاء نظرة عاجلة عليه، ومن ثم التفرغ للتناول التفصيلي لباقي مكونات مشروعنا، قبل ان نخلص الى دراسات الحالات التي نتوج بها هذا الجزء من موسوعتنا. هكذا فإننا اذا بدأنا بتناول التصوير كأحد موضوعات الزخرفة المعمارية الاسلامية في سياقها المسجدي ـ أو كأحد موتيفاتها ان احببت ـ فإننا بالضرورة سنجد انفسنا مع البداية الاثيرة التي درجنا عليها، وهي ان نلم بالبعد اللغوي لما نحن بين يديه، أولاً قبل كل شيء، ثم نتطرق الى ما يعنيه التجريد في تقاليد التصوير الاسلامية، لننتقل الى القضية التي لا ينقصها التعقيد ولا الطابع الخلافي والمتعلقة بتحريم الاسلام للتصوير التشبيهي، ومن ثم ننتقل الى خصائص التصوير الاسلامي لنصل اخيراً الى رصد بعض الصور التشبيهية في عدد من المساجد والتي نعتقد انها الاستثناء الذي يؤكد القاعدة. تشخيص وتجريد يقال في لغتنا الجميلة تصور الشيء ـ بفتح الواو وتشديدها ـ أي تخيل صورته وشكله، واستحضرهما في ذهنه، والصورة، جمعها صور، الشكل والتمثال، وفن تصوير الاشخاص والاشياء يتم ابداعه عن طريق الرسم بالالوان او التشكيل عن طريق الخرط او النحت او تكوين الكتل والاحجام بشتى الطرق، ومن هنا عرفت الصورة بأنها هي الشكل او النوع أو الصفة او التمثال، مصداقا لقول الحق عز من قائل: «يا أيها الانسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك في اي صورة ما شاء ركبك».. وعلى صعيد آخر فإن الصور ـ بتشديد الصاد وضمها وسكون الواو ـ قرن ينفخ فيه لانهاء الحياة وإحياء الموتى، مصداقا لقول الحق سبحانه وتعالى: «ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الارض» واخيراً يقال الصور ـ بتشديد الصاد وفتحها وفتح الواو ـ الميل والاعوجاج. يهمني هنا ايضا ان الفت نظر القاريء الى ذلك الثراء الحقيقي الذي نجده في هذا الصدد عند الصوفية، ففي اصطلاحهم ان الصنم كل ما يشغل العبد عن الحق وما شغلك عن الحق فهو صنم، وعند اهل الحقيقة ايضا ان صورة الإله هو الانسان الكامل لتحققه بحقائق الاسماء الالهية، كما يوضح لنا الكاشي، اما التهانوي فيقول ان الصورة الالهية هي الانسان الكامل بواسطة تحققه بحقائق الاسماء الالهية، وفي اصطلاحهم كذلك ان صورة الحق هو محمد صلى الله عليه وسلم لتحققه بالحقيقة الاحدية والواحدية. ويوجز د. عاصم محمد رزق في «معجم مصطلحات العمارة والفنون الاسلامية» مسار التصوير بالنسبة للفنون الاسلامية ايجازاً يختزل المجلدات في كلمات بالقول ان فن التصوير سار في خطين متوازيين، غير متفقي المعنى والمضمون، كان اولهما تشخيصياً اختص بتزيين الكتب والمنمنمات والابنية غير الدينية، اعتباراً من بداية العصر الاموي وطوال العصور الاسلامية التالية، وثانيهما تجريدي اختص بزخرفة العمائر الدينية بروائع الزخارف النباتية والهندسية والكتابية، وتحول الفنان المسلم من خلاله الى مجال الابداع الفني المنسجم مع الفكر الاسلامي المدرك للنواهي الدينية، التي حرمت مضاهاة خلق الله سبحانه وتعالى، ومعنى ذلك ان التصوير الاسلامي في شقه التشخيصي لم يستخدم في العمارة الاسلامية إلا لتزيين القصور الاموية في بادية الشام مثلما حدث في قصير عمره وقصر الحير الغربي وفي تزيين القصور العباسية في العراق، ولاسيما قصر الجوسق الخاقاني في سامراء والقصور الاسلامية في كل من صقلية والاندلس، وكانت اكثر جدران هذه الابنية غير الدينية تزين بمناظر صيد وطرب وموسيقى ونحو ذلك مما كانت تستخدم فيه الالوان المائية الزاهية، اما الابنية الدينية من المساجد والمدارس والخانقاوات ونحوها فقد اقتصر الفنان المسلم في تزيينها على كل ما لا صلة له بمضاهاة خلق الله سبحانه وتعالى في شق التصوير التشخيصي، وتركز في كل ما هو طبيعي خالص في شقه التجريدي، وغالب الظن ان المسلمين كانوا قد اسرفوا في استخدام الزخارف التجريدية ذات العناصر النباتية والهندسية والكتابية لكراهيتهم الطبيعية أو تقليدها برسم الاشكال الآدمية او الحيوانية. نحن هنا بازاء جملة من القضايا على جانب كبير من الاهمية، غير انه ما من سبيل الى تحقيق فهم صحيح لمسار التصوير الاسلامي ما لم نضع ايدينا على المعاني الصحيحة والدقيقة للاصطلاحات التي نستخدمها هنا، فبأي معنى نستخدم مفهوم التجريد في تميز عن التشخيص في السياق الاسلامي؟ هل نتحدث هنا عن فن مشابه للفن التجريدي في تقاليده الغربية الحديثة على سبيل المثال؟ لقد سبقت لنا الاشارة الى ان المسلمين قد عكفوا على هضم الحضارات الاخرى في البلاد التي فتحها الله عليهم وذلك بتشجيع من اعلى المستويات وعلى صعيد التعبير الفني عند شعوب هذه البلاد نلاحظ ان طريقته في العصر البيزنطي كانت قريبة من التجريد، وهذا يعود الى اعتبار ابناء هذه الشعوب في ذلك الوقت ان المسيح عليه السلام روح اكثر مما هو جسد، ومن هنا اتى تجسيدهم له مسطحاً، قليل النتوء، او ضعيف التجسيم، وذلك ليتجنبوا اظهاره بشكل واضح كتمثال ذي ابعاد ثلاثة، وغني عن البيان انه عندما ظهر الاسلام حسم موضوع التجسيد بصورة نهائية، فالذات الالهية منزهة عن الجسمية، وهكذا حسم كل جدل في هذا الصدد، وبدأ الفن التجريدي الخالص ظهوره بصورة تصاعدية. هنا يلفت د. غازي مكداشي في كتابه «وحدة الفنون الاسلامية» نظرنا الى نقطة مهمة، فالغرب قد توصل الى الفن التجريدي في اوائل القرن العشرين بعد قرون امضاها في التعبير الكلاسيكي الذي يحاكي الواقع، متأثراً في ذلك بالفن الاغريقي، غير ان الفن التجريدي الغربي ظل مختلفاً في كثير من النواحي الجوهرية والاسلوبية عن الفن التجريدي الاسلامي، فالتجريد في الفن الغربي الحديث كما يقول بوركارت في كتابه عن تيتوس: اراد تحرير الانسان من قوالب الحياة الروحية السكونية فانطلق به الى آفاق اللامعقول، اما التجريد في الفن الاسلامي فهو رؤية روحية للاشياء، بمعنى رؤيتها في شكلها النوعي، وليس في شكلها الكمي. تسامح وتشدد خلافا لما يعتقده الكثيرون فإن الموقف من التصوير في الاسلام اكثر تعقيدا مما يبدو لمن يتأمله للوهلة الاولى، ولا يكفي فيه القول انه من الموضوعات التي اثارت الخلاف بين الفقهاء وايراد التيارات المختلفة حول هذا الموضوع ويكفي ان نلاحظ في هذا الصدد ان هذا الموضوع من الموضوعات التي حرص المستشرقون على الاكثار من القول والنقاش فيها. دعنا نرجع على سبيل المثال الى كتاب «الفن والعمارة الاسلاميان المبكران» من تحرير جوناثان بلوم، حيث نجد مادة لكريسويل بعنوان «تحريم التصوير في صدر الاسلام» وهذه المساهمة التي لا يتجاوز امتدادها ثماني صفحات لا يمكن إلا ان توصف بأنها مثيرة للدهشة حقاً، فكريسويل ـ شأن اي مستشرق يعرف حق المعرفة ما تجنيه يداه ـ يبدأ من المكان الصحيح، اي من كتاب «أخبار مكة» للازرقي الذي يعد اقدم كتاب لايزال بين ايدينا حول تاريخ مكة حيث يورد الرواية الشهيرة عن الصور التي امر سادة مكة بأن تزوق بها اسقف الكعبة وجدرانها، حيث حرصوا على ان يجعلوا في دعائمها صور الانبياء والملائكة، وكان من بين هذه الصور صورة ابراهيم عليه السلام مصورة عيسى بن مريم وامه عليهما السلام ويشير الى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل الكعبة بعد فتح مكة قال لشيبة بن عثمان : يا شيبة امح كل صورة فيه إلا ما تحت يدي، ثم رفع يده عن صورة عيسى بن مريم وامه، ويوضح ان الازرقي يحرص على ايضاح ان هذه الصور بقيت كما هي ولم تتناولها يد المحو إلا في تاريخ متأخر، مما يدل على ان التصوير لم يكن منهياً عنه جملة. تلك هي براعة الاستهلال حقا التي يبادرنا بها كريسويل، لكنه يسوقها لكي يجعل منها الارضية التي سيفصل القول فوقها حول ثلاثة عناصر اساسية: ـ تأثير حركة تحطيم الايقونات المسيحية على موقف المسلمين بالتشدد حيال التصوير. ـ التأثير اليهودي وعلى وجه التحديد التلمودي من موقف المسلمين من التصوير. ـ خوف الساميين، والعرب منهم من التصوير وارتباطه بالسحر. هكذا فإنه يخلص الى عبارة تبلغ من الخطورة حداً يدفعنا الى اقتطافها كاملة هنا لنحذر مما تتضمنه من مفاهيم نجدها تتكرر وتتداول بين العديد من المستشرقين، حيث يقول كريسويل، « لكل ما تقدم فإن الخلاصة التي اصل اليها هي ان تحريم التصوير لم يكن له وجود في صدر الاسلام، وانما تزايد تدريجيا، ويرجع ذلك في احد جوانبه الى الكراهية المزاجية من جانب الاعراق السامية للفن التشبيهي، ومن جانب آخر الى تأثير اليهود ذوي الاهمية الذين اعتنقوا الاسلام، ومن جانب ثالث الى الخوف من السحر. وينبني على ذلك ايضاً استبعاد التأثير الاسلامي على مرسوم ميلانو». تلك هي الرؤية الاستشراقية، او على الاقل لمحة منها، والتي لا نملك الا التحذير من خطورة ما تعكسه من مغالطات وخلط للمفاهيم، خاصة وانها تشكل استمرارية فكرية متصلبة، لاتزال ممتدة حتى اليوم، على الرغم من التراجع الكبير الذي عرفته الحركة الاستشراقية، فها هو المستشرق المعاصر بابا دوبولو يقدم رؤيته للموقف الذي يتبناه الكثير من المسلمين والرافض للتصوير استناداً الى احاديث الرسول عليه الصلاة والسلام وتصرفاته تجاه اشكال التصوير والتشخيص، فيصف هذا الموقف بأنه: «موقف عام له طابع من الثقافة اليونانية، التي بدأ تأثيرها عند ظهور المعتزلة، اصحاب الرأي الفلسفي المتأثر بالفلسفة اليونانية، والرجوع الى الثقافة والعلوم والتقاليد العربية، كما كانوا بحاجة الى الصفاء والتجريد». الآن يغدو من المنطقي ان نتساءل: ما هي الحقيقة بشأن موقف المسلمين من التصوير عامة والتصوير التشبيهي خاصة وكيف انعكس هذا الموقف في صورة نفي هذا الفن من السياق المسجدي؟ الحقيقة الاساسية في مواجهة علامة الاستفهام هذه هي ان القرآن لم يرد فيه النهي عن التصوير، لا صراحة ولاضمناً، فإذا انتقلنا الى السنة الشريفة لوجدنا انفسنا حيال ما رواه الازرقي والذي سبق لنا ان اشرنا اليه، وهو نفسه ما رواه ايضاً ابن حجر في شرح صحيح البخاري، وهو ما استدل منه على ان التصوير لم يكن منهياً عنه جملة، وان النهي انصرف الى ماهو مسف من التصوير وما يحول بين العبد وربه ويسيء الى معتقده. ولو مضينا مع السنة الشريفة، لوجدنا العديد من المحطات الجديرة بالتوقف عندها سواء في صورة احاديث او مواقف وسلوكيات للمصطفى صلى الله عليه وسلم، وللاحظنا ان الموقف من التصوير ارتبط بالتسامح، او التشدد، في فهم هذه المحطات وتفسيرها. وربما كان ابرز هذه المحطات ما يلي: روي عن عائشة، ام المؤمنين انها وضعت في بيتها ستراً عليه تصاوير، فقال لها الرسول: اميطي عني فإنه لاتزال تصاويره تعرض لي في صلاتي. وتقول عائشة رضي الله عنها ان الرسول قد نزع الستر، فقطعته هي وسادتين كان يرتفق عليهما. ويمكن من هذا استنتاج ان كراهيه الرسول صلى الله عليه وسلم للتصوير لم تكن عامة، بل كانت خاصة، تشمل ذلك الجانب الذي يشغل الانسان عن عبادة ربه، اما اذا كان للزينة فلا كراهية له. ـ يحكى عن عائشة كذلك انها حين زفت إلى الرسول صلوات الله وسلامه عليه حملت دمى كانت تلعب بها. ولقد سألها الرسول عنها مرة فأجابته بأنها خيول سليمان، فسكت الرسول ولم يعد لسؤالها مرة اخرى. ـ يروى أصحاب السير والاخبار ان امهات المؤمنين كن يتخذن اقمشة مزخرفة برسوم الانسان والحيوان من دون ان يعترض الرسول على ذلك. ـ روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم قوله: «ان اشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون» وايضاً قوله: «لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا تصاوير» وكذلك وكذلك قوله: «ان الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة يقال لهم أحيوا خلقتم». ـ روى أن رجلاً جاء إلى ابن عباس وقال له: يا ابن عباس أني انسان انما معيشتي من صنعة يدي واني اصنع هذه التصاوير، فقال له ابن عباس: لا احدثك الا بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من صور صورة فإن الله معذبه حتى ينفح فيها الروح وليس بنافخ فيها أبداً، فربا الرجل ربوة شديدة واصفر وجهه، فقال ابن عباس: ويحك ان ابيت إلا ان تصنع عليك بهذا الشجر وكل شيء ليس فيه روح. إلى جوار هذه المحطات العديدة نجد بعض المواقف المهمة من جانب الصحابة والتابعين، ويكفي في هذا الاطار ان نشير إلى ما يقوله الطبري من ان سعد بن أبي وقاص حين دخل بجيشه المدائن بعد موقعة القادسية التي هزم فيها جيوش كسرى، نزل القصر الابيض واتخذ الايوان مصلى، وكانت فيه لوحات فلم يعمد اليها بالازالة ولا بالتحوير، وظلت على ما هي عليه من دون ان تمتد اليها يد قرابة قرنين بدليل وصف البحتري البديع لها. ومن المحقق ان التصوير في الاسلام كان من بين الموضوعات التي اختلفت فيها آراء الفقهاء والباحثين. ومن المؤكد ان من دونوا احاديث الرسول صلوات الله وسلامه عليه التي تتناول تحريم الصور والتماثيل لم ينسبوا إليه شيئاً أوجدوه من عدم، الا انه من الجلي انهم، فيما يبدو، بالغوا في القول بالتحريم مخافة ان تنزع نفوس المسلمين، وهم آنذاك حديثو عهد بالوثنية، إلى الرجوع إلى ما كان عليه آباؤهم وما ألفوه هم انفسهم زمناً طويلاً. ومن هنا فقد وقعت الكراهية للتصوير والمصورين على كل ما اريد به صرف الناس عن عبادة الله او ردهم إلى الوثنية والشرك او تشبيه الله سبحانه وتعالى في صورة لا تليق بجلاله. وبتعبير آخر فعلة التحريم في صدر الاسلام هي الخشية من الردة إلى الوثنية، ولم يكن ذلك بالامر المطلق في الزمان والمكان. بالمقابل، فإنه اذا توقفت على هذه الصور بعض احكام شرعية او معالجات طبيعية او كشف مسائل علمية، فإن اتخاذها في هذه الحالات يكون من الامور المرغوب فيها شرعا، واذا اتخذت لمجرد الزينة واللهو كان اتخاذها مباحاً ولا بأس به. ربما لهذا على وجه الدقة لا يدهشنا ان نعلم ان للفقهاء، بمن فيهم المالكية، رأياً حول الدمى المجسدة، يستند إلى ما سبق ان رأيناه عن دمى عائشة ام المؤمنين، فهم يرون اباحة مثل هذه الدمى، ولكنهم يشترطون لذلك شروطاً منها ان تكون تلك الدمى للصبيات الصغيرات وان يكون للمحتسب وحده الحق في تلك الاباحة، اي ان المحتسب عليه ان ينظر اولاً فيما اذا كانت تلك الدمي لاثارة غريزة الامومة او لغير ذلك من اغراض اخرى، فأن كانت للاولى اباحها والا منعها. وهناك قول شهير للامام محمد عبده، لعله من افضل ما يقال في هذا المقام، حيث يوضح فيه: ان الذين قالوا بمنع التصاوير وقفوا جامدين في تأويل قوله صلى الله عليه وسلم: «إن اشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون» وفات هؤلاء ان الحديث ينصرف إلى ذلك التصوير الذي شاع في الوثنية، والذي كان القصد فيه إلى تأليه بعض الشخصيات،. اما ما جاء لغير ذلك من تصاوير قصد فيها إلى المتعة والجمال فلا يحمل قول الرسول صلى الله عليه وسلم. واذا اخذنا اجماع الفقهاء بمن فيهم المالكية على اباحة الدمى استناداً إلى سكوت الرسول صلى الله عليه وسلم عن دمى عائشة في الاعتبار، واشتراطهم لاباحتها نبل المقصد، وهو في هذه الحالة اثارة الامومة، في الاعتبار لكان بالوسع القول ان هذا الاجماع يحمل في طياته اباحة الفن بمجمله، طالما كان بعيدا عن الاسفاف والاساءة الى المعتقد. وفي كل الاحوال، فإن ما وصفه دكتور ثروت عكاشة في كتابه «التصوير الاسلامي الديني والعربي» بأنه «وقفة تحرزية ازاء التصوير كان له اثره في اخذ المسلمين بالاحوط، فلم يقبلوا على التصوير اقبالا صريحا، وتحاشوا اكثر ما تحاشوا ان يستخدموا في الدينيات، ومن اجل هذا خطا التصوير فيما يمس الدين خطوات بطيئة، فلم يعش لخدمته، ولم يدخل الى المساجد بصورة حقيقية، ولم يسهم في تجميل المصاحف. الخصائص الأربع الحقيقة التي لابد من التسليم بها بخصوص التصوير هي ان موقف العالم الاسلامي منه لم يكن على درجة واحدة على مر العصور تحريما وتحليلا، تشددا وتسامحاً، ويذهب توماس أرنولد إلى القول ان الوقفة العدائية حيال التصوير لم تنشأ الا متأخرة على يد الامام النووي المتوفى بمصر سنة 1332 ميلادية، وهو احد ائمة الشافعية، حين حرم التصوير بما في ذلك ما له ظل وما ليس له ظل وان كان قد احل تصوير النبات ومالا تدب فيه الحياة. ولا يتردد الامام النووي في كتابه «المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج» في التشديد على تحريم تصوير الكائنات الحية لان ذلك التصوير، كما يراه، محاولة لمجاراة صنع الخالق فيما خلق. غير انه لا يرى بأساً في التصوير اذا كان زخرفة فحسب، ولهذا اباح للمصورين ان يجملوا حماماتهم بتلك الصور البشرية التي درجوا عليها، لان العلة فيها هنا في رأيه كانت للتجميل لا لمجاراة الخالق فيما خلق. ويرى دكتور ثروت عكاشة في هذا التعليل الاخير طرحاً واهياً، ويعرب عن اعتقاده بأن هذا التراجع من جانب النووي انما كان مسايرة لما درج عليه الكثيرون في مصر آنذاك. اياً كان الامر، فإن من الواضح ان الفكر الاسلامي من خلال الاحتكاك بالحضارات القائمة في البلاد التي فتحها الله على المسلمين، شرع يتفتح للتصوير كغيره من المعطيات الحضارية، وأخذ الناس يأنسون إليه، ويتخففون من حذرهم حياله، خاصة ان التحريم لم يكن مدعماً بأدلة حاسمة. ومن المهم هنا أن نتأمل على ما ذهب اليه ماسينيون في تفسير القرار الذي اصدره الخليفة يزيد من معاوية عام 723 ميلادية بتحريم التصوير، حيث يقول ماسينيون ان هذا القرار كان وليد الرغبة في حرمان المسيحيين من اقوى الاسلحة التي تعمل على تثبيت عقيدتهم، وذلك تمهيداً لفتح قلوبهم للاسلام، وانه لم يكن تحريماً للتصوير ودعوة إلى نبذه. ولم يتردد ماسينيون كذلك في الذهاب إلى القول ان الرأي القائل بتحريم التصوير للخوف على المسلمين من الارتداد إلى الوثنية رأي غير وجيه، اذ هو يصور لنا المسلمين الاول الذين كانوا اقوى ما يكونون ايماناً على حال من الضعف والشك تكاد تردهم عن دينهم الذي اهتدوا اليه وتمسكوا به اشد ما يكون التمسك. هكذا فإنه على الرغم من تنازع آراء الفقهاء، الا ان العالم الاسلامي لم يحجم عن التصوير كلية، وانما كان بين اقبال واعراض، يستوي في ذلك المسلمون ومن يعايشهم من اصحاب الديانات الاخرى. ومن الناحية الفنية، ومع التسليم بأن التصوير لم يشق طريقه إلى المساجد ولا المصاحن، الا انه كان ماثلا لا على جدران القصور فحسب وانما في المخطوطات والخزفيات والاعمال الزجاجية والمعدنية والتحف الخشبية والعاجية وغيرها كثير. ويمكننا، بأوسع المعاني، أن نرصد الخصائص الاربع التالية في التصوير الاسلامي: ـ أولا: الاعتماد على المناظير المتعددة، فهو يحتوي على التفاصيل كافة، ويجمعها في غير اتساق. ـ ثانيا: الانقسام إلى مجموعات تصويرية مستقلة، وكل مجموعة تكاد تكون عالماً صغيراً قائماً بذاته، وان كانت هذه المجموعات تتكامل معاً لتقدم لنا في مجموعة شكلاً متكاملاً. ـ ثالثاً: اعتماد المبدأ القائل ان تصغير المكبر لا يبعده عن تفاصيل الاصل، ومن المحقق ان الاخذ بهذا المبدأ قد افضى بالمصور المسلم إلى الوقوع في العديد من المشكلات الفنية، ذلك ان تصغير العمل الفني للوصول إلى حجم المنمنمة يفقده تلك التفاصيل الفريدة التي تضفي على التصوير جاذبية وحيوية. واذا كانت القاعدة الاساسية التي تبدو لنا جلية على امتداد دار الاسلام والمتمثلة في نفي تصوير الكائنات الحية إلى خارج دورة العبادة قد ظلت تفرض نفسها بقوة، فإن ذلك لم يحل دون وجود بعض الاستثناءات على مر عصور التاريخ، لكنها ظلت كذلك اي ظلت استثناءات تؤكد قوة القاعدة ورسوخها، وربما كانت ابرز هذه الاستثناءات الحالات الخمس التالية: أ ـ المقبض البرونزي لمدخل مسجد قلاوون بالقاهرة المشكل على هيئة أسد. ب ـ الرأسان المتوجان المنحوتان على مدخل مسجد نجده التركي وسط الاناضول. ج ـ النسر المزدوج من الحجر المحفور على مدخل مسجد ديفريجي بالاناضول. د ـ النحت البارز لاسد يصيد ثوراً على واجهة مسجد ديار بكر بتركيا. هـ ـ الطائر المصور على البلاطات المزججة بمسجد درويش باشا في دمشق. ولئن كنا قد تحدثنا عن التصوير فأطلنا، فإنا لا نجد محطة ألطف ولا ارق نقف عندها من قول اهل الحقيقة ان: «الرسم ما رُسم به ظاهر الخلق برسم العلم ورسم الخلق فيمتحي بأظهار سلطان الحق عليه، وقول الكاشي: «الرسم هو الخلق وصفاته لان الرسوم هي الآثار، وكل ما سوى الله آثاره الناشئة عن افعاله، واياه عنى من قال: «الرسم نحت يجري في الابد بما جرى من الأزل».