الجمعة 17 رمضان 1423 هـ الموافق 22 نوفمبر 2002 يقول تعالى: «ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير» [سورة البقرة الآية 265]. إن لفظ «ربوة» فى الآية الكريمة ما وضع إلا لحكمة سامية ذلك أن الجنات التى تنشأ فى تربة تعلو بنسبة كافية عن مستوى الماء الأرضى يجد المجموع الجذرى لأشجارها متسعاً للنمو والتعمق والامتداد فى الأرض خاصة أن جذور أشجار الفاكهة تنزل إلى أعماق أكثر من التي تنزل إليها جذور نباتات الحاصلات وبذلك يتضاعف عدد شعيراتها الماصة فتقوى على امتصاص أكبر كمية لازمة لتغذية سيقانها ومجموعها الجذرى على وجه عام وبذلك يتضاعف محصولها ويبارك الله فى ثمارها.. وهذا بخلاف البساتين التى تزرع فى تربة مستوى الماء الأرضى فيها قريب من سطح الأرض إذ أنه فى هذه الحالة تنعدم التهوية الكافية فى منطقة الجذور فيختنق الكثير منها ويموت فتضعف الأشجار ويزيدها ضعفاً عدم استطاعة هذه الجذور أن تمتد امتداداً حراً فى التربة.. من أجل هذا كان من الواجب على من أراد أن ينشيء بستاناً أن يلاحظ ألا يرتفع الماء الأرضى على نحو متر ونصف المتر دون سطح الأرض. وقد لوحظ أنه عندما يرتفع الماء الأرضي أن البساتين المشتملة على أشجار «العلويات» تظهر عليها أعراض مرضية فتصاب الأوراق باصفرار عام وقد يعتريها الموت فجأة.. أما إذا علا مستوى الماء الأرضى عن سطح الأرض أو كان قريباً منه فقد يموت البستان كله فى ظرف شهرين. وقد جاء ذكر موت أشجار البساتين على وجه عام بارتفاع مستوى الماء الأرضى وغمر التربة بالفيضان وذلك فى قوله جل شأنه: «لقد كان لسبأ فى مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتى أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل» [سورة سبأ 15و16]. من ذلك كان الإعجاز فى علمى الزراعة والنبات كما يبين البيان القرآنى من أن ازدياد ارتفاع مستوى الماء الأرضى يزيد فى كثرة نسبة ما تنغمر فيه الجذور بالماء فتزداد نسبة ما يتأثر منها بالضرر أو الموت فتقل الثمار أو يقضى عليها بالموت ولذا كانت الأشجار النامية بربوة متضاعفة الثمار بالنسبة إلى أشجار أخرى نامية فى أرض منخفضة قريبة من مستوى الماء الأرضى. وفي قوله تعالى: «أصابها وابل». بيان لحقيقة علمية أخرى وهى أن الأشجار التى تروى بماء السماء خاصة الوابل الضخم القطر ينزل إلى باطن الأرض يحث الجذور على التعمق بخلاف الأشجار التى تروى رياً صناعياً خفيفاً متكرراً - فيصبح أكثر جذورها قريباً من سطح الأرض فتتزاحم وتتعرض للعطش إذا ماجفت الطبقة السطحية من التربة مما قد يؤثر تأثيراً كبيراً على مجموعها الخضرى. وهناك حقيقة علمية مهمة مماثلة وهى أن الوابل أثناء نزوله من السماء ومروره فى الغلاف الجوى للأرض يذيب فى طريقه مواد مهمة صالحة لتغذية الأشجار فريدة فى درجة خصوبتها إلى درجة محسوسة جداً وتقدر المادة الجافة منها فى اللتر الواحد بنحو 20 إلى 50 ملليغرام.. نصفها بالتقريب مواد عضوية والنصف الآخر مواد غير عضوية. ويمكننا أن نحسب مقدار ما يصل إلى الأشجار من هذه المواد إذا علمنا أن شجرة التفاح البالغة الناضجة تحتاج فى السنة الواحدة إلى نحو 17.5 طناً من الماء وأن الفدان الذى يحتوى على نحو أربعين شجرة يحتاج إلى 700 طن من الماء ومن المواد التى يذيبها الوابل من الهواء فى طريقه إلى الأرض ويمد بها البستان جزئيات دقيقة من الحديد الذى لا غنى عنه لتكوين الكلوروفيل والمساعدة على إجراء عمليتى الأكسدة والاختزال داخل خلايا النبات ومحتويات نشادرية وأحماض النيتريك والنيتروز والفسفوريك والفسفوروز ومحتويات أخرى عضوية أزوتية ومقادير قليلة من ثانى أكسيد الأكسجين وغير ذلك من المواد التى يستطيع استغلاها أحسن استغلال. ويحتوى الوابل - بوجه خاص - على عنصرى الآزوت والاكسجين ولاشك أن هذا الغاز الأخير ذائباً فى مياه الوابل يفيد الجذور فائدة لايستهان بها وهذه المواد المذكورة تزيد خصوبة الأرض وتفيض على البستان بخير عظيم لا يقاس به بستان آخر مماثل له من جميع الوجوه إلا أنه لا يسقى بماء السماء. والوابل فضلاً عن أنه يمد الأشجار بالماء الكافى لازدهارها فإنه كذلك يغسلها وينظفها ويزيل ما قد تراكم عليها من غبار كما يزيل من على أوراقها كل ما قد يكون كذلك من شأنه أن يعطل «النتح الأديمى» من أوراقها. أو يسد فوهات هذه الأوراق فيعوق المورقة عن أداء وظائفها الأخرى من «نتح فوهى» وتمثيل ضوئى وتنفس وغيره. وبهذا يتآزر عاملا زراعة البستان بربوة وسقيه بالوابل فى مضاعفة ثماره وزيادة حجمها وحلاوتها بالنسبة إلى بستان آخر لم يتوافر له هذان العاملان. وهكذا يبين الله تعالى لنا من الحقائق العلمية فى القرآن الكريم ما يزيد من ثقافتنا النباتية والزراعية.. ويعلمنا كيف نستعين بهذه المعلومات فى محاولة استغلال أراضينا أحسن استغلال بمحاولة خفض مستوى الماء الأرضى بإنشاء المصارف العميقة مثلاً لنتخلص ما أمكننا ذلك من المياه المرتفعة التى تضعف مزروعاتنا بالقضاء على أجزاء كبيرة من مجموعاتها الجذرية التى تمدها بالغذاء. قال تعالى: «وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون» [سورة يس الآية: 33]. لقد أثبت العلم الحديث أن فى التراب بكتيريا النتروجين.. «وتعتبر البكتيريا بالمفهوم الكيميائي مختبراً تركيبياً وهذا يعنى أنها تأخذ النتروجين من الهواء فتحضر منه مركبات بقيم سالبة وتحوله بطريقة لم نفهمها بعد إلى حالة مواد مستعدة للتفاعل والاتحاد بالهيدروجين ولهذا السبب تكون بحاجة إلى الماء أو المطر.. وهذا سبب مشاهدتنا إحياء الأرض الميتة بالمطر.. كما يوجد هناك نوع آخر من مجموعة البكتيريا التى تتولى التحليل.. فتتحلل كل مايقع فى التراب إلى مكوناته الأصلية وتعده للميكروبات التى تتولى التركيب.. وهكذا يكون التراب عادة شبيهاً بمدينة كيميائية مترامية. ويتكون القسم الكبير من غرام واحد من التراب - من غير الماء - من الميكروبات الحية ويقبل التراب من وجهة نظر علم النبات كلياً على أنه تركيب حيوي وهذا يعنى أن التراب ومنذ أن بدأت الحياة على الأرض أصبح عبارة عن وجود حيوى.