الجمعة 17 رمضان 1423 هـ الموافق 22 نوفمبر 2002 1 ـ من الجوانب التى اهتمت سورة «الأنعام» بتفصيل الكلام عنها: جانب دحض الشبهات التى تذرع بها المشركون والرد عليها بما يبطلها ويزهقها، وبما يرشد الضالية والجاهلين إلى الطريق المستقيم لو كانوا يعقلون. ومن الآيات التى ساقتها السورة الكريمة فى هذا الشأن قوله ـ تعالى: «وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم، وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون. بديع السموات والأرض، أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبه وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم. ذلكم الله ربكم لا إله الا هو خالق كل شيء فاعبدوه، وهو على كل شيء وكيل. لاتدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير» {الآيات: 100 ـ 1003] 2 ـ وقوله ـ سبحانه ـ «وجعلوا لله شركاء الجن» أى: وجعل هؤلاء المشركون لله ـ تعالى ـ شركاء فى الآلوهية من الجن. وفى المقصود بلفظ «الجن» هنا أقول: أحدها: أنهم الملائكة حيث عبدهم المشركون وقالوا أنهم بنات الله، وتسميتهم جنا مجاز لاجتنانهم واستتارهم عن الأعين كالجن. قال ـ تعالى ـ : {وجعلوا بينه وبين الجنة ـ أى الملائكة ـ نسبا، ولقد علمت الجنة انهم لمحضرون] (الصافات: 58) ثالثها: أن المراد بالجن هنا الشياطين، ومعنى جعلهم شركاء أنهم زطاعوهم فى أمور الشرك والمعاصى كما يطاع الله ـ تعالى ـ ثالثا: أن المقصود بالجن إبليس، فقد عبده قوم وسموه ربا، ومنهم من سماه إله الشر والظلمة... وقوله ـ عز وجل ـ : «وخرقوا له بنين وبنات بغير علم» بيان لحهالاتهم الفاضحة، وأصل الخرق: قطع الشيء وعلى سبيل الفساد من غير تدبر ولاتفكر، وهو ضد الخلق الذى معناه فعل الشيء بتقدير واحكام. أى: أن هؤلاء المشركين جعلوا لله شركاء فى الربوبية مع أنه ـ سبحانه ـ هو الذى خلقهم، وقد قابلوا ذلك لانطماس بصائرهم بأن نسبوا إليه البنين والبنات عمن عمى وجهالة ودون فكر أو روية.. ثم ختمت الآية الكريمة بتنزيه الله ـ تعالى ـ عما ألصقوه به فقال: «سبحانه وتعالى عما يصفون» أى تقدس وتنزه وتعاظم عما يصفه به هؤلاء الضالون من أقوال هى فى نهاية الشناعة والبطلان. 3 ـ ثم ساق ـ سبحانه ـ الأدلة المبطلة لما تفوه به المشركون من مزعم فقال ـ تعايل ـ : «بديع السموات والأرض أنى يكون له ولد، ولم تكن له صاحبة، وخلق كل شيء، وهو بكل شيء عليم» أى: أنه ـ عز وجل ـ هو وحده مبدع السموات والأرض ومنشئهما على غير مثال سابق، فكيف يكون له ولد، والحال أنه ليست له صاحبة يكون الولد منها، وأنه خلق كل شيء منظمة التكوين والايجاد من الموجودات التى من جملتها ما سموه ولدا له، فكيف يتصور أن يكون المخلوق ولدا الخالق؟!! وهو سبحانه بكل شيء عليم. 4 ـ وبعد أن أبطل ـ سبحانه ـ الشرك، ووبخ المعتنقين له على غبائهم وجهلهم، دعا الناس جميعا إلى إخلاص العبادة لله وحده فقال: «ذلكم الله وربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل» أى: ذلكم الموصوف بما سمعتم من جلائل الصفات هو الله ربكم لامن زعمتم من الشركاء، فأخلصوا له العبادة، فهو ـ سبحانه ـ الخالق لكل شيء وماعداه فهو مخلوق يجب أن يعبد خالقه، الذى هو مع كل تلك الصفات الجليلة، رقيب على عباده، حفيظ عليهم، يدبر أمرهم، ويتولى جميع شئونهم. وقوله ـ تعالى ـ : «لاتدركه الأبصار» جملة مستأنفة إما مؤكدة لقوله ـ سبحانه ـ «وهو على كل شيء وكيل»، ذكرت للتخويف بأنه رقيب من حيث لارى فيجب أن يخاف ويحذر منه، واما مؤكدة أعظم تأكيد لما تقرر قبل ذلك من تنزهه وتعاليه عما وصف به المشركون، ببيان أنه لاتراه الأبصار المعبودة، وهى أبصار أهل الدنيا لجلاله وعظمته، وما دام كذلك فكيف يكون له ولد؟ والادراك معناه: اللحاق والوصل إلى الشيء والاحاطة به. والأبصار: مجمع بصر، ويطلق على العين التى تنظر، وعلى القوة التى تمكنها من هذه الرؤية. والمعنى: لاتحيط بعظمته وجلاله على ما هو عليه ـ عز وجل ـ أبصار الخلائق، أو لاتدركه الأبصار إدراك إحاطة بكنهه وحقيقته فإن ذلك محال، والادراك بهذا المعنى أخص من الرؤية التى هى مجرد المعاينة، فنفى الادراك لاستلزم نفى الرؤية، لأن نفى الأخص لايستلزم نفى الأعم، فانت ترى الشمس والقمر ولكنك لاتدرك كنههما وحقيقتهما. 6 ـ هذا، وهناك خلاف مشهور بين أهل السنة والمعتزلة فى مسألة رؤية الله ـ تعالى ـ فى الآخرة. أما أهل السنة فيجيزون ذلك ويستشهدون بنصوص من القرآن الكريم ومن السنة النبوية فمن نصوص القرآن قول ـ سبحانه: «وجوه يومئذ ناضرة. الى ربها ناظرة» ومن نصوص السنة النبوية الشريفة، ما جاء فى الصحيحيين ـ البخارى ومسلم ـ عن جرير بن عبدالله قال: كنا جلوسا عند النبى صلى الله عليه وسلم. إذ نظر إلى القمر ليلة البدر وقال: «انكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لاتضامون ـ أى: لاتشكون ـ فى رؤيته، فإن استطعتم أن لاتغلبوا عن صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا، ثم قرأ «فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب». قال الامام ابن كثير ـ رحمه الله ـ: «تواترت الأخبار عن النبى صلى الله عليه وسلم ـ أن المؤمنين يرون ربهم فى الآخرة فى روضات النات، أما المعتزلة: فيمنعون رؤية المؤمنين لله تعالى ـ مستدلين بهذه الآية، وقالوا: ان الادراك المضاف الى الأبصار انما هو الرؤية، ولافرق بين ما أدركته ببصرى وما رأيته إلا فى اللفظ. والذى نراه: أن رأى أهل السنة أقوى، لأن النصوص تؤيده، وما دام قد جاء الحديث الصحيح بإمكانية رؤية الله ـ تعالى ـ فى الآخرة بالنسبة للمؤمنين الصادقين، فعلينا أن نقول سمعنا وأطعنا.