الخميس 16 رمضان 1423 هـ الموافق 21 نوفمبر 2002 شهدت صناعة أواني الخزف ازدهارا كبيرا خلال عصر الأتراك العثمانيين، وقد تنوعت المراكز الصناعية التي قامت بانتاج هذه الأواني مثلما تعددت الروافد الفنية التي تأثرت بها في طرق الصناعة وأساليب الزخرفة أيضا. ومن الملاحظ على منتجات الأواني الخزفية في العصر الاسلامي أن أنواعا منها قد نسبت الى مدن صارت تعرف باسمها على الرغم من أن بعض هذه الأواني الخزفية لم تصنع فعلا في العديد من المدن التي نسبت اليها. وخلافا لما كان عليه الحال في العمائر وسائر الفنون التطبيقية فإن المدن التي اشتهر خزافوها باتقان صناعة أنواع معينة من الأواني الخزفية كانت في الغالب مجرد مدن أو قرى صغيرة تترامى داخل الاقاليم الاسلامية المختلفة بدءا من مدن مثل فاترنا و(بآترنا) في اقليم مالقه الأندلسي حتى مدن من حجم رودس وأزينك والري وكومجي وكوتاهية في الشرق الأوسط. وفي ظل الأتراك العثمانيين ازدهرت العديد من المراكز الفنية التي ذاع صيتها في انتاج أنواع بعينها من الأواني الخزفية المزخرفة ومن أشهرها: 1 ـ مدينة أزنيك: ـ وهي من أقدم مراكز صناعة الخزف في اسيا الصغرة وقد قامت على انقاض مدينة نيقية القديمة على بعد حوالي 45 ميلا من بحر مرمرة وترجع شهرة هذه المدينة الى توافر المواد الضرورية لصناعة الخزف بالقرب منها حيث توجد طفلة بيضاء هشة ناعمة غير رملية وقد منحت هذه المادة الأولية لخزف أزنيك شهرة كبيرة في رقة ومتانة الأواني المصنوعة هناك. وقد انتجت هذه المدينة عدة أنواع من الخزف اشتهرت باسماء مدن اخرى غالبا ما كانت المحطات التي ينطلق منها للتصدير الى مناطق اخرى داخل الدولة العثمانية وخارجها. ومن بواكير أواني الخزف التي انتجتها أزنيك نوع يعرف باسم (خزف ميلتس) نسبة الى مدينة تحمل هذا الاسم في منطقة جنوب الاناضول عثر فيها على اعداد كبيرة من أواني هذا الخزف وان لم يعثر فيها على قطع تالفة في الأفران بينما عثر على مثل هذه التوالف في أفران أزنيك وهو أثبت قيامها بانتاج هذا النوع خلال القرنين الثامن والتاسع الهجريين (14 ـ 15م). وتنحصر معظم أشكال هذا النوع في أطباق عميقة وسلطانيات مقعرة كانت تصنع من طين حمراء وتكسى ببطانة وتنفذ عليها الزخارف باللون الاخضر المائل أو اللون الأرجواني أو اللون الأسود ثم تطلى بعد ذلك بطبقة من الطلاء الزجاجي التركوازي أو الأخضر أو الأزرق. ويغلب على زخارف هذا النوع من الاواني الخزفية استخدام العناصر الهندسية. وقد انتجت أزنيك أيضا أواني خزفية زينت فقط باللونين الأبيض والأزرق وهو في حقيقة الأمر شديدة التأثر بمنتجات الخزف الصيني وقد ظهرت عليها رسوم ذات طابع صيني واضح مثل رسم طائر الكركي والكائنات الخرافية مثل رسم التنين والعنقاء. ومن أواني الخزف التي اخرجتها مصانع ازنيك نوع يعرف باسم (خزف دمشق) وتمتاز أوانيه باستخدام الأسلوب الزخرفي العثماني المحور بقسميه الرومي والهاتاي ورسوم الزهور والنباتات مثل زهرة القرنفل والأوراق المسننة وزهرة شقائق النعمان واللاله وزهرة السوسن وزهرة السنبل البري بالاضافة الى رسوم أشجار السرو ونبات الخرشوف وعناقيد العنب، أما الألوان فقد كانت مقصورة في أول الامر على اللون الأزرق مع بعض لمسات التركوازي ثم ظهر بعد ذلك اللون الأزرق الزاهي (الكوبالت) والأحمر الارجواني والاخضر الزيتوني بالاضافة الى اللون الأسود الذي استخدم في تحديد الزخارف وخاصة بعد سنة 1540م. أما أشهر ماانتجته أزنيك فهي أواني عرفت خطأ باسم خزف رودس ويرجع السبب في اطلاق هذا الاسم عليها الى اقبال جزيرة رودس على تقليد هذا النوع من خزف أزنيك نظرا لرواجه الشديد في أوروبا. وقد تميزت أواني هذا النوع بتعدد أشكالها وبأنها كانت تصنع من طينة بيضاء غير نقية تماما ولذا فقد كانت تكسى بطبقة من البطانة الناصعة البياض حتى تعطي سطح الآنية بهجة ورونقا، وكانت الألوان تزين هذه البطانة بالوحدات الزخرفية المختلفة وذلك باستخدام اللون الأخضر المائل للزرقة واللون الأزرق التراكوزي والأحمر الشمعي بدرجاته المختلفة الى جانب اللونين الأزرق والأسود وقد تفوقت زخارف (خزف رودس) حيث استخدمت الزخارف النباتية العثمانية القريبة من الطبيعية والزخارف المحورة كالأرابيسك وزخرفة قشور السمك والقواقع البحرية بالاضافة الى الزخارف الهندسية ورسوم الكائنات الحية والخرافية ورسوم السفن الشراعية والقوارب والزخارف الكتابية. 2 ـ مدينة كوتاهية وهي على مقربة من مدينة أزنيك وقد ذاعت شهرتها في القرن الثاني عشر الهجري (18 ميلادي) وقد قامت صناعة الخزف في هذه المدينة على اكتاف الأرمن الذين نزحوا الى هذه المدينة من مواطنهم الأصلية في اسيا الصغرى. وقد تميزت أوانيها باستخدام الزخارف البسيطة وبصغر أحجامها مثل فناجين القهوة وأطباقها وأواني السكر وغلبت على زخارفها الألوان الصفراء والخضراء مع الأحمر الطوبي والأزرق الفاتح والفيروزي والبني. وقد تميزت بعض أواني كوتاهية بعجينتها البيضاء النقية وزخارفها النباتية التي تميل الى تقليد زخارف أواني البورسلين الصيني. 4 ـ مدينة جناق قلعة وهي من مدن غرب الأناضول الواقعة على الجانب الأسيوي لمضيق الدرنيل وقد ازدهرت صناعة الخزف في هذه المدينة بعد هجرة بعض صناع أزنيك اليها في القرن الثاني عشر الهجري (18م) وقد صنع خزف مدينة جناق قلعة في الغالب من طينة فخارية حمراء اللون وقد يكون لون بعضها بني فاتح أو رمادي مائل للاصفرار. ويعبتر الرسم تحت الطلاء بمثابة الأسلوب الصناعي السائد في معظم أواني خزف جناق قلعة عدا أمثلة قليلة استعمل فيها أسلوب الرسم فوق الطلاء. وفي العادة يكون الطلاء الزجاجي المستخدم ذو لون شفاف وان لم يمنع ذلك استخدام الطلاء الزجاج الملون في بعض الأواني وكانت الألوان المستخدمة لا تخرج عن الأصفر الفاتح المائل الى الاخضر أو البني أو الاخضر الداكن أو البرتقالي. أما الألوان المستخدمة في زخرفة الاواني فتكاد تنحصر في البني والبنفسجي الضارب الى السمرة والبرتقالي المائل الى الأحمر والأصفر والأزرق اللازوردي ثم أضيف بعد ذلك التذهيب واللون الأسود والأزرق والأبيض والأحمر وأهم مايلفت النظر في خزف مدينة جناق قلعة هو تعدد أشكال الأواني من الأطباق والسلاطين والأباريق والزهريات والتماثيل فضلا عن تنوع الموضوعات والتكوينات الزخرفية تنوعا كبيرا يلفت النظر ويثير الاهتمام وقد تفردت أطباق الخزف المنتجة في هذه المدينة برسوم العمائر من جوامع وأشاك تحيط بها رسوم الاشجار وبصفة خاصة أشجار السرو ومعها رسوما لطيور صغيرة وهي أكثر مجموعات خزف جناق قلعة اصالة اذ يسود رسومها وحدة ملحوظة في الأسلوب الفني ويعود تاريخ صناعتها الى فترة النصف الثاني من القرن الثاني عشر الهجري (18م) أو بداية القرن الثالث عشر (19م) وهي تمثل فترة الازدهار الحقيقي لصناعة الخزف بمدينة جناق قلعة وهناك أيضا أطباق انتجتها هذه المدينة وقد ازدانت برسوم الاهلة والنجوم وهي شعار الدولة التركية فضلا عن رسوم المدافع ذات العجلات. 5 ـ مدينة استانبول: ازدهرت صناعة الخزف في حاضرة الدولة العثمانية بعد تدهور أحوال مصانع ازنيك، فأنشئ مصنع في منطقة القرن الذهبي لصناعة البورسلين في النصف الثاني من القرن الثالث عشر الهجري (19م) وكان انتاجه متأثرا بأسلوب البورسلين الفرنسي. وقد استخدمت زخارف الباروك والركوكو في تزيين منتجات هذا المصنع الذي سرعان ماأغلقت أبوابه بسبب المنافسة الأوروبية، وعندئذ امر السلطان عبدالحميد الثاني بانشاء مصنع للخزف والبورسلين يكون مقره قصر يلدز وكانت منتجاته غاية في الدقة والجمال ولكنها كانت مخصصة لاحتياجات القصر وتقديم الهدايا لسفراء وملوك أوروبا وكان هذا المصنع يضع على منتجاته الخزفية علامة باللون الأخضر مكونة من هلال ونجمة وقد أغلق أبوابه في عام 1922. د.احمد السيد محمد