الخميس 16 رمضان 1423 هـ الموافق 21 نوفمبر 2002 لقد أنشأ الإسلام حضارة لم تشهد لها البشرية من قبل مثيلا من حيث الكم والكيف، استمرت قوية ومسيطرة أكثر من ثمانية قرون، حضارة أبدعت فى جميع مجالات العلوم والفنون، وشهد لها الجميع بالتميز والتفوق، وذلك لأن هذا الدين يتميز عن غيره من الأديان بدعوته إلى التأمل والتفكر وحضه على طلب العلم منذ أول يوم، فكان أول ما نزل من القرآن يدعو إلى القراءة والتأمل واستطلاع آيات الله فى الكون والآفاق، وربط بين العلم والعمل فلم يكن العلم فى الحضارة العربية الإسلامية مجرد أفكار نظرية، ولكنه سعى إلى التحقق من ذلك عن طريق التجربة العملية، ومن هنا كان نمو الفكر العلمى فى الإسلام سريعا متلاحقا فى جميع المجلات. وكان للحضارة الإسلامية الفضل فى النهضة الأوروبية الحديثة، وذلك حيث بدأ الغرب منذ القرن العاشر الميلادى فى ترجمة المنجزات العلمية للعلماء المسلمين ودراستها وبناء نهضته الجديدة على هديها، وبفضل جهود علمائها فى جميع المجالات الطب والرياضة والفلك والفلاحة والكيمياء والبصريات والعمارة وغيرها من فنون القول والإبداع. وهذا ما شهد به المنصفون من علماء الغرب من أمثال فون هومندلت، وزنجرد هوندلكه، واشبلنجر، وماكس مايرهوف، وغيرهم. واليوم نتحدث عن جهود المسلمين فى واحد من هذه الميادين العلمية وهو علم الكيمياء، ومتى بدأ اهتمام المسلمين به؟ وأشهر علمائهم فى هذا الميدان. يعتبر علم الكيمياء أو «السيمياء» كما كان يسمى فى هذا العصر من أوائل العلوم التى بدأ اهتمام المسلمين بها، وذلك حيث بدأ خالد بن يزيد أحد أمراء بنى أمية الاهتمام المبكر بهذا العلم، لما عرف عن هذا العلم من قدرته على تحويل المعادن إلى ذهب ومن قدرته على تركيب أدوية كالأسير تعيد الشباب إلى أصحابها. ويستدل بعض الباحثين على أن اهتمام المسلمين بهذا العلم الجديد بدأ فى عصر خالد بما رواه المؤرخون كابن قتيبة وكتاب الطبقات، كابن عساكر الحادثة التالية ومفادها أن أحد الرجال قدم على يشر بن مروان وعرض عليه أن يسقيه شرابا لا يشيب بعده أبدا، ويعرف هذا الدواء السحرى بالدواء الكبير أو الأذريطوس الذى يكنى عنه بإكسير الحياة، وترجح بعض الآراء بأن ماسرجويه الطبيب هو الذى قدم الدواء لبشر فأودى بحياته، وذلك لما عرف عن هذا الطبيب اهتمامه بتركيب الأدوية ومعرفته ببعض السوائل الكيميائية. جملة القول أن هناك شبه إجماع بين الباحثين على أن أول من اهتم بالترجمة فى الحضارة الإسلامية هو خالد بن يزيد وأنه بدأ بترجمة علم الكيمياء أو «السيمياء»، فعهد إلى المترجمين بترجمة كتب هذا العلم عن القبطية وذلك لوجود مدرسة الإسكندرية التى كانت تعد منارة العلم فى ذلك الوقت والتى كانت تجمع بين العلم والعمل بخلاف اليونان الذين اهتموا فقط بالتأصيل النظرى ولم يولوا اهتماما يذكر بالتطبيق العملى. وكذلك تمت الترجمة عن اللغات الأخرى كالسريانية واليونانية وأشهر من عرف بترجمة كتب الكيمياء فى ذلك الوقت رجل مصرى يدعى اصطفن. ورغم هذا فإن معرفة خالد بن يزيد بهذا العلم لم تتعد مرحلة الاهتمام إلى مرحلة الممارسة العملية، التى اضطلع بها عربى آخر اقترن اسمه بهذا العلم وخطا به خطوات لم تشهدها البشرية من قبل، وكان له الفضل الكبير فى تقدم هذا العلم وازدهاره، والحفاظ عليه من عبث العوام والمشعوذين، هذا الرجل هو جابر بن حيان. وجابر بن حيان هو بحق كما يصفه الدكتور زكى نجيب محمود، كيماوى العرب الأول، وذلك حيث أنه أول من اشتهر عنه هذا العلم بين العرب، وأول من يستحق لقب الكيماوى بين المسلمين. ولهذا قيل أن اسم جابر اقترن بهذا العلم فقيل جابر العلم يجبره فهو جابره، إذا أعاد تنظيم الشيء وأصلح فاسده وقوم بناءه، ومن ثم سمي جابر بهذا الاسم، لأنه هو الذى أعاد تنظيم العلم الطبيعى وأعاد بناءه على نحو ما كان عليه عند أرسطو قبل أن يصيبه الفساد بامتزاجه بالسحر فى العصور الوسطى. ويبدو أن السر الذى استحوذ على لب جابر وجذبه إلى هذا الميدان، هو نفسه الذى سيطر على غيره من قبل كخالد بن يزيد، وهو تحويل المعادن بعضها إلى بعض كتحويل الحديد والنحاس إلى ذهب، هذا مع فارق مهم يجب توضيحه والإشارة إليه، أن هذا الاهتمام قبل جابر كان هواية وحب استطلاع ومعرفة عجائب هذا العلم، لكنه مع جابر أصبح علما له قواعد وأسس يجب احترامها والسير على هداها. وتقوم نظرية جابر العلمية فى تحويل المعادن بعضها إلى بعض على فرضية أساسية مؤداها أن للمعادن مقومين أساسيين هما: الكبريت والزئبق، وهذان بدورهما قد تكونا فى باطن الأرض من العناصر الأساسية كالنار والهواء عبر فترات زمنية طويلة. وأن جميع المعادن ما هى إلا تركيب من هذين العنصرين الزئبق والكبريت بنسب مختلفة، وأن عمل الكيماوى فى تحويل العناصر من نوع إلى آخر يشبه عمل الطبيعة فى تكوينها، غير أن الطبيعة تستغرق أوقاتا طوالا فى تكوين المعادن كالذهب والفضة والحديد وغيرها، فى حين أن العالم يستطيع بتجاربه أن يختصر الزمن إلى فترات قصيرة. لقد كان عمل جابر فى الكيمياء هو تفصيل القول فى هذه التجارب، عن طريق العمليات الكيماوية الشائعة التى كان خبيرا بها كالإذابة والتبلر والتقطير والتكليس والاختزال وغير ذلك، وكثيرا ما كان يصف هذه العمليات بدقة، ويبين الغرض منها والتغيرات التى تطرأ عليها أو تحدث فيها، ويشرح أفضل الطرق لإجرائها فى ضوء نتائج تجاربه. والجدير بالذكر أن الصورة التى تخيلها جابر عن تكوين العناصر عن طريق امتزاج عنصرى الزئبق والكبريت لا تخرج عن النظرية المعروفة الآن التى تحدث عنها جون ملتون الإنجليزى بعد جابر بنحو ألف سنة والتى تقضى باتحاد ذرات العناصر بعضها ببعض. ولم يكن جابر كيمويا فحسب، لكنه كان أيضا فيلسوفا يتصور الأمور تصور الفلاسفة فى محاولة جمع أشتات الكون فى بنية واحدة، يبحثون لها عن مبدأ أول ثم يفرعون منه الفروع، وهذا ما فعله جابر فى أبحاثه ومؤلفاته العديدة عن الكيمياء، شأنه فى ذلك شأن غالبية الفلاسفة فى الإسلام الذين كانت لهم اهتماماتهم العلمية إلى جانب مكانتهم الفلسفية كابن سينا والرازى والطوسى وابن رضوان وغيرهم. وذلك لأن الفلسفة فى العصور الوسطى كانت تعد أم العلوم، ولهذا كانت الطبيعة والفيزياء والكيمياء والفلك والطب وغيرها من العلوم تعد فرعا من فروع الفلسفة. وقد تابع جهود جابر بن حيان العلمية فى ميدان الكيمياء العديد من الباحثين والعلماء المسلمين الذين حافظوا على فكر جابر وظلوا معترفين بفضله ومن هؤلاء على سبيل المثال لا الحصر أبو بكر الرازى الطبيب الذى يذكر جابر بقوله أستاذا. وقد سعى هؤلاء التلاميذ المخلصين إلى تأصيل هذا العلم وتطوير جهود رائدهم الأول واستطاعوا أن يستفيدوا من نتائج تجاربه فى صناعة الدواء وفى غيرها من العلوم. ورغم شهرة جابر ومكانته العلمية العالمية فى العصور الوسطى باعتباره الفارس الأول فى هذا الميدان، فإن حياته ومذهبه الفكرى يحيط بهما الكثير من الغموض فعلى حين يرى البعض مثل بول كراوس أنه كان اسماعيليا فإن بعض الباحثين حاول أن يبرهن أنه كان مجوسيا نتيجة لصلته بالبرامكة، وتنسبه بعض كتب التراجم إلى التصوف فتقول جابر بن حيان الصوفى، ويحاول بعض المحدثين أن يربط بين التصوف والتدين الذى يقوم على تنقية الروح وتغيير طبيعة النفس وإعادة صياغة الإنسان، وبين علم الكيمياء فى تحويل المعادن وإعادة تشكيلها من جديد. على حبن يذهب الكثير من الباحثين على نعته بالتشيع ويستدلون على ذلك بصلته القوية بالإمام جعفر الصادق الذى طلب من جابر تيسير علم الكيمياء، وسواء كانت صلة جابر بجعفر الصادق دليل صادق على تشيع جابر أم لا؟ فإن ما يعنينا من هذه الصلة ما تعكسه لنا عن مدى اهتمام الفكر الإسلامى ممثلا فى علماء الدين بالعلم وعدم الوقوف فى وجه العلماء، كما كان الشأن فى أوروبا فى عصر النهضة حيث طاردت الكنيسة العلماء وكفرتهم وأعدمت بعضهم مما هو معلوم ومشهور وليس بحاجة لتفصيل القول فيه. د.احمد عرفان القاض