الخميس 16 رمضان 1423 هـ الموافق 21 نوفمبر 2002 قال تعالى :«قال ابن أم إن القوم استضعفونى وكادوا يقتلوننى فلا تشمت بى الأعداء ولا تجعلنى مع القوم الظالمين»«الأعراف:150». نلحظ أنه قال :(ابن أم) ولم يقل :«ابن أب» لأن أبا موسى وهارون طوى اسمه في تاريخ النبوات ولم يظهر عنه أى خبر والعلم جاءنا عن أمه لأنها هى التى قابلت المشقات في أمر حياته لذلك جاء هنا بالقدر المشترك البارز في حياتهما ولأن الأمومة مستقر الأرحام لذلك أنت تجد أخوة من الأم وأخوة من الأب فقط وأخوة من الأب والأم والأخوة من الأب أمرهم معروف لكن نجد في أخوة الأم حناناً ظاهراً ويقل الحنان بين الأخوة من الأب. وجاء الحق هنا بالقدر المشترك بينهما ـ موسى وهارون ـ وهو أخوة الأم وله وجود مستحضر في تاريخهم. أما الأب عمران فنحن لا نعرف عنه شيئاً وكل الآيات التى جاءت عن موسى متعلقة بأمه لذلك نجد أخاه هارون يكلمه بالأسلوب الذى يحننه :( قال ابن أم إن القوم استضعفونى وكادوا يقتلوننى). وما دام قد قال :( وكادوا يقتلوننى). فهذا دليل على أنه وقف منهم موقف المعارض والمقاوم الذى أدى ما عليه إلى درجة أنهم فكروا في قتله. ويواصل هارون عليه السلام قوله لأخيه :( فلا تشمت بى الأعداء ولا تجعلنى مع القوم الظالمين). والشماتة : هى إظهار الفرح بمصيبة تقع بخصم والأعداء : هم القوم الذين اتخذوا العجل وقد وصفهم بالأعداء كدليل على أنه وقف منهم موقف العداوة وأن موقف الخلاف بين موسى وهارون سيفرحهم. وقوله :( وأخذ برأس أخيه) إجمالى للرأس في عمومها وفى آية أخرى يقول :( لا تأخذ بلحيتى ولا برأسى)«طه:94». ولقد صنع موسى ذلك ليسمع العذر من هارون لأنه يعلم أن هارون رسول معه وأراد أن يسمعنا ويسمع الدنيا حجة أخيه حين أوضح أنه لم يقصر قال : إن القوم استضعفونى لأنى وحدى وكادوا يقتلوننى مما يدل على أنه قاومهم مقاومة وصلت وانتهت إلى آخر مجهودات الطاقة في الحياة حتى إنهم كادوا يقتلونه. إذن... فهم لم يوافقهم على شيء ولكنه قاوم على قدر الطاقة البشرية لذلك قال لأخيه :( ولا تجعلنى مع القوم الظالمين). وكأنه يقول :لموسى إنك إن آخذتنى هذه المؤاخذة في حالة غضبك ربما ظن بى أننى كنت معهم أو سلكت مسلكهم في اتخاذ العجل وعبادته. وأراد الحق سبحانه أن يبين لنا موقف موسى وموقف أخيه فموقف موسى ظهر حين غضب على أخيه وابن أمه وموقف هارون الذى بين العلة في أن القوم استضعفوه وكادوا يقتلونه ولا يمكن أن يطلب منه فوق هذا وحينما قال هارون ذلك تنبه موسى إلى أمرين : الأمر الأول : أنه كيف يلقى بالألواح وفيها منهج؟ والأمر الثانى : أنه كيف يأخذ أخاه هذه الأخذة قبل أن يتبين وجه الحق ؟ فما كان منه إلا أن دعا ربه قائلاً :( رب أغفر لى ولأخى وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين )«الأعراف:151». ويطلب موسى لنفسه ولأخيه الرحمة عندما قال :(وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين)«الأعراف :151». وحين تسمع :(أرحم الراحمين)«الأعراف:151» أو (خير الرازقين)أو (خير الوارثين)«الأنبياء:89» أو (أحسن الخالقين)«المؤمنون:14» فأعلم أن الله سبحانه يدعو خلقه إلى التخلق بهذا الخلق لأن لهم فيه عملاً - وإن كان محدوداً - يتناسب مع قدرتهم ومخلوقيتهم وعبوديتهم فضلاً على أنه عطاء ومنحة منه سبحانه أما صفات الله فهى صفات لا محدودة ولا متناهية جلالاً وجمالاً وكمالاً فسبحانه: (ليس كمثله شيء)« الشورى:11» فإذا كان الله هو : (أرحم الراحمين) فهذا يعنى أنه سبحانه لم يمنع الرحمة من خلقه على خلقه فمن رحم أخاه سمى رحيماً وراحماً ولكن الله أرحم الراحمين لأن الرحمة من كل إنسان ضمان لمظهرية الغضب في هذا الأحد يقال :«رحمت فلاناً» أى من غضبك عليه وعقوبتك وأن عقوبتك على قدر قوتك لكن الله حين يريد أن يأخذ واحداً بذنب فقوته لا حد لها وكذلك رحمته أيضاً لا نهاية لها. ويقول الحق بعد ذلك:( إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزى المفترين)«الأعراف:152». حين يقال : (اتخذوا العجل) قد نجد من يتساءل : هل اتخذوه مذبوحاً يأكلونه؟ أو يثير الأرض أو يسقى الحرث ويدير السواقى؟ لأن العجل خلق لهذه المهام لكنهم قد اتخذوا العجل إلها ومعبوداً أما اتخاذه فيما خلق له فلا غبار عليه وهو هنا محذوف ومتروك لفطنة السامع فإذا اتخذنا العجل فيما خلق له العجل لا ينال غضب من الله أما الذين سنالهم غضب الله فهم من اتخذوا العجل في غير ما خلق له إنهم اتخذوه إلهاً :( سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا). قوله تعالى: (سينالهم) يدل على أن أوان الغضب والذلة لم يأت بعد وسيحدث في المستقبل ومستقبل الدنيا هو الآخرة ولكن الحق سبحانه هنا يقول: إن الذلة ستحدث في الدنيا فكيف يقول : (سينالهم غضب ) مع أنهم تابوا ؟ ويوضح سبحانه لنا ذلك في قوله تعالى: (فتوبوا إلى ربكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند ربكم فتاب عليكم)«البقرة:54». فبعضهم تاب إلى بارئه وقتل نفسه فلماذا إذن الغضب؟ يوضح الحق لنا أن الذى نالهم من الغضب هو ما ألجأهم إلى أن يقال لهم : (فاقتلوا أنفسكم)«البقرة:54». وهكذا نفهم أن قوله تعالى :( سينالهم غضب) أى : قبل أن يتوبوا وقتل النفس هو منتهى الذلة ومنتهى الإهانة. إن قوله تعالى: (سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزى المفترين)«الأعراف :153» أى : أن هذا الأمر ليس بخاصية لهم فكل مفتر يتجاوز حده فوق ما شرعه الله لابد أن يناله هذا الجزاء لأن الله سبحانه حين يقص علينا ما حدث في تاريخهم فإنه يريد من وراء ذلك سبحانه أن يعتبر السامع للقصة في نفسه. واعتبار السامع للقصة في نفسه لا يتأتى إلا بأن يقول له الله تنبيها وتحذيراً :( وكذلك نجزى المفترين). أى : احذر أن تكون مثل هؤلاء فينالك ما نالهم وهو سبحانه ينبه كلاً منا لينتفع من هذه العبرة وهذه اللقطة فإن القصص القرآنى من أهداف وردود للعظة والعبرة. ثم يقول الحق سبحانه بعد ذلك : (والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم)«الأعراف :153». قوله:( ثم تابوا) أى : ندموا على ما فعلوا وأصروا وعزموا على ألا يعودوا ونعلم من قبل أن التوبة لها مظاهر ثلاثة، ومشروعية التوبة نفسها فيها مطلق الرحمة ولو لم يكن ربنا قد شرع التوبة في ذاتها لتعب الخلق جميعاً لأن كل من عمل سيئة ولم يشرع الله له التوبة سيشترى شره في عمل السيئات. لكن حين يشرع ربنا للمسيء التوبة ويدعو العبد للكف عن السيئة فهذه رحمة بالمذنب وبالمجتمع الذى يعيش فيه المذنب. بعد ذلك يتوب العبد ثم يكون هنا مظهرية أخرى للحق وهو أن يقبل توبته. التوبة إذن.. لها تشريع من الله وذلك رحمة. وفعل من العبد بأن يتوب وذلك هو الاستجابة. وقبول من الله وذلك هو قمة العطاء والرحمة منه سبحانه. وقوله الحق سبحانه :(والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وأمنوا ) إن هذا القول يدل على أن عمل السيئة ينقص من الإيمان فيأمر سبحانه عبده : أن يزيد من إيمانه ويستحضر عظمة ربه استحضاراً استقبالياً لأن عمل السيئة يدل على إنك قد غفلت عن الحق في أمره ونهيه والتوبة تجديد للإيمان وعندئذ تجد ربك غفوراً رحيماً :(إن ربك من بعدها لغفور رحيم). إن ذنب العبد يكون فيما خالف منهج ربه في «افعل» و«لا تفعل» ومادام العبد قد استغفر الله وتاب فسبحانه يقبل التوبة. ويوضح : إذا كنت أنا غفوراً رحيماً فإياكم يا خلقى أن تذكروا مذنباً بذنبه بعد أن يتوب لأن صاحب الشأن غفر فإياك أن تقول للسارق التائب :«يا سارق» وإياك أن تقول للمرتشى التائب «يا مرتشي» لأن المذنب مادام قد جدد توبته وآمن غفر الله له فلا تكن أنت طفيلياً وتبرز له الذنب من جديد.