الخميس 16 رمضان 1423 هـ الموافق 21 نوفمبر 2002 قال الله تعالى {ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة} الزمر آية 60، إن الكذب رذيلة محضة تنبيء عن تغلغل الفساد في نفس صاحبها وعن سلوك يسبب الشر ويندفع صاحبه الى الاثم وهو من العلل التي تصيب المجتمع كالمرض بالأبدان ولا يصح المسلم منه إلا بعد رحلة علاج طويلة والله سبحانه وتعالى خلق السموات والارض بالحق وطلب الى الناس ان يبنوا حياتهم على الحق فلا يقولوا إلا حقا ولا يعملوا إلا حقا ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «دع ما يريبك الى مالا يريبك فان الصدق طمأنينة والكذب ريبة» رواه الامام الترمذي. والاسلام لاحترامه الشديد للحق طارد الكذابين وشدد عليهم بالنكير فعن أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها قالت «ما كان من خلق ابغض الى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكذب ما اطلع على أحد من ذلك بشيء فيخرج من قلبه حتى يعلم انه قد احدث توبة» رواه الامام أحمد. والكذب يقلب الموازين ويمسخ الحقائق ويشوه وجه الجمال في كل شيء بداخله ولن تجد جريمة تستشرى بين الناس الا وهي مطلية بطلاء من الكذب والزور حتى توحى لمن يراها انها افضلية ولا شيء سواها والكذب سلاح الجبارين ودرع المنافقين وزاد الفاشلين وسلوى المرائين وشبكة المخادعين وملجأ المجرمين والقرآن الكريم يذم في بعض آياته الكذابين وبين مقت الله لهم وسخطه عليهم والعذاب الذي اعده لهم حيث قال الله عز وجل {إنما يفترى الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون} النحل 105، وقال سبحانه (ان الله لا يهدي من هو مسرف كذاب) غافر 28. ولا عذر لمن يتخذون الكذب خلقا ويعيشون به على خديعة الناس فلقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الخيانة والكذب» رواه الامام أحمد، وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم «أيكون المؤمن جبانا، قال: نعم، قيل له أيكون المؤمن بخيلا، قال: نعم، قيل له أيكون المؤمن كذابا، قال: لا» رواه الامام مالك، وعن عبدالله بن مسعود رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «عليكم بالصدق فان الصدق يهدي الى البر والبر يهدى الى الجنة ومازال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا واياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور والفجور يهدي إلى النار ومايزال العبد يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا» رواه الامام البخاري، والكذب على دين الله من اقبح المنكرات وأول ذلك نسبة الشيء الى الله أو الى رسوله ولم يقله وهذا الضرب من الافتراء الفاحش في حقيقته الوخيم في نتيجته ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ان كذبا علي ليس ككذب على أحد فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» رواه الامام البخاري. ويدخل في هذا النطاق من الافتراءات سائر ما يقوله الجهال وأقحموه على دين الله والدين الاسلامي يعلم الأمة الاسلامية بأسرها البعد عن الكذب والتخلي عنه، يعلم الأمهات والاباء كيف تكون تربية النشء على البعد عما يضرهم في دينهم ودنياهم حتى نخرج للمجتمع شبابا ورجالا يعرفون الصدق ويتمسكون به فعن عبدالله بن عامر قال دعتني أمي يوما ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد في بيتنا فقالت تعال اعطك فقال لها صلى الله عليه وسلم «ما اردت ان تعطيه، قالت اردت ان اعطيه تمرا فقال لها: اما انك لو لم تعطه شيئا كتبت عليك كذبة» رواه ابو داود ونهى الدين الاسلامي الحنيف التجار عن الكذب في بيان سلعتهم وعرض ثمنها والتجارة في الاسلام لا تعرف الكذب اما اذا سيطر عليها الطمع البالغ والغلو فلقد كره الاسلام هذه المعاملة الجشعة وما يشوبها من كذب وافتراء ولغو ومراء ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فان صدق البيعان وبينا بورك لهما في بيعهما وان كذبا وكتما فعسى ان يربحا ربحا ما ويمحق بركة بيعهما» وفي رواية «محقت بركة بيعهما اليمين الفاجرة منفقة للسلعة ممحقة للكسب» رواه الامام أحمد والدين الاسلامي يحذر من الحيف في الشهادة ويعتبر ذلك من اشنع الوان الكذب فالمسلم لا يبالي اذا قام بشهادة ما ان يقرر الحق ولو على ادنى الناس منه واحبهم اليه لا تميل به قرابة ولا عصبية ولا تزيفه رغبة أو رهبة وقد يندفع الانسان الى الكذب حين يعتذر عن خطأ وقع منه ويحاول التملص من عواقبه وهذا هوان وفرار من الشر الى مثله أو اشد والواجب ان يعترف بخطأه فلعل صدقه في ذكر الواقع والمه عما بدر منه يمسحان هفوته ويغفران زلته فلقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «تحروا الصدق وان رأيتم الهلكة فيه فان فيه النجاة» رواه ابن ابي الدنيا ـ وعنه صلى الله عليه وسلم انه قال: «اذا كذب العبد تباعد الملك عنه ميلا من نتن ما جاء به» رواه الترمذي. أحمد اسماعيل علي