الخميس 16 رمضان 1423 هـ الموافق 21 نوفمبر 2002 نقف الآن بين يدي المنعطف الاكثر أهمية، وصعوبة، واثارة للفضول، وامتاعاً في دراستنا للزخرفة المعمارية الاسلامية في السياق المسجدي من منظور وجماليات المكان، فقد حققنا اطلالة سريعة على النظرية الجمالية الاسلامية، ثم انتقلنا الى اللقاء الاول بين الجماعة الاسلامية الناشئة وزخرفة مساجدها وعمدنا الى الربط الوثيق بين الجماليات والزخرفة، وانتقلنا الى تحليل الزخرفة المعمارية الاسلامية من حيث المقصود بها، واهميتها، ووظائفها والاهداف المتوخاة منها، وخصائصها والمباديء التي تقوم عليها، وجمالياتها. وكان من الطبيعي ان ننتقل بعد ذلك الى النواحي الميدانية، فدرسنا عشراً من العمليات الداخلة في صميم الزخرفة المعمارية الاسلامية، وذلك على سبيل المثال لا الحصر، ثم تعرضنا لعشرة امثلة للمواد الاكثر أهمية في هذه الزخرفة. اذن، نحن تطرقنا الى مدخل يربط موضوع دراستنا بالنظرية الجمالية الاسلامية، وحاولنا الامساك بما يعنيه هذا المفهوم وأن نربطه بالجماليات الابداعية الزخرفية والمواد التي توظف في هذا الابداع. هنا، بالضبط، يبرز التطور الطبيعي والمنطقي والعقلي في مسار دراستنا وهو متعلق بسؤال محدد: بهذه العمليات الابداعية وباستخدام هذه المواد ما الذي ستمنحنا اياه تلك العملية التي رأينا ان بعض الباحثين لا يترددون في معرض ابراز اهميتها في القول انها تتوحد مع الانشاء لتعطينا العمارة الاسلامية؟ بتعبير ادق ما هي موضوعات الزخرفة المعمارية الاسلامية في سياقها المسجدي؟ وان شئت استخدام التعبير الاثير عند الخبراء الغربيين فما هي «موتيفات» هذه الزخرفة؟ حيز الشفافية من المحقق ان المرء يتمنى لو كان بوسعه ان يمسك بيده مؤشراً، ويبادر بالاشارة به عدة مرات لتنتهي بذلك مهمة تحديد موضوعات الزخرفة المعمارية الاسلامية في سياقها المسجدي، فهي بحكم طبيعتها ملء العين والبصر، بل وان شئت الدقة ملء الآفاق. لكن، كما يقال، ليس كل ما يتمنى المرء يدركه، فهذه المهمة ليست بتلك السهولة، ودعنا نضرب مثالاً واحداً على مدى تعقد المهمة التي تكتنف تحديد الموضوعات ـ أو «الموتيفات» ان أحببت ـ المندرجة في الزخرفة المعمارية الاسلامية في سياقها المسجدي، المثال الذي نريد ان نسوقه هو ما نجده في كتاب «التصوير الاسلامي الديني والعربي» للدكتور ثروت عكاشة في طبعته الاولى الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في عام 1977، حيث يقترح علينا اربعة موضوعات محددة للزخرفة الاسلامية، هي على التوالي كما يلي: أ ـ التوريق المتشابك ب ـ التحوير جـ ـ التلوين د ـ الكتابة الخطية هنا قد يقول قائل ان د. عكاشة قد امسك بالمؤشر، وحل المشكلة التي تصورناها معضلة، فأحالنا الى اربعة موضوعات للزخرفة الاسلامية ولم يعد هناك تعقيد او خفاء او من يحزنون. وقد كنا نتمنى ان يكون الامر كذلك، غير انه ليس علينا الا ان نلقي نظرة واحدة على هذه الموضوعات الاربعة التي يقترحها علينا د. عكاشة حتى ندرك اننا قد عدنا إلى المربع الاول وقمنا برحلة دائرية حول المشكلة من دون ان نصل إلى حل. واقع الأمر ان التحوير بحكم التعريف الذي يورده له د. عكاشة في صفحتي 24 و 25 من كتابه ليس الا جزءا من التوريق المتشابك، وهما معاً يدخلان فيما يقال له التوريق او العربسة او «الارابسك» ـ ان شئت استخدام التعبير الاثير لدى العديد من المستشرقين ـ على الرغم من ان كلمة توريق اصبحت هى المستقرة في العديد من اللغات الغربية، ومنها الاسبانية، لاداء المعنى المراد هنا. من ناحية اخرى فان التلوين حتى بالتعريف الذي يتبناه د. عكاشة ليس موضوعاً للزخرفة الاسلامية، وانما هو مرادف لعملية التزويق التي اوردناها ضمن الامثلة العشرة على العمليات المندرجة في صميم الابداع الزخرفي المعماري الاسلامي، وبالتالي فالتلوين اسلوب فني، او تكنيك اذا شئت او عملية او تطوير لمجمل الاداء الابداعي بافراغ مختلف للقالب اللوني على الشكل الزخرفي. هكذا فان الاقتراح الرباعي الذي يقدمه لنا د. عكاشة حول موضوعات الزخرفة الاسلامية يغدو بعد غربلته مؤلفاً من بندين لا غيرهما هما التوريق والكتابة الخطية، ومن المحقق انه اقتراح مهم ومفيد، لكنه ـ كما رأينا ـ ليس كافياً. من اين نبدأ اذن؟ من اين ننطلق لنضع ايدينا في نهاية المطاف على موضوعات الزخرفة المعمارية الاسلامية؟ كيف نصل إلى البنود التي لو اشبعناها بحثاً وتحليلاً وتأملاً لكان بمقدورنا القول اننا قد وفينا موضوعات الزخرفة المعمارية الاسلامية حقها؟ ليست هناك طريقة سهلة للاجابة عن هذه النوعية من الاسئلة. وليست ثمة عصا سحرية يمكن ان تمنحنا مدخلاً الى هدفنا، لكن الاضاءة الحقيقية التي يمكن ان تفيدنا وسط هذه الغابة من علامات الاستفهام يمكن ان تتمثل في الزاد الثمين الذي تزودنا به في غمار محاولتنا للاقتراب من الجماليات الاسلامية. دعنا نبادر الى العودة بالذاكرة الى السؤال الذي طرحه علينا بروفسور روبرت هيلينبراند، استاذ الفن الاسلامي بجامعة ادنبرة: كيف اعتزم المعماريون المسلمون ان يعايش المتلقي المباني التي اشادوا صرحها؟ اننا نتذكر، بالطبع، ان هذا السؤال ينتمي الى تلك النوعية من الاسئلة التي قد يسهل طرحها، لكنها بالتأكيد تتعذر الاجابة عنها، لكن قيمتها تكمن في عملية استنهاضها للتفكير في غمار محاولة الاجابة عنها. وواقع الأمر اننا لا نملك الطروحات النظرية الاسلامية التي تركها في الغرب في مجال العمارة اناس مثل فيتروفيوس والبيرتي، بل وعلى الرغم من علمنا على سبيل المثال باسهامات الصوفية في العمارة الاسلامية، بما أوتوا من روحانية وعلم باطني بلوروه في صورة معتقدات لها رموز عندهم، فكانوا يملون تلك الرموز والاسس على المهرة من شيوخ البنائين والحرفيين وهؤلاء يبسطونها اعمالاً واشكالاً لمن بين ايديهم من الصناع والعمال فينفذها هؤلاء رموزاً واشكالا تربط بين تلك الحكمة الخفية والمظاهر الجلية. أياً كان مدى تعقيد هذا السؤال، فانه يفتح امامنا الفضاء رحباً امام ادراك ان المعماريين المسلمين لم يكونوا بين يدي انجاز منشآت تؤدي الوظائف المرادة منها فحسب، لم يكونوا امام انشاء بدنات تعكس الامكانات الهائلة التي اتيحت لهم فقط، وانما كانوا حيال مهمة تقديم عالم صغير يعكس صفاء الدين الاسلامي وفطرة الانسان المسلم وشوقه الدائم الى دار المقر، وبكلمة كان عليهم ان يجعلوا هذه المساجد رغم كيانها الهائل تحقق ما يمكننا ان نسميه بـ «حيز الشفافية» حيث تفصل المادة التي قام المبدع بتوظيفها حسب لغة فنية بالغة الرقي عن موقعها الثابت، بحيث تصبح المادة الموظفة على هذا النحو خفيفة وعديمة الكثافة. ولم يكن هناك من سبيل لتحقيق ذلك الا عبر الجماليات الاسلامية، ومن خلال موضوعات واضحة وصريحة ومحددة. المرتكزات الثلاثة سبق لنا ان رأينا كيف افضى بنا السؤال الذي طرحه علينا بروفسور روبرت هيلينبراند الى ان نستنتج من خلال مساجد بعينها ومجموعات مسجدية بذاتها وجود مجموعة بارزة من عناصر الجماليات الاسلامية، في مقدمتها توظيف الرياضيات، الحس بالتراتبية أو «الترتيب» حسب التعبير الاثير في النظرية الجمالية الاسلامية، الاستعداد للاستغلال المكثف للرمز، عشق الزخرفة المكثفة التي تتجاوز وظائفها السطح، وأخيراً الميل إلى اللون. هذه الابعاد الجمالية نستطيع من خلال الدراسة الدقيقة للنماذج والاجتهاد في فهم ما تقدمه هذه النماذج لنا ان نستنتج كثيراً غيرها، لكن الحقيقة الاساسية تظل هي نفسها لا تتغير، وقوامها ان هذه الابعاد نابعة من عمارة امة تنطلق لاداء رسالة حضارية كلية، بالمعنى الذي حدثنا عنه هيجل، والعمارة هي احدى ادوات اداء هذه الرسالة، وبالتالي لابد لها من ان تعكس طبيعتها وجوهرها. انك عندما تقف في صحن المسجد، اي مسجد، تجد هذا النور، نور الله ينهل من حولك رائقاً، صافياً، وكأنه يغسل النفس من ادرانها في هذا البيت، بيت الله، وهذه الخلايا الشمسية، التي تعكسها الاعمال الفنية الموجودة في هذا المسجد تستمد طاقة حركتها من النور، والنور كما نعلم جميعاً اسم من اسماء الله الحسنى، وهذه الخلايا، في واقع الأمر تتحرك حركة مزدوجة. كيف يكون ذلك ونحن نتحدث عن العمارة التي يفترض انها تتألف من مكونات ثابتة في موضعها لا تريم؟ الواقع ان هذه الخلايا الشمسية ـ رغم الثبات ـ تتحرك في اطار حركة مزدوجة، شقها الاول حركة «اعتماد» بمعنى انها تتحرك في مكانها، وهي تنشأ لحظة اطلالها على الوجود، عندما تصافح النور للمرة الاولى، وفي لحظة مشاهدتنا لها، والحركة الثانية هي حركة انتقال من مكان إلى آخر، وتتحقق هذه الحركة بوجود صورها المتشابهة «او شبه المتشابهة» الواحدة بجوار الاخرى على امتداد ساحة العمل لعمارة المسجد. هكذا فان النور لا يفارق حركتها، برهاناً على خلقها بمشيئة الله الازلية، ويتحقق ذلك في كل خطوة من خطوات ايقاعها، وما المشاهد أو المتلقي او من يخوض غمار التجربة الجمالية الا شاهد على خلق الله المستمر، وهذا الشاهد لا يعدو ان يكون رمز الجماعة المؤمنة، التي تشهد أيضاً على مسيرة حياة هذه الاشياء على امتداد صفحة العمل الفني، مصداقاً لقول الحق عز من قائل: «وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون». إذن نستطيع القول ان العمل الفني الإسلامي يقوم بناؤه على ثلاثة مرتكزات اساسية: ـ الاول: دور الفنان الذي يتحقق من خلال لغة الوسيلة لكل فن. ـ الثاني: دور المشاهد او المتلقي او من يخوض غمار التجربة الجمالية من خلال لغة المشاركة والمعايشة للعمل. ـ الثالث: دور النور المنبعث من بيت الله في فن العمارة. هذه المرتكزات تشكل بالنسبة للفن شرطاً من شروط وجوده باعتباره كذلك، وتكسبه بالتالي ميزة اساسية من ميزات الفن المفتوح، وبذلك انتقل التعبير من وضع كان فيه سجين مساحة العمل الفني فقط الى وضع اصبح فيه الفن الاسلامي عملية مشاركة بين دور الفنان ودور المشاهد أو المتلقي ودور الطبيعة، متمثلاً في النور. النقطة المهمة هنا التي لابد من التشديد عليها هي ان كل فن يتحدد في حيز معين وداخل اطار محدد، وهذا الحيز في حالة العمارة والنحت هو فضاء ذو ثلاثة أبعاد، إلا ان الفن الاسلامي كما سبق ان لاحظنا يشغل حيزاً مميزاً، حيزا خاصاً يرفض التأطر، ويأبى الاندراج في سجن هذه الابعاد. دعنا نأخذ مثلاً محدداً يوضح لنا المعنى الكامن فيما قلناه حالاً، فأنت في صحن الجامع تحس ان المبنى ينفتح داخله على هذا الفضاء المنير المنتزع من الفضاء الكوني المفتوح بلا انتهاء، واذا ترك المرء لخياله العنان فإنه يشعر بالصحن وكأنه يشكل محطة لجسم الفضاء الواسع، وكأنه كف لكيان راقد في المبنى، وهكذا تصبح الفراغات المتداخلة بين اعمدة وقناطر الاروقة الممتدة بداخل الاقسام المختلفة كلها، وكأنها اصابع هذا الكف الفراغية، فيساور المرء شعور بأن هذا الجسم الفضائي الكبير يتدخل بكفه واصابعه الفراغية ليحاول ان يرفع المبنى كله عن الارض قليلاً. وتتكامل عناصر الجامع من حولنا، من اعمدة وقناطر وبدنات وفراغات تلفنا من كل جانب، فتوحي لنا بالحياة والحركة، والدوران، وقد لا نبالغ في نهاية المطاف اذا احسسنا كأننا نطفو على سطح ماء البحر الممتد بلا انتهاء. هكذا فان التعبير في العمارة الاسلامية لا يتحقق بلغة المكان المحدد، بلغة الحيز الظاهر، ذلك ان تحديد الحيز بهذا المفهوم يثقل المادة المعمارية ويشدد على طابعها العضوي، وهو ما يتناقض مع صميم فن العمارة الاسلامية، التي تركز على ما سبق لنا ان اسميناه بـ «حيز الشفافية» حيث نشعر بأن كل ما في داخل هذا الحيز قد ارتفع عن الارض، أو هو يوشك على ذلك، الأمر الذي يجعلنا ندخل عالماً جديداً، هو عالم التجلي الاسلامي، عالم المشاعر الروحانية التي يحسها الانسان وهو يطوف حول الكعبة، والتي تضم في جانب منها الشعور بنشوة جمالية، اقرب ما تكون الى نشوة الطرب بالمعنى الذي يحدثنا عنه ابن منظور وابن قتيبة وهو «خفة وحركة تصيب الانسان لشدة السرور أو الفرح». هكذا فان العمارة الاسلامية لا تحتاز لنا فضاء او فراغاً عادياً، وانما هي تحقق لنا حيز الشفافية، الذي تفصل فيه المادة التي انجزها المعماري المبدع عن موقعها الثابت، لتصبح هذه المادة خفيفة وعديمة الكثافة بحكم عناصر الزخرفة التي تمر بها ومن خلالها التعامل معها، وهذه المادة تصبح من ناحية اخرى غير ثابتة حيث تتحرك عناصرها في كل الاتجاهات بحالة انسانية نتيجة عناصر الزخرفة المتشابهة بدرجات مختلفة، وهي العناصر المدرجة وفق نظام معين متكامل في العمل الفني بأسره. هذا هو، بالضبط، ما يدخل المشاهد أو المتلقي في هذا العالم، عالم الشفافية، الذي يغيب فيه المرتكز الثابت والذي يشعر المشاهد بحالة من النشوة الجمالية، حالة هي اقرب ما تكون إلى شعورنا وقت الطواف حول الكعبة المشرفة، وهي حالة عندما تحققها العمارة الاسلامية تكون قد وصلت بنا ومعنا إلى اعلى ذراها المنشودة والمتوخاة. هنا يلفت نظرنا ما يقوله د. غازي مكداشي في كتابه «وحدة الفنون الاسلامية» من ان الفكر التصوفي الاسلامي استطاع الاقتراب من مستوى الفنون الاسلامية في بعض الاحيان، عندما تمكن من التخلص من ترسبات المنطق القديم، في محاولته اشراك الذوق وجميع احاسيس الانسان الى جانب العقل والبصيرة بهدف بلوغ ما يريد قوله. ومن المهم أيضاً الاشارة إلى ان الفن الاسلامي بمنطقه الخاص اكسب العمارة طريقة مميزة في البناء، بدت غامضة لبعض المستشرقين، فانتقدوها زاعمين ان المعماري المسلم يفتقر الى التخطيط المبرمج المسبق. ومعروف ان الكاتدرائيات وما شابهها من ابنية عملاقة وصرحية في الغرب كان يوضع لها مخطط هندسي كامل موضوع سلفاً قبل بدء التنفيذ، وتستمر عملية التنفيذ ربما عشرات العقود، وقد تصل الى قرن كامل من الزمن او يزيد، لكنها ما ان يتم الفراغ منها، حتى ترتفع الايدي عنها باستثناء بعض الاضافات المحدودة التي لا تؤثر على فكرة التصميم الاصلي، التي هي فكرة اولى واخيرة في آن. اما المنهج المتبع في تنفيذ المسجد الجامع فأمر مختلف تماماً، حيث ان المصمم او المصممين الاصليين يضعون المخطط الاول الذي يشمل «نواة المسجد» وهذا المخطط يتم تنفيذه في غضون سنوات قلائل، بما في ذلك الزخارف والتفاصيل المختلفة، وانطلاقاً من هذه النواة ينمو المبنى من الداخل الى الخارج، وفي كل الاتجاهات تقريباً. وبهذا المعنى فإن المصمم الأول يكون قد ارسى بعمله الاول منهجية لطريقة تشييد المبنى، وهي منهجية غالباً ما يتم الالتزام بها إلى حد كبير، لانها اقرب إلى عملية حياكة، فيها الطابع النسجي بشكل دقيق. هذه الموضوعات المتتابعة من شأن الاضاءة التي حققناها انطلاقاً من التساؤل مع بروفسور روبرت هيلينبراند عن طبيعة العناصر الجمالية في العمارة الاسلامية ان تسمح لنا بأن نقدم مشروعنا الخاص لدراسة موضوعات الزخرفة المعمارية الاسلامية في سياقها المسجدي. هذا المشروع مؤلف من اربعة موضوعات ـ او موتيفات إن أحببت ـ لكنه يختلف عن المشروع الذي سبق ان رأيناه عند دكتور ثروت عكاشة، وبادرنا الى ابداء التحفظ عليه لأسباب أوضحناها في حينه. إننا نقترح على القاريء ان نبادر الى دراسة الموضوعات التالية للزخرفة المعمارية الاسلامية باعتبارها الموضوعات الاربعة الرئيسية التي من دون أي منها تصبح دراسة هذا الموضوع قاصرة، ناقصة ومعيبة: ـ أولا ـ التصوير: وهو ما يفضي بنا الى دراسة الاشكال بمختلف أنواعها، بما في ذلك التصوير التشبيهي والتجريدي وفي أبعاده المتعلقة بالصور الانسانية والحيوانية والنباتية الطبيعية والمتخيلة وغير ذلك من العناصر المصورة. ـ ثانيا ـ التوريق أو العربسة: وهو الفن الذي سماه الغربيون بـ «الارابيسك» حيث رأوا فيه سنام الزخرفة الاسلامية وذروتها الرفيعة من تعامل مع النباتات، سيقانها، فروعها، أوراقها وأزهارها بما يحلق بالخيال الى أقصى أشواق نفس المسلم في تطلعها الى الله سبحانه وتعالى والى ما وعد المؤمن الحق به من جنات الفردوس وانهارها وعيونها. ـ ثالثا ـ التسطير: وهنا نلتقي مع مختلف الأشكال الهندسية بما فيها من نجمات من مختلف الأنواع وبما فيها من زوايا وأشكال تستحضر السماء في إطار آخر وبلغة تشكيلية مختلفة. ـ رابعاً ـ الخط: هنا نحن على موعد مع فيض يبدأ ثم لا ينتهي من ألوان الخط وأنواعه التي تتألق على يد الفنان المسلم، الذي يجمع بين الجلال السماوي المستحضر في آيات القرآن الكريم والاحاديث النبوية الشريفة والمقتطفات من أقوال أهل الحقيقة وعيون الشعر العربي في مديح آل البيت والحكمة وغير ذلك بما فيها الاشادة بالعمائر الاسلامية التي يحتويها هذا الخط، فضلاً عن تسجيل تاريخ انشائها أو صيانتها والقائمين عليها والمنشئين لها ومن شملوها برعايتهم من خلفاء وملوك وسلاطين وأمراء ونحوهم. وهذه الموضوعات الاربعة تظل الأكثر أهمية التي تتوزع من خلال النبضات الوجدانية التي ألقى بها الاسلام في روح الفنان المسلم، فكانت كالبذرة الطيبة في الارض الطيبة، رويت بماء الايمان، وسقيت بنور شمس اليقين. ومن هنا فليس غريباً ان تجتذب اليها الفنانين المسيحيين في مصر وسوريا وبيزنطة وصقلية واسبانيا. ليس غريباً، إذن، ان نجد اللجنة الفنية المشرفة على تنفيذ مشروع زخرفة مسجد الدولة بالكويت تجلب فنانين ومبدعين من الهند وايران ومصر والمغرب العربي ليبدع كل منهم في الجانب الذي يتقنه من زخارف هذا المسجد الجامع، الذي ربما كان مسجد الدولة الوحيد الذي أقيم خلال العقود القليلة الماضية، إذا اعتبرنا ان مسجد الحسن الثاني الجامع الكبير لا يصنف تحت بند مسجد الدولة بحكم طبيعة راعيه ومصادر تمويله. وليس غريباً ايضاً ان نجد فناني المغرب العربي يحملون ابداعهم في الزليج والجص والرخام والبرونز الى مساجد ما وراء الصحراء الكبرى في قلب أفريقيا، من دون ان يساورهم الشعور بالغربة أو يرى ابناء تلك البلاد فيما يبدعونه شيئاً غريباً عنهم أو لا يخاطب وجدانهم الاسلامي. عن أي تصوير نتحدث؟ كما بادرنا الى التحفظ على المشروع الذي اقترحه علينا د. ثروت عكاشة لدراسة موضوعات الزخرفة الاسلامية، حيث أشرنا الى ان موضوع التوريق والتحوير هما في حقيقة الامر موضوعي واحد وان التلوين ليس بموضوع للزخرفة وانما هو تكنيك فني أو عملية من العمليات التي تتبع في اطار الوصول الى موضوعات الزخرفة وتحويلها الى واقع ملموس ومرئي ومبهر وممتع للناظرين أقول اننا كما بادرنا بهذا التحفظ، فلست أشك في ان الكثيرين سيبادرون بالتحفظ على المشروع الرباعي الذي طرحته كبرنامج لدراسة موضوعات الزخرفة المعمارية الاسلامية في السياق المسجدي. أكاد أرى بعيني الخيال ان تحفظات هؤلاء الكثيرين الذين تحدثنا عنهم ستنصب على موضوع واحد من بين الموضوعات الاربعة التي طرحناها كمكونات لمشروعنا الدراسي المقترح، أكاد اسمع قائلهم يبادر الى الاحتجاج، الغاضب ربما: تصوير؟ عن أي تصوير نتحدث هنا؟ اننا نحاول ان ندرس الزخرفة المعمارية الاسلامية في سياقها المسجدي فهل اذا مضيت الى أقرب مسجد الى دارك أو مكتبك سترى شيئاً من تصاوير الشخوص أو الحيوانات أو حتى النباتات تشبيهية أو مجردة واقعية أو متخيلة؟ لست أقلل من وجاهة هذا الاعتراض ـ الاحتجاج، ولا يغيب عني ما يعكسه من منطق واضح ومتماسك، ولكنني أريد ان أشير الى النقاط التالية: أ ـ إن أي مشروع لدراسة موضوعات الزخرفة المعمارية الاسلامية في سياقها المسجدي من دون اضاءة ـ ولو في الحد الأدنى ـ للتصوير، بما في ذلك من شخوص وحيوانات ونباتات، يظل مشروعاً ناقصاً، يعكس قصوراً لا موضع لإنكاره. ب ـ ان التصوير كموضوع للزخرفة يسجل حضوره بالغياب، لكنه يظل حضوراً، ولسوف نلقى نظرة دقيقة على هذه الاشكالية لنخرجها مما تبدو ملتفة به من غموض والغاز. ج ـ انني لا أضع التصوير في البند الأول من مشروع الدراسة الذي أقترحه لأهميته، وانما لأبادر الى القاء نظرة عاجلة عليه، ثم اتفرغ بعد ذلك لدراسات المكونات الثلاثة الاخرى في المشروع بالتفصيل. د ـ ان التصوير يثير القضية المعقدة المتعلقة بالتحريم، وهي قضية تجاهلها مشكلة وإثارتها تعني استقطاع حيز كبير من المساحة والوقت والجهد فهى قضية خلافية بطبيعتها، ولاتزال بعيدة عن الحسم في بعض الدوائر حتى اليوم. الان وقد وقفنا ازاء الجزء الصعب في مسيرتنا، لا نملك إلا الدعاء ان يكون الصبر لنا زاداً على الدرب. ألم يقل سهل: «الصبر انتظار الفرج من الله تعالى؟» ألم يؤكد انه «أفضل الخدمة وأعلاها؟» ألم يقل غيره: «الصبر أن تصبر في الصبر؟».