الخميس 16 رمضان 1423 هـ الموافق 21 نوفمبر 2002 1 ـ بعد أن ذكرت سورة «الأنعام» ألوانا من مظاهر وحدانية الله ـ تعالى ـ وقدرته، عن طريق ما يشاهده الناس من شق الحب والنوى، ومن اخراجه الحى من الميت والميت من الحى، وعن طريق جعل الليل سكنا ، والشمس والقمر تجريان بحساب دقيق.. بعد كل ذلك ساقت السورة الكريمة ألوانا أخرى من دلائل وحدانيته وقدرته ـ عز وجل ـ فقال ـ تعالى ـ [وهو الذى جعل لكم النجوم لتهتدوا بها فى ظلمات البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون. وهو الذى أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون] [الآيتان 97، 98]. أى: وهو الله ـ تعالى ـ وحده، الذى أنشأ لكم هذه الكواكب المنيرة، لتهتدوا بها إلى الطرق والمسالك خلال سيركم فى ظلمات الليل بالبر والبحر، حيث لاترون شمسا ولا قمرا، وقد وضحنا وبينا الآيات الدالة على قدرته ـ تعالى ـ، ورحمته بعباده، لقوم يعلمون وجه الاستدلال بها، فيعملون بموجب علمهم، ويزدادون إيمانا على ايمانهم، وثباتا عليالحق على ثباتهم، أما بالنسبة لغير المؤمنين فلعل هذه الآيات والدلائل تجعلهم يثوبون إلى رشدهم، ويخلصون العبادة والطاعة لخالقهم. 2 ـ وقوله ـ عز وجل ـ: «وهو الذى أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع»: بيان لبراهين أخرى تشهد بكمال درته ـ تعالى ـ وبسابغ رحمته. والمعنى: وهو الله وحده الذى أوجدكم ـ أيها الناس ـ من نفس واحدة وهى نفس أبيكم آدم ـ عليه السلام ـ كما فى قوله ـ تعالى ـ : «يا أيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالا ونساء.. » وفى هذه الآية الكريمة تذكير للناس بنعمة أخرى من نعم الله على خلقه، لأن رجوع الناس إلى أصل واحد، أقرب إلى التراحم والتواد والتعاطف والتعاون.. والفاء فى قوله: «فمستقر» للتفريغ عن انشأكم، أى: أوجدكم من نفس واحدة فلكم موضع الاستقرار فى الأرحكام أوفى الأرض ، ولكم موضع الاستيداع فى الأصلاب أو فى القبور. وهذا التقسير مأثور عن ابن عباس ـ رضى الله عنهما، وقد زكاه الإمام الفخر الرازى ـ رحمه الله ـ فقال: ومما يدل على قوة هذا القول أن النطفة الواحدة لاتبقى فى صلب الأب زمانا طويلا، فالمستقر أقرب إلى الثبات من المستودع، وقيل: المستقر حالة الإنسان بعد الموت، لأنه إن كان سعيد فقد استقرت تلك السعادة ، وكذلك إن كان شقيا، والمستودع حالته قبل الموت لأن غير المؤمن قد يصبح مؤمنا. وقيل: المستقر من خلق من النفس الأولى ودخل الدنيا واستقر فيها، والمستودع الذى لم يخلق بعد وسيخلق. والذى نراه أن الرأى الأول هو الصحيح، لأنه رأى جمهور المفسرين، ولأن شواهد القرآن الكريم تؤيده، كما فى قوله ـ تعالى ـ: «ولكم فى الأروض مستقر ومتاع إلى حين»، وكما فى قوله ـ سبحانه ـ : «ونقر فى الأرحام إلى أجل مسمى» ثم ختم ـ سبحانه ـ الأية الكريمة بقوله: «قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون» أى: قد وضحنا الآيات الدالة على قدرتنا لقوم يفقهون ما يتلى عليهم ويتدبرونه فينتفعون بذلك. 3 ـ ثم ذكرت سورة «الأنعام» أنواعا من النعم سوى ما سبق ذكره، وهذه الأنواع تدل دلالة واضحة على كمال قدرته وعلمه ورحمته واحسانه إلى خلقه فقال ـ تعالى ـ: [وهو الذى أنزل من السماء ماءً فأخرجنا به نبات كل شئ، فأخرجنا منه خضرا نخرج من حبا متراكبا، و ومن النخل من طلعها قنوان دانية، وجنات من أعناب والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه،، انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه، إن فى ذلك لآيات لقوم يؤمنون». [الآية: 99] أى: وهو ـ سبحانه ـ الذى أنزل من السحاب الذى هو من جهة السماء ماء، فأخرجنا بقدرتنا بسبب ذلك كل صنف من أصناف النبات والثمار المختلفة فى الكم وفى الكيف وفى الطعوم وفى الألوان. وسمى السحاب سماء، لأن العرب تسمى كل ما علا فهو سماء، ونزول الماء من السحاب قد جاء صريحا فى قوله ـ تعالى ـ : «أفرأيتم الماء الذى تشربون. أأنتم أنزلتموه من المزن ـ أى: من السحاب ـ أم نحن المنزلون». 4 ـ ثم شرع ـ سبحانه ـ فى تفصيل ما أجمل من الإخراج فقال: «فأخرجنا منه خضرا» أى: فأخرجنا من النبات الذى لاساق له نباتا غضا أخضر، وهو ماتشعب من أصل النبات الخارج من الحبة. وقوله ـ تعالى ـ «نخرج منه حبا متراكبا» أى: نخرج من هذا النبات الأخضر حبا متراكبا بعضه فوق بعض كما فى الحنطة والشعير وسائر الحبوب. وبعد أن ذكر ـ سبحانه ـ ما ينبت من الحب أتبعه بذكر ما ينبت من النوى فقال «ومن النخل من طلعها قنوان دانية» والطلع: يطلق على أول ما يبدو ويخرج من ثمر النخل. والقنوان: جمع قنو وهو العرجون بما فيه الشماريخ. أى: ونخرج بقدرتنا من طلع النخل قنوان دانية القطوف، سهلة التناول، وبعضها قريب من بعض لكثرة حملها. وقوله ـ سبحانه ـ وجنات من أعناب والزيتون والرمان متشابه وغير متشابه» أى: وأخرجنا بسبب هذا الماء النازل من السحاب، بساتين متنوعة الثمار بعضها متشابه وبعضها غير متشابه فى الهيئة والمقدار واللون والطعم، وغير ذلك من الأوصاف الدالة على كمال قدرة صانعها وحكمة منشئها ومبدعها. ثم أمر ـ سبحانه ـ عباده أن يتأملوا فى بديع صنعه فقال: «انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه» أى: أنظروا نظر تأمل واعتبار إلى ثمار هذه الأشجار حال ابتداء ثمارها، وحال ينعها ونضجها وكيف تصير جامعة للمنافع والملذات. ثم ختم ـ سبحانه ـ الآية الكريمة بقوله ـ تعالى ـ : «إن فى ذلكم لآيات لقوم يؤمنون» أى: إن فى ذلك الذى ذكرناه لكم م أنواع النبات والثمار، لدلائل عظيمة على وحدانية الله ـ تعالى ـ وعلى قدرته البالغة، لقوم يتحلون بنعمة الايمان.