الخميس 16 رمضان 1423 هـ الموافق 21 نوفمبر 2002 أخرج الإمام مسلم فى صحيحه عن معاذ بن جبل (رضى الله عنه) أنه قال: خرجنا مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عام غزوة تبوك فكان يجمع الصلاة، فصلى الظهر والعصر جميعا، حتى إذا كان يوم أخر الصلاة، ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعا، حتى ثم دخل، ثم خرج بعد ذلك فصلى المغرب والعشاء جميعا، ثم قال: «إنكم ستأتون غدا إن شاء الله تعالى عين تبوك، وإنكم لن تأثوها حتى يضحى النهار، فمن جاءها منكم فلا يمس من مائها شيئا، حتى أتى »، فجئناها، وقد سبقنا اليها رجلان، والعين مثل الشراك، تبض الشيء من ماء، قال: فسألهما رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «هل مسستما من مائها شيئا؟» قالا: نعم، فقال لهما النبى (صلى الله عليه وسلم) ما شاء الله أن يقول، قال: ثم غرفوا بأيديهم من العين قليلا قليلا، حتى اجتمع فى شيء، قال: وغسل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فيه يديه ووجهه، ثم أعاده فيها فجرت العين بماء منهمر (أى كثير الصب والدفع) أو قال غزير حتى استقى الناس، ثم قال (صلى الله عليه وسلم): «يوشك» يامعاد إن طالت بك حياة أن ثرى ماههنا قد مليء جنانا». وتصدق نبوءة المصطفى (صلى الله عليه وسلم) بعد ألف وأربعمائة سنة، فتتحول المنطقة حول تبوك الى مزارع عامرة بأفضل المزروعات، وأشهى الثمار والخضروات، وذلك لأن منطقة تبوك وما حولها تحوى أهم خزانات المياه تحت سطح الأرض فى الجزيرة العربية (وتكون جبل الساق، وتكونات مجموعة تبوك الرملية والتى تتميز بتركيبها من الحجر الرملى عالى المسامية والنفاذيه، وبمنكشف تزيد مساحته عن عدة عشرات آلالاف من الكيلو مترات المربعة الى الغرب من تبوك تعمل كمصيدة هائلة لمياه الأمطار التى تتحرك من سطح الأرض الى ما تحت سطحها بميل الطبقات الى الشرق فتخزن تحت أرض تبوك كمخزون مائى متخم يمثل أكبر مخزون مائى فى أرض شبه الجزيرة العربية. وهذا المخزون المائى الكبير قد تجمع خلال الفترات المطيرة من تاريخ شبه الجزيرة العربية، وقد ثبت أنه خلال الخمس والثلاثين ألف سنة الماضية مرت المنطقة بثمانى دورات من دورات الجفاف التى تخللتها سبع دورات من المطر الغزير، ونحن نحيا فى آخر دورة من دورات الجفاف تلك، ويبلغ متوسط هطول المطر فيها فى السنة بحوالى التسعة سنتيمترات يصل نصفها الى خزانات المياه تحت السطحية وبتبخر الباقى أو يفيض الى البحر. كذلك فى صخور «متكون تبوك» سمك هائل من صخور الصلصال والطفل التى تتبادل مع الطبقات الرملية وينتج عن تعدية هذه الطبقات المختلفة من الصخور الرملية والصلصالية والطفلية تربة من أجود أنواع الترب الصالحة للزراعة، وبذلك تهيأت منطقة تبوك بكل مبررات تحولها الى جنان كما تنبأ المصطفى (صلى الله عليه وسلم) من قبل ألف وأربعمائة سنة. ليس هذا فقط، بل إن الأرض تتحرك الآن نحو الدخول فى دورة جليدية جديدة، وحينما يزحف الجليد من أحد قطبى الأرض، أو منهما معا فى اتجاه خط الاستواء تتصحر الأرض التى تكسى بالجليد تصحرا جليديا فتهلك النباتات، وتهاجر الحيوانات، ويرحل السكان، وفى نفس الوقت يتحول الحزام الصحراوى الممتد من موريتانيا غربا الى أواسط آسيا شرقا الى منطقة مطر غزير كما حدث مرات من قبل، وجينئذ تفيض الأودبة الجافة أنهارا، وتكسى الصحارى القاحلة بالخضرة فتتحول مروجا مبهجة تصديقا لنبوءة المصطفى (صلى الله عليه وسلم) التى قالها فى حديث صحيح يرويه عنه أبو هريرة (رضى الله عنه) حيث قال سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: «لن تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجا وأنهارا» وتأتى المعارف المكتسبة فى كل من مجالى علوم الأرض وعلوم المناخ لتؤكد على أن أرض العرب كانت مروجا وأنهارا، وعلى أنها سوف تعود مروجا وأنهار كما كانت، ويأتى حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الذى نحن بصدده يتحدث عن منطقة تبوك بصفة خاصة، وعن أرض العرب بصفة عامة على أنها سوف تمتليء جنانا فى عصر يلى عصر النبوة الخاتمة فيقول (صلى الله عليه وسلم) مخاطبا راوى الحديث سيدنا معاذ بن جبل (رضى الله تبارك وتعالى عنه):« يوشك يامعاذ إن طالت بك حياة أن ترى ماههنا قد مليء جنانا» وهنا يبرز السؤال الهام: من غير الله الخالق يمكن أن يكون قد أخبر هذا النبى الآمى من قبل ألف وأربعمائة سنة بتلك الحقائق العلمية التى لم يتوصل الإنسان إلى إدراك شيء منها إلا منذ عشرات قليلة من السنين؟ومن الذى كان يضطره الى الخوض فى مثل هذه الأمور التى كانت غائبة عن الناس ـ كل الناس ـ فى زمانه (صلى الله عليه وسلم) وللعديد من القرون المتطاولة من بعده، لولا أن الله (تعالى) الذى ألهمه النطق بها يعلم بعلمه المحيط أن الإنسان سوف يصل فى يوم من الأيام الى اكتشاف تلك الحقائق، فتبقى هذه الومضات النورانية فى كتاب الله، وفى سنة رسوله (صلى الله عليه وسلم) شهادة حق على أن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق، وعلى أن هذا النبى الخاتم كان موصولا بالوحى، ومعلما من قبل خالق السماوات والأرض، وصدق الله العظيم إذ يقول فى وصف هذا النبى الخاتم (صلى الله عليه وسلم):وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحى يوحى علمه شديد القوى » (النجم: 3 ـ 5) د. زغلول النجار