الخميس 16 رمضان 1423 هـ الموافق 21 نوفمبر 2002 خدمة الدعوة والعمل على نشر الاسلام ليس مهمة الدعاة فقط فكل مسلم على اختلاف تخصصه ومهنته من الممكن ان يكون داعية بسلوكياته وأخلاقه وتقديم القدوة للآخرين بل ان تأثير المسلم المتمسك بتعاليم دينه أكبر من تأثير عدد كبير من الدعاة يتوقف دورهم عند القاء الخطب والمواعظ دون الاندماج فى حركة المجتمع أو توجيه سلوكيات الناس الى الالتزام فى كل أعمالهم بتعاليم الاسلام. فى هذا الحوار نلتقى الدكتورة زينب الأشوح الأستاذ بكلية التجارة بنات جامعة الأزهر لتوضح لنا كيف استطاعت خدمة الدعوة الاسلامية من خلال تخصصها فى مجال الاقتصاد وهى تؤكد انها نجحت فى الربط في كل ما تقدمه سواء فى المناهج التى تدرسها أو فى غيرها بين العلم والحياة والدين وتكونت لديها قناعة بضرورة ابراز عنصر المصلحة التى تتحقق للناس اذا تمسكوا بالدين على مستوى العبادات والمعاملات لأن عصر العولمة والنظام العالمى الجديد تهيمن عليه الماديات ولو توقف الدعاة عند حد الوعظ المباشر أو غير المباشر دون توضيح ما الذى سيعود على الناس من اتباعهم لأوامر الله واجتنابهم نواهيه فلن يكون لهم أى تأثير وهى تؤكد انها قامت بهذا الدور سواء فى مصر أو فى انجلترا التى حصلت منها على درجة الدكتوراه وتشير الى انها ابرزت الرؤية الاسلامية فى كل القضايا التى تناولتها فى دراساتها وبحوثها، موضحة ان كل هذا يخدم الدعوة بطريقة غير مباشرة. ـ كيف تستطيعين خدمة الدعوة الاسلامية من خلال عملك كأستاذة فى جامعة الأزهر؟ - أذكر ان طالبا صوماليا مسلما عندما كنت أعد رسالة الدكتوراه فى بريطانيا قال لى انك فى ذاتك دعوة متنقلة فى هذا البلد غير المسلم فقلت له ما معنى ذلك فقال لأنك محجبة ومظهرك اسلامى وبالتالى يستطيع أى انسان ان يخدم دينه ويخدم الدعوة من خلال مهنته أيا كانت هذه المهنة فالزى الاسلامى المتمثل فى الحجاب يعتبر دعوة للآخريات لارتدائه وكذلك الأخلاقيات والمعاملات لها تأثير كبير فى خدمة الدعوة، ومن المعروف ان التجار المسلمين فى الماضى نشروا الاسلام وخدموا الدعوة بأخلاقهم والتزامهم بتعاليم الاسلام فى التعامل مع أبناء الشعوب الأخرى وأنا أحرص فى عملى على ربط كل شئ بالدين سواء فى المنهج الذى أدرسه للطلاب أو فى غير المنهج ولن يشاد الدين أحد الا غلبه ولذلك أرفض بشدة الفصل بين الدين والعلم لأن الدين هو العلم وهو الحياة. ضوابط مطلوبة ـ أنت متخصصة فى الاقتصاد فكيف تربطين بين هذا العلم وبين الدين؟ - لقد أعددت بحثا عن سوق التأليف العلمى والدينى واكتشفت ان الذى يحصل العلم لمجرد المباهاة جزاؤه جهنم وبئس المصير فى الآخرة وفى الدنيا لا يعيش فى راحة أبدا ولذلك تكونت لدى قناعة بضرورة تسخير العلم وتوجيهه لخدمة الدين أيضا لابد ان يكون للعلم ضوابط فيكون طلبه لله ومن أجل افادة الآخرين وليس للمباهاة أو من أجل استغلال الناس كما أنه لا يجوز للعالم أن يكتم علمه عن الآخرين وقد حرصت على الالتزام بهذه الضوابط وطرح الرؤية الاسلامية فى القضايا الاقتصادية التى تعرضت لها فى دراساتى وأبحاثى بغض النظر عن الهدف من هذه الدراسات وحرصت أيضا على الالتزام بما أقول وان أعمل بما تعلمته ونقل خلاصة تجاربى العملية والنظرية للغير لأنه لو أغلق كل انسان بابه على نفسه ولم يحاول التعامل مع الآخرين وافادتهم والاستفادة منهم لضاع الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. لغة المصلحة ـ كيف يكون الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر من وجهة نظرك فى هذا العصر ؟ وما رأيك فى الذين يستخدمون القوة فى هذا الصدد ؟ - لست مع الذين يستخدمون القوة لأن هؤلاء ينفرون الناس من الدين ويجب ان يكون الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر بطرق تتناسب مع العصر الذى نعيش فيه وادخال لغة المصلحة أيضا فى هذا الأمر فلا يجب أن نكتفى بالتوجيه الدينى فقط فنحن نعيش فى اطار العولمة وفى ظل نظام عالمى جديد تطغى عليه الماديات بصورة غير مسبوقة لذلك أصبحت المصلحة هى الأداة المهيمنة على سلوكيات البشر سواء المتدينين أو غير المتدينين كما ان الاسلام مع المصلحة وليس ضدها مادامت لا تتعارض مع قيمه وأحكامه ونحن عندما نبين للآخرين المصلحة التى ستعود عليهم من الالتزام بتعاليم الاسلام فهذا أفضل من أن نقول لهم هذا حرام أو هذا حلال فلابد ان نفتح مجالا أوسع وبلغة أكثر اتقانا وبراعة لابراز جانب المصلحة فى كل ما يتعلق بالدين والدنيا فعلى سبيل المثال لو قلت للطالب عليك ان تتقن عملك وألا تلجأ الى الغش لأن الحديث يقول «من غشنا فليس منا» ربما لا يستجيب لذلك لكن لو قلت له: لو لجأت الى الغش فلن تستطيع النجاح فى المهنة التى ستعمل فيها بعد تخرجك وان سلوكك هذا سيعطى الفرصة ليحصل من لا يستحق على ما لا يستحق ثم اذكر له الحديث السابق فربما يكون ذلك أكثر اقناعا فالتركيز على لغة المصلحة أمر مهم يغفله الدعاة للأسف. اقتصاديات البركة ـ فى حديث سابق ذكرت مصطلح اقتصاديات البركة فما معنى هذا المصطلح ؟ - اقتصاديات البركة مصطلح اسلامى معاصر اشتقه بعض علماء الاقتصاد المسلمين لتوضيح تأثير بعض العوامل غير المنظورة فى المشروعات وكذلك تأثير الصدق والتقوى والمعاملات الاسلامية فى تحقيق الربح وبالتالى على سبيل المثال كثيرون منا ينسون بدء أعمالهم بالبسملة رغم أن هذه مسألة مهمة لتحقيق مفهوم اقتصاديات البركة وهو يعنى انه ليس المهم فقط ان أربح وأكسب وانما لابد ان يستمر هذا الربح والمكسب وأن يحقق لى أشياء ايجابية فى حياتى فالذين لا يهمهم غير الكسب المادى بأية طريقة لا يبارك الله لهم فى حياتهم بل ويصيبهم الله بالأمراض ويتعرضون لكثير من الأزمات وقد يندم هؤلاء فى وقت لا يفيد فيه الندم ولو أدى الانسان الصلاة فى الصباح لأقبل على عمله منشرح الصدر ولظل فى حالة سلام مع النفس طوال يومه ولتحقق له الرزق والبركة بطريقة لا يتصورها وتشير الأحاديث النبوية الى أن من فاتته صلاة الفجر يسيطر عليه الشيطان فيثقل عليه نومه ويستيقظ مشتت الذهن غير مستريح الجسم ولا يستطيع ممارسة عمله بالصورة الواجبة فالطالب اذا صلى الفجر وذاكر حتى الصباح تكون مقدرته على الفهم والاستيعاب أكبر وبذلك تحقق العبادات مصالح الانسان المادية والدنيوية وليس التعبدية والآخروية فحسب. ـ كيف نستطيع تطبيق هذا المفهوم على الذين يتكاسلون عن العمل فى رمضان بحجة الصيام ؟ - لا يجوز للانسان أن يتكاسل بحجة الصيام عن العمل أو أن يجعل رمضان اجازة لا تقضى فيه مصالح الناس واذا كان القرآن نهانا فى أثناء صلاة الجمعة عن البيع والشراء فانه أمرنا عقب الصلاة بالانتشار فى الأرض والسعى فيها من أجل الرزق وشهر رمضان جعل فيه الصيام من أجل راحة المعدة وليس من أجل ركود العقل وتجمد أعضاء الجسم وبالنسبة لى فان أكبر انتاج أحققه فى شهر رمضان لأن الانسان فيه لا يشتغل بالطعام واعداده ويتفرغ للعمل ولذلك من المفترض ان يزيد نشاط الانسان فى شهر رمضان لأنه يستطيع تنظيم وقته ويومه بطريقة أفضل من الأيام العادية ويستطيع الانسان أن يستفيد من هذا التنظيم بعد انتهاء شهر رمضان أيضا وبصفة عامة لابد من تنظيم أوقات العمل مع أوقات الصلاة بحيث لا يكون العمل على حساب العبادات مع الاستفادة من فترة السماح التى تفصل بين الصلوات حتى لا نعطل مصالح الناس فليس شرطا أن يؤدي جميع الموظفين فى مصلحة معينة الصلاة فى أول الوقت وانما يمكن أداؤها على مجموعات طوال الوقت المتاح لهذه الصلاة. غير ناجحة ـ كان من ضمن أهداف تطوير الأزهر فى الستينيات انشاء كليات مثل الطب والهندسة والتجارة وغيرها لتخريج الداعية الطبيب والداعية المهندس وهكذا هل نجح الأزهر فى تحقيق هذا الهدف ؟ - هذه التجربة لم تؤت ثمارها بالطريقة المرجوة واذا كنا لا نريد الداعية بشكله التقليدى فالداعية العصرى ليس من الضرورى أن يرتدى العمامة والكاكولا أو ان يتكلم فى الدين فقط وانما لابد ان يلم بعلوم الحياة العصرية لأن الأحكام الشرعية تتعلق بحياة الناس وتتعلق بالطب والهندسة والاقتصاد وغير ذلك ومن هذا المنظور تم ادخال العلوم الدنيوية الى جامعة الأزهر حتى يتم تدريسها فى نطاق الدين بحيث يخدم خريجوها الدعوة الاسلامية لكن هذه الأهداف لم تتحقق لوجود أساتذة ذوى توجهات علمانية فى جامعة الأزهر وهؤلاء يقومون بعملية توجيه عكسى مما يعوق رسالة الأزهر. ـ لكن هذا لا يعنى عدم وجود نماذج ناجحة فى حقل الدعوة من الأطباء والمهندسين وغيرهم سواء من خريجى الأزهر أو الجامعات الأخرى؟ - خريجو الجامعات الآخرى لا يسمح لهم بممارسة الدعوة وعلى أية حال هناك نماذج ناجحة بالفعل لكنها قليلة وتجربة الأزهر سارت فى طريق تحقيق المصلحة وتسخيرها فى خدمة الدعوة سواء كانت مصلحة تجارية أو صحية أو انشاءات وغير ذلك وفى الأزهر تتاح للباحث توجيه دراسته التوجيه الاسلامى وهذا قد لا يتاح فى الجامعات الأخرى فتحت مظلة الأزهر يمكن الحصول على ثلاث مجموعات من الدعاة مجموعة من خريجى الكليات الشرعية ومجموعة تعلمت فى كليات مثل الطب والهندسة وغيرها ثم التحقوا بالكليات الشرعية ومزجوا بين تخصصهم وبين الدراسات الاسلامية وهؤلاء هم النوع المفضل الذى نحتاج اليه وهناك مجموعة ثالثة تتعلق دراساتها بأمور الحياة ولم يحصلوا على تخصص شرعى ولكنهم تعمقوا فيه وربطوا بين تخصصهم وبين الاسلام تحت اشراف علماء الأزهر فربطوا بين تخصصاتهم والدعوة فهم لا يقدمون المعلومات بطريقة تخضع للفكر البشرى فقط لكنهم مزجوا هذه المعلومات بالفكر الدينى، وجامعة الأزهر لا تخرج فقط دعاة محليين وانما تخرج دعاة على مستوى العالم فعلماء الأزهر يعملون فى المراكز الاسلامية فى مختلف دول العالم وهناك فى الأزهر تعليم دينى باللغات الأجنبية المختلفة وهذا يخدم فى الرد على شبهات المستشرقين والتصدى للأخطاء التى وردت فى ترجمات معانى القرآن لأن الدعوة ليست موجهة للمسلمين فحسب بل هى موجهة لغير المسلمين فى المقام الأول والأقليات الاسلامية وقد عشت فى انجلترا وكان البعض يعتنق الاسلام ولا يجد من يجيد اللغة الانجليزية ليعلمه ما يجب ان يعرفه عن الاسلام وكنت أفعل ذلك مع بعض السيدات والفتيات اللاتى يعتنقن الاسلام. ـ من من الدعاة الذين كان لهم تأثير كبير عليك ؟ - كثير من الدعاة تأثرت بهم منهم الدكتور الأحمدى أبوالنور لأنه قدوة ومخلص فى دعوته وقد درست على يديه وكنت استشيره فى مختلف أمورى أيضا الشيخ محمد الراوى فهو الداعية المفضل بالنسبة لى لأن أسلوبه جذاب كذلك الدكتور عبدالله شحاته والشيخ محمد جبريل والشيخ أحمد فهمى وهو داعية كبير فى جماعة أنصار السنة المحمدية والدكتور على جمعة وبصفة عامة الداعية الذى يعجبنى هو الذى يمزج بين العلم والدين وصاحب الأسلوب المتميز والمظهر الجيد. القاهرة - ضياءالدين أحمد: