الاربعاء 15 رمضان 1423 هـ الموافق 20 نوفمبر 2002 قدم الأتراك العثمانيون اسهامات كبيرة في تاريخ العمارة الاسلامية إذ حملوا طرز مساجدهم ذات القباب الى كافة الولايات التي حكموها ولم يقتصر الأمر على أراضي الأناضول ومصر والشام والعراق وبلاد العرب والشمال الافريقي وانما امتدت هذه العمائر على طول الولايات الأوروبية في البلقان واليونان والمجر، ومابرح بعضها قائما الى اليوم ليشهد للعثمانيين بانهم كانوا ولعين بالعمارة وبناء المدن وليس فقط بالحروب والفتوحات. ومن أبرز المعماريين الترك الذين أسهموا في تطوير العمارة العثمانية المساجدية (خوجة سنان) أو المعمار سنان الذي يعد أشهر مهندس معماري في تاريخ تركيا العثمانية بل لعله الأشهر في تاريخ الترك قاطبة ولم لا وهو المعدود في تاريخ فن العمارة أحد قمم العالم وعباقرته. الصدفة، والصدفة وحدها هي التي قادت (سنان) الى أن يصبح مهندسا معماريا، فقد ولد في أسرة تقيم بقرية أغرناس Agirnas قرب قيصرية في عام 896هـ (1489م) ثم أخذ الفتى عنوة من اسرته وفق نظام الدوشيرمة Devsirme عام 918هـ (1512م) والدوشيرمة أي عملية جمع الشبان كانت احدى وسائل الدولة العثمانية لاعداد القوى المحاربة بها، وكان يتم جمعهم من القرى المسيحية في اراضي (الروملي) أي الاراضي البيزنطية السابقة، وذلك وفق مواصفات خاصة ثم يتلقى هؤلاء الشبان تدريبا عاليا سواء على المستوى العسكري أو على صعيد تلقين تعاليم الدين الاسلامي ويخدم هؤلاء بعد ذلك في قصر السلطان حيث يرتقون حسب كفاءاتهم إلى أعلى المراتب في الدولة ويصبح بعضهم من مرافقي السلطان، كما يختار البعض للمناصب العليا في الدولة كالصدارة العظمى (الوزارة). أما من يبقى من هؤلاء الشبان وهم الكثرة الغالبية فكان يتشكل منهم الجيش الانكشاري (من الكلمة التركية بين شرية بمعنى الجند الجديد). ويطلق على هؤلاء الانكشارية بمختلف رتبهم لقب (قابي قولاري) أي عبيد الباب العالي وهي اشارة للسلطان وذلك باعتبار ان هؤلاء الشبان قد جندهم السلطان لخدمته واصبحوا بمثابة عبيده، وذلك لتمييزهم عن المسلمين الاحرار الذين منعوا اصلا من الالتحاق بفرق الانكشارية. وشاءت الاقدار ان يلتحق الصبي الذي تسمى بعد ترتيبه اسلاميا باسم (سنان) بالجيش الانكشاري، وبعد انتهاء مدة تعليمه العسكري حارب كجندي في الحملة العثمانية على بلجراد (929ه/1521م) وساهم في حملات سليم الأول على بلاد فارس والشام والعراق ومصر وزار البلقان والمجر وجنوب النمسا. وفي عام 945هـ (1538م) وأثناء الحملة على موالدافيا، حظى سنان بتقدير السلطان العثماني بعد أن أقام جسرا فوق نهر (بروت) في خلال 13 يوما ثم بنى جسرا اخر عبر الدانوب ومالبث ان اصبح خوجة سنان كبيرا للمهندسين وهو في الخمسين من عمره. وفي تلك اللحظة كان سنان قد شيد بالفعل 364 عملا معماريا في أرجاء الامبراطورية العثمانية وهو لا شك عدد كبير يدل على نشاطه البالغ وتحمسه لفن العمارة. ولا مراء في أن سنان قد افاد كثيرا في تجواله في الاراضي العثمانية وماجاورها من بلدان الشرق الاسلامي والغرب الاوروبي خلال الحملات العسكرية المختلفة حيث كان يفحص بعناية المنشآت في البلاد التي يزورها ويمزج بين الملاحظات والأفكار المختلفة التي يلتقطها من هنا وهناك وبين التقاليد المعمارية التركية. وقد استحق خوجة سنان مكانته كمهندس عبقري من ابداعاته في تصميم القباب المركزية التي كانت الأمل والمثل الأعلى عند معماري عصر النهضة في ايطاليا، فكان بحق أستاذا كبيرا في بناء القباب، كما اشتهر سنان أيضا بعبقريته الفذة في تنسيق المساحات. قام سنان في أعماله المبكرة بمحاولات ناجحة لاستكشاف مايمكن ان يعطيه الفراغ المتاح داخل البناء من امكانات وظيفية دون أن يتخلى عن التقاليد المعمارية العثمانية التي ظهرت في مدن أزنيق وبورصة وأدرنة. ومن تلك الأعمال المعمارية الأولى مجمع الخسروية الذي شيده في عام 943هـ (1537م) في مدينة حلب لخسرو باشا والي دمشق. وتتألف هذه المجمعة الصغيرة الحجم من مسجد له قبة واحدة على غرار المساجد العثمانية المبكرة ولكنه أضاف لتصميمه قبة صغيرة في الاركان الخلفية عند الصفة ذات القباب الخمس التي تتقدم بيت الصلاة وذلك بغرض زيادة المساحة في هذين الجانبين. والى جوار المسجد عدة ابنية اخرى تضم مدرسة ودارا للمعرفة (دار الشوربة) ودارا للضيافة وبعض الحمامات. ورغم أنه لم يقم بوصل هذه المباني مع بعضها البعض الا أنه بتخفيضه لارتفاعاتها سمح للمسجد أن يبرز بوضوح وان يكون مع ما حوله وحدة متكاملة تهيمن عليها قبته الهائلة ومئذنته الغليظة. ويبدو أن سنان قد أفاد عند تنفيذه للخسروية في حلب من عمله كمساعد مهندس في مسجد ومجمع مشابه أقيما في كبزة عام 931هـ (1523م) لأحد ولاة مصر السابقين (جوبان مصطفى باشا) وذلك عندما قام باستكمال تنفيذ تصميم هذا المجمع المعماري الكبير. أما أول أعمال سنان في استانبول فهو (المجمع الخصكي) الذي بناه (لحرم سلطان) زوجة السلطان سليمان القانوني في عام 946هـ (1539م) وتظهر أهم مراحل عبقرية سنان المعمارية من خلال ثلاثة أثار عظيمة هي مسجد شهر زاده ومسجد السليمانية باستانبول ومسجد السليمية بأدرنه. وقد بدأ العمل في بناء مسجد شهر زاده في عام 951هـ (1544م) بأمر من السلطان سليمان القانوني تخليدا لذكري ولده الأكبر واثيره «شهرزاد محمد» الذي توفى وهو بعد في الواحد والعشرين من عمره، ومساحة هذا المسجد مربعة يبلغ طول ضلعها 38 مترا وقد غطيت بقبة مركزية قطرها 19م تعتمد على أربع دعامات ومن حول هذه القبة أربعة أنصاف قباب ثم قبة صغيرة في كل ركن من أركان حرم المسجد، وبلغ ارتفاع قمة القبة الرئيسية عن أرض المسجد 37 مترا. ويصف سنان عمله في مسجد شهرزاده بأنه أحد أعمال فترة تلمذته، وكان آنذاك في محاولات سنان لمعالجة مشكلة نصف القبة وكيف أنه تجاوز بمحاولته مشاكل قباب أيا صوفيا ومسجد بايزيد عندما ابتكر النموذج المثالي للمبنى ذي القبة المركزية وأنصاف القباب الأربعة التي تحيط بها. فقد اكتفى سنان هنا بتغطية رؤوس دعائم القبة الأربع من الخارج بقباب مضلعه على هيئة أبراج أكسبت المسجد مظهرا أكثر قوة وللمسجد مئذنتان عند ركنيه المجاورين للصحن ولكل مئذنة شرفتان للآذان ترتفع الواحدة بمقدار 415 متراً وتظهر حوائط المسجد من الخارج وكأن الواحدة منها تلي التي خلفها وترتكز على قمتها حتى لتبدو هيئة المسجد وكأنه هرم مدرج. وجامع شهرزاده على جانب كبير من الأهمية إذ يمثل نقطة بداية حقيقية استلهمها المعماريون الذين جاءوا بعد سنان باعتباره أضخم وأرحب أعمال المهندس سنان. وفي السنة ذاتها التي أنجز فيها سنان مسجده شهرزاده نجده أيضا يكمل بناء مسجد «مهرماه سلطان» فوق مدرج مرتفع يشرف على مرفأ سفن، بمدينة أسكدار ونظرا لأن «مهرماه سلطان» كانت إحدى بنات سليمان القانوني من زوجته المفضلة «حرم سلطان» فقد أضفى على بناء المسجد لمسة تجديدية عندما استعاض عن نصف القبة الامامي واثنتين من قباب الأركان بصفة ذات خمس قباب ومئذنة سامقة في كل جانب ليتم بهذا الابتكار واجهة شاهقة ومتناسقة في ذات الوقت. وبعد ذلك تفرغ سنان لإنجاز أحد أهم أعماله المعمارية واستغرق منه ذلك جهدا مضنيا إستمر سبع سنوات إنتهت في عام 965 هـ ( 1557م) بتشييد مسجد سليمان القانوني ومجمعه المعماري وعندها كان سنان قد تجاوز الستين من العمر. وترجع عبقرية سنان إلى تنسيقه لبناء المسجد الضخم ثم ربطة بمجمع يضم 18 مبنى إلى جانب الاضرحة ونسق كل هذا بأسلوب المثلي من مدرجات الربوة التي تشرف على القرن الذهبي ( البسفور ). واختار سنان للمسجد أن يقوم كوحدة مستقلة وأن ينعكس تخطيطة الداخلي على مظهره الخارجي، فجعل قطر القبة الرئيسية 265 مترا وإرتفاعها 53 مترا وهي أكثر قباب استانبول ارتفاعا بعد أياصوفيا.ولزيادة اتساعها من ناحيتي المدخل والقبلة (الشمال والجنوب) أضاف سنان نصفي قبة من كل ناحية بارتفاع 40 مترا، أما المساحتان الموجودتان إلى اليمين واليسار فقد غطيت كل منهما بخمس قباب، وبدلا من الرتابة التي قد تنجم عن استخدام قباب صغيرة متماثلة فقد لجأ سنان إلى ابتكار حل معماري فريد يتخلص في بناء قبة صغيرة تليها أخرى كبيرة بالتبادل وبحيث تكون القبة التي تتوسط الخمس هي الأكبر وتتعادل في اتساعها مع القبة الركنية. ثم نرى خوجه سنان يعود إلى إحياء التصميمات التركية التقليدية عندما قام في سنة 964 هـ (1555م) ببناء مسجد لأمير البحر سنان باشا في بشكطاش باستانبول، فقد لجأ سنان هنا إلى استخدام تخطيط مصغر من مسجد «أوج شرفلي» في أدرنه، وإن مارس فيه تجربة عمل حوائط تتبادل فيها مداميك الحجر المنحوت مع الطوب وقد نجح سنان في هذا المسجد بفضل تعديل الابعاد والنسب لأكساب بيت الصلاة رحابة واضحة التأثير. وبعد العديد من التجارب في منشآت صغيرة أبدع المهندس سنان وهو في الثمانين من عمره مسجد السليمية في أدرنه ويشتمل هذا المسجد على الابتكارات والتجديدات التي استحدثها سنان هي ذلك الوقت بالإضافة إلى مستحدثات العمارة التركية. ويصف سنان مسجد السليمية في أدرنة بأنه يمثل رائعته المعمارية وقد استغرق بناؤه خمس سنوات انتهت في عام 982 هـ ( 1574م) وهو يمثل الرمز الحي لمدينة أدرنه العاصمة القديمة للدولة العثمانية. ويظهر هذا المسجد متجليا من بعيد بفضل قبته الهائلة (قطرها 315م) التي تفوق قبة أيا صوفيا وبمآذنه الأربع الرشيقه التي تدور حول قاعدة قبته المثمنة ويصف سنان رائعته، مسجد السليمية، في تذكرة البنيان» بقوله: «وترتفع المآذن الأربع عند أركان القبة الأربعة ولكنها ليست غليظة كالبرج مثلما هي الحال في مآذن الأربع عند اركان القبة وإذا قد شاع بين المهندسين المسيحيين القول بتفوقهم على المسلمين لأنه لم تقم في العالم الإسلامي كله قبة تضارع أو تنافس قبة أيا صوفيا فقد حز في نفسي كثيرا أن يقال أن بناء قبة بمثل ضخامة أيا صوفيا ربما يكون من الاعمال العسيرة، ولهذا قررت مستعينا بالله تعالى إقامة هذا المسجد في عهد السلطان سليم خان علا قبته أوسع من أيا صوفيا».. ان أعمال خوجه سنان تدل بوضوح على عبقريته المعمارية المتفردة وأيضا على تأثيره الحاسم على أفكار المعماريين العثمانيين الذين جاءوا من بعده فهو بحق أعظم مهندسي الاتراك وأحفلهم ببناء القباب التي ظلت عنوانا بارزا على عمارة المساجد التركية في العصر العثماني. د. أحمد السيد محمد