الاربعاء 15 رمضان 1423 هـ الموافق 20 نوفمبر 2002 أحمده تعالى وأصلي وأسلم على خير رسله محمد «صلى الله عليه وسلم»، وبعد. سورة الحجر من السور المكية وعدد آياتها تسع وتسعون آية، وهما الخامسة عشرة في المصحف الشريف، قد عدّت الرابعة والخمسون في عداد نزول السور، نزلت بعد سورة يوسف وقبل سورة الأنعام، وسورة (الحجر) أظهرت تميزها في مقاصد أسماء السور وذلك لتميزها باسم علم لم يتكرر في كتاب الله تعالى إلا في هذه السورة، ولما كانت أهمية هذه الحادثة ذات طابع خاص يظهر جانب القوة التي يحصل عليها الإنسان في تمكنه من نحت الحجارة، وعندما ظن هذا الإنسان انه بهذه القوة يستطيع تحدي الواحد القهار، أظهر الله له مزجه من نفس ما امتزج به عمله وهو نحت الحجارة فأخرج له من الحجارة ناقة آية تدل على صدق رسولهم الذي ارسل اليهم وانه رسول من رب العالمين الذي أخرج له معجزة الناقة من الحجر على حسب الصفات التي طلبوها فأمر الله عز وجل تلك الصخرة أن تنفطر عن ناقة عظيمة عثراء على الوجه المطلوب الذي طلبوا وعلى الصفة التي نعتوا، فلما عاينوها كذلك رأوا أمراً عظيماً هائلاً وقدرة باهرة ودليلاً قاطعاً وبرهاناً ساطعاً فآمن كثير منهم واستمر أكثرهم على كفرهم وضلالهم وعنادهم، وهكذا جاءت أهمية السور كبقية السور المكية تدور حول نقاش المشركين في معتقداتهم وأفكارهم وما يتبع ذلك من اثبات البعث وتذكير الإنسان بنشأته الأولى وعلاقته بالملائكة والجن، ثم ذكر قصص بعض الأنبياء، وختم السورة بالحديث مع الرسول الكريم محمد «صلى الله عليه وسلم»، ثم بعد ذلك نجد في مقاصد اسماء السور ان سورة (الحجر) أخذت هذا العنوان لما له من خاصية لأنه يشير الى اسم مميز له شأن فكان عنوان السورة له علاقة بمضمونها الذي فيه الدلالات الواضحة والمشيرة الى أهمية اتباع الأوامر الربانية والتسليم لرسل الله عليهم السلام، وجاءت اشارات هذه السورة محذرة مشركي مكة خاصة والكفار عامة مما سوف يحل بهم في حالة تكذيبهم لرسولهم محمد «صلى الله عليه وسلم» وضرب لهم المثل بأهل الحجر فهم على قوتهم البدنية التي مكنتهم من نحت الجبال إلا انها لم تمنع عنهم العذاب حينما رفضوا دعوة الحق، وأصحاب الحجر هم ثمود، كانوا يقيمون الحِجْر بكثر الحاء وسكون الجيم، والحجر: المكان المحجور: أي الممنوع من الناس بسبب اختصاصهم به، واشتق من الحجارة لأنهم كانوا ينحتون بيوتهم في صخر الجبل نحتاً محكماً، وقد جعلت طبقات وفي سطحها بئر عظيمة وآيات كثيرة، والحجر هو المعروف بوادي القُرى وهو بين المدينة والشام، وهو المعروف اليوم باسم مدائن صالح على الطريق من خيبر الى تبوك. وبعد معرفة (الحجر) اسماً ومكاناً ينظر الى هذه السورة من خلال العنوان الذي وضع لها وهو (الحجر) الذي لم يذكر في غيرها بين دفتي المصحف الشريف، وهذا يدعونا الى النظر والعبرة في عظمة الأسماء ومعالم الألفاظ في كتاب الله تعالى، فإن هذه الأسماء لها مدلولها (فالحجر) اسم لنوع من مخلوقات الله، وهو الحجر. والحجر معلوم ولكن ليس هو المقصود مباشرة وانما هو مقصد من المقاصد العظيمة في هذه السورة، حيث وضحت ان هذا الجماد أخرج الله منه الناقة وهي الحيوان الأليف الذي يستفاد منه، وكون هؤلاء القوم اتخذوا من الحجارة وسيلة لحمايتهم من حر الصيف وبرد الشتاء. والحماية من العدو، وعلى شدة تعلقهم بفن النحت على الحجارة بيّن الله لهم قدرته من خلال ذلك النحت والحجر الذي أخذ عنوان اسم السورة في معالم الألفاظ التي تشير الى ان الله جعل في كل شيء خلقه حكمة وفي هذه الحادثة اشارة عظيمة الى من يحيا من الأمم من بعد أصحاب الحجر وأن يستفيدوا من هذه الحوادث لتكون داعية لهم للإيمان برب العالمين. ونجد الاشارة في هذه القصة وما تثيره في النفس من شعور بالخوف من عذاب الله ونقمته، وبالأمن في حمى الإيمان بالله وقوته وعلى اشتمال وحدانية الله على الكثير من نعمه على ثمود واقامة الحجة عليهم عند تذكيرهم بهذه النعم، وانقطاع حجتهم لما أراهم آية الناقة واستنفاذ نبيهم صالح عليه السلام كل ما في جهده لاقناعهم ودعوتهم الى الله وبذلك استحقوا لتحديهم واتيانهم ما حذروا وهو عقر الناقة. ولو نظرنا الى اشارات هذه السورة في هذه القصة وما دلت عليه من آيات الاعجاز التي ذكرها الله في اخراج الناقة من الحجر، فجاءت دلالات مقاصد أسماء السور لتوضح ان هذه السورة أخذت اسم الحجر عنواناً لها، فدل على ان معالم الألفاظ لها ذكر في كتاب الله وهذه المعالم التي أشار اليها القرآن الكريم، كانت معروفة لدى العرب ويعرفون مكانها، وهذا واضح في السيرة النبوية للرسول «صلى الله عليه وسلم»، عندما تحدثت عن مغازيه وذكرت مروره على أصحاب الحجر. وقال «صلى الله عليه وسلم»: «ولا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم، إلا ان تكونوا باكين، ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي». وفعل الحبيب «صلى الله عليه وسلم» هذا فيه دلالة على عدم دخول دار الظلمة، فكيف من يفعل فعلهم وحتى هذا توجيه للأمة الاسلامية أن تتقي الله وخاصة في هذا الزمن الذي جار فيه أهل الباطل على أهل الحق، فينبغي على هذه الأمة أن تتنبه على نفسها وأن تعيد حساباتها حتى ترجع أمة قوية وان الله قادر على كل شيء ولا يعجزه شيء فعلينا جميعاً أن نتلمس رضا الله حتى نحصل على رضاه الذي به فوز الدنيا والآخرة والحمد لله رب العالمين. د. سيف الجابري