الاربعاء 15 رمضان 1423 هـ الموافق 20 نوفمبر 2002 التصوير القرآني لمخاطر الصعود في الفضاء.. كان موضوع دراسة علمية طبية قام بها د. عبد العزيز البلتاجي الاستاذ بكلية الطب جامعة طنطا.. حيث تعرض الباحث لقول الله تعالي (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون).. ففي تفسير النيسابوري للآية قال: شرح الله صدره فانشرح.. أي: وسعه بقبول ذلك الأثر.. ولاشك أن توسيع الصدر غير ممكن على سبيل الحقيقة ولكن المعنى أنه إذا أعتقد الإنسان في عمل من الأعمال أن نفعه راجح مال طبعه إليه وظهر في القلب استعداد شديد لتحصيله.. فسميت هذه الحالة سعة الصدر.. وأن حصل في القلب اعتقاد معاكس حصل في النفس إعراض.. فيقال لهذه الحالة ضيق الصدر وأكثر استعمال شرح الصدر في جانب الحق والإسلام. وفي معنى الآية يقول ابن كثير: ضيقا حرجا بلا إله إلا الله حتى لا يستطيع أن تدخله، كأنما يصعد في السماء من شدة ذلك عليه أما الزجاج فيقول: الحرج في اللغة أضيق الضيق، و(يصعد في السماء) كأنما يزاول أمرا غير ممكن.. لأن صعود السماء يبتعد ويمتنع عن الاستطاعة، وكأن الكافر في نفوره من الإسلام وثقله عليه بمنزله من يتكلف الصعود إلى السماء. ثم يعلق الباحث على كلام النيسابوري ويقول انه يثبت خطأه في القرن العشرين الميلادي،إذا إستطاع البشر أن يتصعدوا في طبقات السماء الأولى ويتجولوا بين أجرامها. ومن المفسرين المحدثين هناك محمد الطاهر بن عاشور الذي يقول في تفسيره المسمى (التحرير والتنوير): إن حال المشرك حين يدعي الإسلام أو حين يخلو بنفسه فيتأمل في دعوة الإسلام، فإنه يشبه حال الصاعد، فالصاعد يضيق تنفسه في الصعود، والسماء يجوز أن تكون بمعناها المتعارف عليه، ويجوز أن تكون الجو الذي يعلو الأرض. بينما يقول د. محمد محمد حجازي في التفسير الواضح: فمن يرد الله أن يهديه للحق يشرح صدره للقرآن، ويوسع قلبه للإيمان، فعند ذلك سينير الإسلام في قلبه ويتسع له صدره.. وهذا يكون عند من حسنت فطرته وظهرت نفسه وكان فيها استعداد للخير وميل إلى إتباع الحق. ومن فسدت فطرته وساءت نفسه.. وطلب إليه أن ينظر في الدين ويدخل فيه، فإنه يجد في صدره ضيقا، وأي ضيق، كأنه كلف من الاعمال مالا يطيق، أو أمر بصعود السماء، وأصبح حالهم كحال الصاعد في طبقات الجو،والمرتفع في السماء، كلما إرتفع وخف الضغط عليه شعر بضيق في النفس وحرج في القلب. ويوضح الباحث أن في الآية القرآنية التي وردت في البداية وهي الآية رقم 125 من سورة الأنعام، معجزة علمية، وضحت حقيقتها مؤخرا..وهي إنخفاض الضغط الجوي بالصعود في طبقات الجو، مما يسبب ضيق صدر الصاعد حتى يصل إلى درجة الاختناق، فيكون في الآية تشبيه للحالة المعنوية بهذه الحالة الحسية، التي لم تعرف إلا في عصرنا الحاضر. فقد اكتشف تورشيللي في عام 1643م أن سائل الزئبق يمكن ضخه إلى أعلى في أنبوب بفعل الضغط الجوي حتى يصل إرتفاعه إلى 76 سنتيمتراً فقط، وعلى هذا الأساس أمكن استنتاج أن عمودا مماثلا من الهواء يمتد حتى نهاية الغلاف الجوي يكون محتويا لكمية من الهواء وزنها مساو لوزن كمية الزئبق الموجودة في الانبوب وذلك حتى إرتفاع 764 سنتيمتراً. وأكد تورشيللي صحة نظريته بأن حمل عمود من الزئبق إلى قمة جبل عال، ولاحظ نقصان إرتفاع عمود الزئبق،نظرا لأن جزء من الغلاف الجوي قد أصبح آنذاك تحته..ومن ثم فلن يبذل هذا الجزء أية قوة على عمود الزئبق ثم توصل الإنسان إلى أنه كلما إرتفع عن مستوى سطح البحر كلما نقص وزن الهواء، وذلك نتيجة لنقص سمك الغلاف الجوي الغازي من جهة، وتخلخل الهواء أو إنخفاض كثافته من جهة أخرى. ويتأثر هذا أيضا، تبعا لإختلاف درجة الحرارة. ولم يتوصل الإنسان إلى معرفة هذه الظاهرة إلا في القرن التاسع عشر (في عام 1804 م) حينما صعد بالبالون لأول مرة إلى طبقات الجو ظنا بأن الهواء ممتد إلى ملا نهاية. لقد أصبح التفسير العلمي لظاهرة الضيق والاختناق عند الصعود في طبقات الجو العليا معروفا الآن بعد سلسلة طويلة من التجارب والارصاد التي أجراها العلماء لمعرفة مكونات الهواء وخصائصه، وقد ثبت أن الضغط الجوي يقل مع الإرتفاع عن سطح الأرض، بحيث ينخفض إلى نصف قيمته تقريبا كلما إرتفعنا مسافة 5 كيلو مترات عن مستوى سطح البحر بشكل مطرد وطبقا لهذا فإن الضغط الجوي ينخفض فيصل إلى ربع قيمته على إرتفاع 10 كيلو مترات وإلى 1 على إرتفاع 30 كيلو مترا.. كما تتناقص كثافة الهواء بدورها تناقضا شديدا مع الإرتفاع حتى تقارب شبه العدم عند إرتفاع ألف كيلو متر من سطح الأرض.. ومن ناحية أخرى فإن الاكسجين يقل في الجو كلما إرتفعنا إلى أعلى نظرا لنقصان مقادير الهواء. وهكذا يمكن أن يضيق صدر الإنسان ويختنق بصعود إرتفاعات أعلى من10 كيلو مترات إن لم يكن داخل غرفة مكيفة، وذلك نتيجة لنقص الضغط الجوي ونقص الاكسجين اللازم للتنفس.. وبدون هذه الغرفة المكيفة يصاب الإنسان بالكسل والتبلد ويدخل في حالة من السبات وفقدان الذاكرة.. ويتعرض لأضرار الأشعة الساقطة عليه من خلال الغلاف الجوي. ويصاب بحالة ديسبارزم فتنتفخ بطنه وتجاويف جسمه، وينزف من جلده، ويتوقف تنفسه، ويتدمر دماغه، ويدخل في غيبوبة ثم يموت. كما أثبتت علوم طب الفضاء إصابة الصاعد في طبقات الجو العليا دون الإحتماء في غرفة مكيفة، بالإعياء الحاد، وإرتشاح في الرئه، وأوديما في الدماغ ونزف شبكية العين،واضطراب التوجه الحركي في الفضاء، وإحمرار العصر ثم أسوداده. وأسوداد البصر هو أعلى حالات الهلوسة البصرية.. إذ الأعين موجودة وسليمة وظيفيا.. لكن الضوء غير موجود.. حيث لا يوجد في طبقات الجو العليا سوى الظلام الحالك.. فيظن الصاعد في تلك الطبقات أنه قد أصابه سحر أفقده القدرة على الأبصار وقد يكون هذا ما يشير إليه القرآن الكريم في قول الله تعالي (ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون، لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون) ونعود إلى الآية الرئيسية في موضوع البحث وهي قوله تعالي (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون). لنرى كم هي بليغة وكم هي معجزة.. فهي بليغة إذ تشبه حال الكافر المعاند الذي يكابر ويرفض هداية الله وإتباع الوحي الذي أنزل على آخر الرسل والأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم..وهذا الكافر المعاند المكابر يضيق صدره كلما ابتعد عن هدي الله أي كلما ضل عن الطريق الإسلامي.. كما أنها آية معجزة، إذا أوضحت ظاهرة جوية وحقيقية فضائية لم يتوصل العلماء إلى معرفتها إلا في القرن التاسع عشر والقرن العشرين الميلاديين، وهي الضيق والاختناق كلما ارتفع الإنسان في طبقات الجو.. أي في السماء. القاهرة ـ السيد أبو داود: