الاربعاء 15 رمضان 1423 هـ الموافق 20 نوفمبر 2002 قال الله سبحانه وتعالى: (واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلاً جسداً له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلاً اتخذوه وكانوا ظالمين) «الأعراف :148». قوله تعالى : (من بعده) أى: من بعد ذهابه لميقات ربه بعد أن قال لهارون :( أخلفنى في قومى)«الأعراف:142». بعد ذلك اتخذ قوم موسى من حليهم عجلاً جسداً له خوار ونعرف أن الحلى هو ما يتزين به من الذهب والجواهر والأشياء الثمينة. وسيد هذه الحلى هو الذهب دائماً ونعلم أن الصانع الماهر يشكل الذهب كما يريد وإن انكسر يسهل إصلاحه كما أن كسر الذهب بطيء ولذلك يقال : إن الذهب كالإنسان الطيب كسره بطيء وانجباره سهل. وساعة نسمع كلمة :«زينة» نعلم أنه يدخل فيها الماس والزمرد والياقوت لكن الذهب سيد هذه الحلى. وأن العالم مهما ارتقى فلن يكون هناك غطاء لأمواله إلا الذهب ولذلك لم يأت سبحانه بالياقوت أو بالجواهر أو بالماس. ولذلك إذا أطلقت كلمة :«الحلى» فالمراد بها الذهب. وهذه الزينة هى التى صنع منها موسى السامرى تمثال العجل هى من الذهب لأن الماس والجواهر لا يمكن صهرها. ولكن من أين جاء قوم موسى بالحلى وقد كانوا مستضعفين ومستذلين ؟ لقد احتالوا على أهل مصر وأخذوا منهم الحلى كسلفة سيردونها من بعد ذلك ثم جاء رحيلهم فأخذوا الحلي معهم. وغرق قوم فرعون وبقيت الحلي مع قوم موسى وصنع موسى السامرى من ذهب هذه الحلى عجلاً والعجل هو الذكر من ولد البقر وساعة تسمع قوله تعالى :(عجلاً جسداً) أى : أنه محجم أى له حجم واضح. وأخذ أهل التفسير من كلمة:( جسداً) أن ذلك العجل هو بدن لا روح له مثلما نقول :«فلان هذا مجرد جثة». أى كأنه جثة بلا روح. وقوله الحق سبحانه :(عجلاً جسداً له خوار) هذا القول يدل على أن جسديه العجل لم تكن لها الحياة لأنه لو كان جسداً فيه روح لما احتاج إلى أن يقول: (عجلاً جسداً له خوار) واكتفى بالقول بأنه عجل. لكن قوله سبحانه :(له خوار) دليل على أن الجسدية في العجل لا تعطى له الحياة. وجاء بالوصف في قوله :( له خوار) والخوار هو صوت البقر. وقد صنعه من الذهب وكأنه يريد أن يتميز عن الآلهة التى كانت من الأحجار وحاول أن يجعله إلهاً نفيساً فصنعه - كما نعرف - من الحلي المسروقة. ولماذا أختار السامرى العجل؟ لأنهم حين خروجهم من مصر رأوا قدماء المصريين وهم يعبدون العجل لمزية ظنوا أنها فيه فقد كانوا يرون فيه مظهر قوة كما عبد الآخرون الشمس حين رأوا فيها مظهر قوة وكذلك من عبدوا القمر والنجوم وقدماء المصريين عبدوا العجل لأن فيضان النيل كان يغمر الأرض بالمياه وكانوا يستخدمون العجل حين يريدون حرث الأرض. ولكن كيف اتخذ قوم موسى من بعده عجلاً يعبدونه بعد أن أتم عليهم الله المنة العظيمة حين انجاهم وأغرق فرعون وآله؟ هنا أوضح لنا الله أنه جاوز ببنى إسرائيل البحر ومروا على قوم يعبدون الأصنام فقالوا لموسى عليه السلام :( اجعل لنا إلها كما لهم آلهة)« الأعراف:138». ويأتى القول من الحق:(ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلاً اتخذوه وكانوا ظالمين)«الأعراف:148». وهذه قضية تهدم أساس العبادة لأن العبد لا بد أن يتلقى من المعبود أوامر وأن يكون عند المعبود منهج يريد من العبد أن ينفذه وأن يأتى المنهج بواسطة رسل يبلغون رسالات الله وكلام الله للبشر. أما الذين يعبدون الشمس - مثلاً- فنسألهم : لماذا تعبدونها؟ وما المنهج الذى أرسلته الشمس لكم إن العبادة هى طاعة العابد للمعبود فهل قالت لكم الشمس «افعلوا»و«لا تفعلوا»؟ (وهكذا يبطل أمامنا كل عبادة لغير الله من ناحية أن العبادة تقتضى أمراً ونهياً في «افعل» و«لا تفعل» ولم يقل معبود من هؤلاء ما الذى نطيعه وما الذى نعصاه والأصل في المعبود أنه يهدى العابد السبيل الموصل إلى خيره في الدنيا وفى الآخرة. لذلك يقول الحق :( ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلاً اتخذوه وكانوا ظالمين)«الأعراف:148» و(كانوا ظالمين) لأنهم أعطوا حقاً لمن ليس له الحق والإيمان بالله تعالى إلها واحداً لا إله غيره ولا رب سواه أعلى قمة في الحق ولذلك قال عن الشرك به سبحانه :( ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين)«الأعراف:149». هذا يوضح لنا أن عبادة العجل بين قوم موسى صار لها جمهوراً. لكن الناس الذين امتلكوا قدراً من البصيرة أو كان عندهم بقية من إيمان قالوا : هذه الحكاية سخيفة وما كان لنا أن نفعلها وندموا على ما كان ويقال : سقط في يده وهذه من الدلالات الطبيعية الفطرية التى لا تختلف فيها أمة عن أمة بل هى في كل الأجناس وفى كل لغة تشير إلى أن الإنسان إذا ما فعل فعلاً وحدث له عكس ما يفعل يعض على الأنامل ندماً وغيظاً وهذه من الدلالات الفطرية الباقية لنا من الالتقاء الطبيعى في المخاطبات وفى كل الأجناس. ويعض الإنسان الأنامل لأنه عمل شيئاً ما كان يصح أن يعمله فإذا كان الشيء عظيماً فهو لا يكتفى بالأنامل بل يمسك يده كلها ويعضها. والحق يقول:(ويوم يعض الظالم على يديه) «الفرقان:27» (سقط في أيديهم)«الأعراف:149».أى: جاءت أنيابهم على أيديهم كأن الندم بلغ أشده إن ذلك حدث من التائبين الذين أبصروا بعيونهم ورأوا أن ذلك باطل وخسران. أى قالوا : لئن لم يتداركنا الله برحمته ومغفرته لنكونن من الهالكين وهذا اعتراف منهم بذنبهم والتجاء إلى الله عز وجل. ويقول الحق بعد ذلك :« ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفاً قال بئسما خلفتمونى من بعدى أعجلتم أمر ربكم وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه قال ابن أم إن القوم استضعفونى وكادوا يقتلوننى فلا تشمت بى الأعداء ولا تجعلنى مع القوم الظالمين»«الأعراف:150». وكون موسى يعود إلى قومه حالة كونه(غضبان أسفاً) يدلنا على أنه علم الخبر بحكايةالعجل. والغضب والأسف عملية نفسية فيها حزن وسموها :«المواجيد النفسية» أى: الشيء الذى يجده الإنسان في نفسه وقد يعبر عن هذه المواجيد بانفعالات نزوعية ولذلك تجد فارقاً بين من يحزن ويكتم في نفسه وبين من يغضب تنتفخ أوداجه ويحمر وجهه ويستمر هياجه وتبرق عيناه بالشر وتندفع يداه وهذا اسمه : غضبان وصار موسى إلى الحالتين الاثنتين وقدم الغضب لأنه رسول له منهجه. ولا يكفى في مثل هذا الأمر الحزن فقط بل لا بد أن يكون هناك الغضب نتيجة هياج الجوارح. والأسف عند موسى لن يظهر للمخالفين للمنهج. بل يظهر الغضب وهو عملية نزوعية ونلحظ أنه يأتى بكلمة :(أسفاً) وهى مبالغة. فهناك بين أسف وآسف آسف خفيفة قليلاً لكن:(أسفاً) صيغة مبالغة مما يدل على أن الحزن قد اشتد عليه وتمكن منه. وقوله تعالى:« قال بئسما خلفتمونى من بعدى أعجلتم أمر ربكم» قوله سبحانه:( أعجلتم أمر ربكم). أى استبطأتمونى وهذا نتيجة لذهاب موسى لثلاثين ليلة وأتممها بعشر فتساءل موسى : هل ظننتم أننى لن آتى؟ أو أننى أبطأت عليكم؟ وهل كنتم تعتقدون وتؤمنون من أجلى؟! أو من أجل إله قادر؟ ولذلك قال أبو بكر رضى الله تعالى عنه: عندما انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى: «من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حى لا يموت». وهنا يقول نبى الله موسى عليه السلام ما معناه : افترضوا أنكم عجلتم الأمر واستبطأتمونى أو خفتم أن أكون قد مت. فهل كنتم تعبدوننى أو تعبدون ربنا؟ وقوله تعالى: (وألقى الألواح). نعلم أن الألواح فيها المنهج وقدر موسى على أخيه: (وأخذ برأس أخيه يجره إليه). وهذا «النزوع الغضبى» الذى جعله يأخذ برأس أخيه كأن الأخوة هنا لا نفع لها فماذا كان رد الأخ هارون؟ قال تعالى: (قال ابن أم إن القوم استضعفونى وكادوا يقتلوننى فلا تشمت بى الأعداء ولا تجعلنى مع القوم الظالمين)«الأعراف :150».