الاربعاء 15 رمضان 1423 هـ الموافق 20 نوفمبر 2002 أكدت الدكتورة عبلة الكحلاوي أستاذ الشريعة الاسلامية بجامعة الأزهر أن الاسلام كرم المرأة ووضعها في مكانة متميزة لم تحصل عليها في ظل الأديان والنظم الأخرى، مشيرة الى أن المرأة المسلمة لا تزال بخير رغم ما تتعرض له من تحديات. وأضافت ان المرأة المسلمة في العصر الحالي أصبحت ضحية للتيار العلماني الذي يتبناه بعض الدعاة بهدف كبت المرأة واعتقالها في البيت والحيلولة بينها وبين المشاركة في الحياة العامة. وقالت ان الغرب يحاول من خلال المؤسسات والمؤتمرات الدولية وضع المرأة المسلمة في دائرة الاستلاب الحضاري والعقدي تحت شعار تحرير المرأة ومحاربة العنف ومنع التمييز ضدها. وأوضحت أن الذين يزعمون أن صوت المرأة عورة لا يستندون الى أدلة شرعية تؤكد صحة زعمهم، مشيرة الى أن صوتها لا يكون عورة إلا اذا تعمدت التأثير في الرجال بالهمس والميوعة والايماءات. وأضافت أن الاسلام لم يبتكر نظام تعدد الزوجات حيث كان موجودا قبل الاسلام وإنما وضع له ضوابط لم تكن موجودة حتى لا يساء استغلاله، وبالتالي ليس من حق أحد أن يهاجم الاسلام في هذا الصدد. موضحة أن قوامة الرجل على المرأة تقوم على التشاور وليس الاستبداد، وهي أفضل كثيرا لأن الكتاب المقدس على سبيل المثال يجعل المرأة عبدة في بيت زوجها. ظلم فادح ـ ما تقييمك للأوضاع التي عاشتها المرأة في ظل النظم المختلفة؟ وبما يتميز الاسلام في هذا الصدد عن النظم الأخرى؟ ـ للأسف المرأة تعرضت لظلم فادح عبر التاريخ فالبعض نظر إليها باعتبارها شيئا حقيرا يملكه الرجال لاشباع ملذاتهم الجنسية، وأنها مجرد مصنع لانتاج الذرية ووعاء للحمل والانجاب، وهؤلاء تعاملوا مع المرأة كما يتعاملون مع السلعة التي تباع وتشترى، بل واعتبروها شيطانا في لباس إنسان وأنها أصل المعصية في الوجود. أيضا هناك من يعتبر المرأة مجرد أداة للجنس والمتعة والكسب المادي وهذا ما رسخته الحضارة الغربية في الأذهان وهي بمثابة جاهلية حديثة لأنها أطلقت العنان للحرية الجنسية وسخرت وسائل الاعلام لحث النساء على العري والانطلاق نحو الشهوات دون وازع أخلاقي أو ضابط قانوني. وهذه المناهج والنظم دمرت شخصية المرأة عبر العصور، أما الاسلام فقد دعا الى الايمان والطهارة والعفة والعدل والمساواة بين الرجال والنساء ويجعل المرأة شقيقة للرجل ويساوي بينهما في الايمان وفي الجزاء، ويمنحها الحق في مشاركة الرجال في الشعائر الدينية والأعمال الاجتماعية والسياسية والمبايعة والانتخاب والادلاء بالأصوات وكذلك في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويعطيها الحق في التعليم ولذلك كان من الطبيعي أن يهاجم الاسلام وتشوه صورته وأن يحاول الغرب من خلال المؤسسات والمؤتمرات الدولية وضع المرأة المسلمة في دائرة الاستلاب الحضاري والعقدي، من خلال رفع شعارات مثل تحرير المرأة ومحاربة العنف ومنع التمييز ضدها. بين الافراط والتفريط ـ هل معنى ذلك أن المرأة المسلمة في ظل الظروف الحالية تعيش حياة أفضل من المرأة الغربية مثلا؟ ـ أعتقد أن المرأة المسلمة لا تزال بخير وهي لا تعبأ بمن يحاولون التشكيك في ثوابتها لكن للأسف هناك كثيرات لا يدركن حقيقة دورهن ويتطلعن الى الغرب باعتباره «كعبة الحرية»، أيضا هناك أخريات يحاولن اغلاق النوافذ والأبواب والانعزال عن الحياة تماما وكأنها رجس من عمل الشيطان، ونحن نطالب المرأة المسلمة أن تتبنى موقفا وسطا بين دعاة الافراط ودعاة التفريط حتى تثبت شخصيتها وتأخذ حقها وتنال حريتها، وفي نفس الوقت تصون نفسها ولا تخرج عن تعاليم الاسلام. ونحن نؤمن أن المرأة المسلمة هي التي لا ترى أن الحرية في كشف الجسد وابتذاله، وإنما الحرية في القوامة على النفس واختيار المنهج السليم والوعي بحقوقها وواجباتها. والحمد لله استطاعت المرأة المسلمة أن تدرك قيمة العلم والعمل وأدركت أيضا حتمية اعادة تشكيل وبناء الشخصية المسلمة بما يتوافق ومعطيات العصر دون تجاهل الضوابط الشرعية التي تحقق التوازن النفسي والطمأنينة، وبهذا الفهم ارتادت المرأة كل الميادين فهي طبيبة ومهندسة وباحثة وعميدة وسفيرة ومفتية ورئيسة لمؤسسات وشركات يعمل فيها آلاف الرجال، ولكن ماحققته المرأة المسلمة من مكاسب ينقصه الاستشعار بالمسئولية والمشروعية والأمان، فالمؤمنة يجب ألا ترضى إلا بما يرضي الله - عز وجل - خاصة في ظل وجود تيارات تحاول منعها من العلم والعمل والمشاركة في الحياة باسم الدين، وفي ظل وجود تيارات أخرى تطالبها بالخروج والتحرر من القيم والتقاليد وممارسة الحياة بطريقة تخالف تعاليم الاسلام. ـ الإسلام كرم المرأة واحترمها وفي الوقت نفسه هناك دعاة يحاولون قهر المرأة وكبتها باسم الاسلام، فما تفسيرك لهذا التناقض؟ ـ الاسلام ليس فيه تناقضات ولكن هذه التناقضات في نفوس الدعاة الذين لم يفهموا الاسلام جيدا، وهي من صنعهم وحدهم والاسلام بريء من كل من يخالف تعاليم القرآن والسنة، والشريعة الاسلامية حرصت على تكريم المرأة ورفع مكانتها بل ان المرأة في ظلها حظيت بمقام الصديقة فكانت الرفيق المشارك في إرساء الركيزة الايمانية والشريك في المهام الدعوية، فالمرأة بايعت وعاهدت وهاجرت وتحملت صنوف الأذى من أجل العقيدة، وفي كثير من الحالات سبقت المرأة أباها وأخاها وزوجها في اعتناق الاسلام. هذا هو الاسلام، أما التناقضات فجعلت المرأة تقع ضحية بين الانحلال العلماني والجمود السلفي، فدعاة التيار العلماني يطالبن بالمساواة المطلقة بين الرجل والمرأة ونزع الحجاب والقوامة من الرجل والغاء فترة العدة.. بل ومنح المرأة حق تعدد الأزواج ما دام من حق الرجل تعدد الزوجات!، أيضا هناك دعاة جامدون يلوون أعناق النصوص ويفهمونها على غير معناها ويستعينون بأحاديث موضوعة من أجل قهر المرأة واعتقالها في البيت وعزلها عن الحياة تماما واعتبارها ناقصة عقل ودين وأن صوتها عورة، وغير ذلك من المزاعم التي نسبوها زورا الى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع أن الأحاديث النبوية الصحيحة تدعو الى المساواة واستقلالية شخصية المرأة وتعليمها وتأديبها. صوت المرأة.. والقوامة ـ لكن هل صوت المرأة عورة بالفعل؟ ـ هذه مقولة أشاعها البعض واستقرت في أذهان الناس، فكيف تجول المرأة وتصول في بقاع الأرض من أجل قضايا إنسانية ومصيرية ثم يزعم البعض أن صوتها عورة؟ وكيف يكون صوت الحق عورة خاصة اذا كانت المرأة داعية الى الله أو مجاهدة تدافع عن الوطن أو معلمة للرجال والنساء على السواء أو تدير العمل في مصنع أو مؤسسة؟ إن صوت المرأة يكون عورة اذا تعمدت أن تؤثر في الرجل بالهمس والميوعة في الكلام، أما المرأة التي تشارك الرجل في المهام الكبرى وتساهم في بناء المجتمع فإنها تدرك ما لها وما عليها وما يجب أن تتمسك به وما لا ينبغي أن تتورط فيه، وعلى أية حال فإن مقولة صوت المرأة عورة ليس لها سند شرعي. ـ لماذا جعل الاسلام للرجل حق القوامة على المرأة؟ وهل هذه القوامة مشروطة أم مطلقة؟ ـ «القوامة» تعني رياسة الرجل في البيت، وهي تقوم على الشورى لا الاستبداد ومقيدة بأوامر الشريعة ونواهيها وبالأعراف المرعية بين الناس وحفظ الكرامة في حالة الحب والكره والرضا والسخط، والقوامة في الاسلام تعني زيادة الأعباء والتكاليف على الرجل.. في حين أن الكتاب المقدس مثلا يجعل المرأة «عبدة» في بيت زوجها، وبالتالي فشخصية «سي السيد» يهودية وليست اسلامية. الميراث وتعدد الزوجات ـ هناك قضية أخرى يستغلها أعداء الاسلام وهي أن نصيب الرجل من الميراث ضعف نصيب المرأة، فكيف نرد على من يهاجم ذلك؟ ـ تفوق الرجل على المرأة في الميراث ليس في كل الأحوال، ففي بعض الحالات يكون نصيب المرأة مساويا للرجل أو يزيد عليه.. وقد ترث الأنثى ولا يرث الذكر، لكن أعداء الاسلام يركزون فقط على أن المرأة دائما ترث نصف ما يرثه الرجل، رغم أنه لا توجد نصوص في الكتاب المقدس تحدد المواريث ورغم الجنون الذي بلغ منتهاه في الغرب في الوقت الحاضر حين يحرم المورث ورثته من ماله ويكتبه لقطة أو كلب أو حمار! ـ أيضا هناك من يهاجم الاسلام لأنه يبيح تعدد الزوجات، فما ردك على هؤلاء؟ ـ الاسلام لم يخترع نظام تعدد الزوجات لأنه كان موجودا في الجاهلية دون حدود أو قيود، وقد ذكرت التوراة أن داوود - عليه السلام - تزوج مائة إمرأة وأن سليمان عليه السلام كان لديه مئات الزوجات والإماء، ومن ناحية أخرى لا يوجد نص في الانجيل يحدد الزواج بزوجة واحدة وإنما اقتبس النصارى ذلك من القانون الروماني الذي يسمح بزوجة واحدة ويبيح العشيقات بلا حدود. وبالتالي فإن الاسلام لم يبتكر تعدد الزوجات وإنما وضع له ضوابط وحدودا فلماذا يهاجم الاسلام في ذلك؟ قاضية ـ هناك دعوة لتتولى المرأة منصب القضاء، فهل توافقين على ذلك؟ ـ المرأة لها الحق في المشاركة في الحياة العامة والوقوف الى جانب الرجل وأن تعمل في مختلف المجالات، وأنا أؤمن بأن المرأة من حقها أن تتولى منصب القضاء.. وبالذات فيما يتعلق بقضايا المرأة والطفل، خاصة وأن القضاء في عصرنا يختلف عما كان في الماضي فلم تعد اليوم كلمة القاضي نهائية كما كانت أو أنه يستحيل مراجعة ما يصدر من أحكام، فالقضاء له درجات الآن فهناك حكم ابتدائي وحكم استئناف وحكم النقض.. ويمكن للمرأة أن تتولى بعض درجات التقاضي غير النهائية - مثل المحاكم الابتدائية ومحاكم الاستئناف - حتى لا يدخل عملها بالقضاء في شبهة الولاية المطلقة. القاهرة ـ ضياء الدين أحمد: