الاربعاء 15 رمضان 1423 هـ الموافق 20 نوفمبر 2002 من بين المواد العشر التي اخترناها كأمثلة على المواد الداخلة في الزخرفة المعمارية الاسلامية، تبرز الفسيفساء باعتبارها المادة الزخرفية بامتياز، فهي في جوهرها عبارة عن قطع صغيرة ملونة من الرخام وغيره من المواد كالحصباء والخرز ونحوهما، يضم بعضها الى البعض الآخر، فتتكون منها صور متنوعة وأشكال مختلفة تزين بها أرضيات العمائر وجدرانها. بهذا المعنى فان الفسيفساء، في حقيقة أمرها، ليست مادة واحدة، وانما هي بالأحرى مجموعة كبيرة من المواد تشترك فيما بينها لتقدم لنا في النهاية نوعا من الزخرفة يقوم على تكوين اشكال فنية مختلفة. كانت البطولة بادئ الأمر خلال العصر اليوناني لقطع صغيرة من الحجر والرخام، كون الفنانون من خلالها صوراً تعكس ملامح من الحياة الاجتماعية والقصص الاسطورية، ثم برزت هذه الفسيفساء في العمارة الرومانية فالبيزنطية ولا سيما في الطراز القوطي حيث تألفت من قطع صغيرة ذات قوالب مكعبة، وأدخل عليها البيزنطيون تعديلات كبيرة، فجعلوها من قطع الزجاج الملون بدلا من الحجر والرخام، واضافوا إليها في بعض الأحيان مكعبات حجرية وصدفية، وتمثل أعظم ما أبدعوه في النماذج التي فتحتها كنيسة أيا صوفيا. وقد ورثت العمارة الإسلامية هذا اللون من الابداع الزخرفي، فبرز منذ عصورها المبكرة، لتستمر المسيرة معها طويلا. الفن المحير النموذج المبكر الأكثر بروزا، والذي لا يزال ماثلا بين ايدينا حتى اليوم، لاستيعاب العمارة الاسلامية للفسيفساء هو بلا شك مسجد قبة الصخرة الذي يعود الى العام 72 هجرية «691 ميلادية» حيث عملت الفسيفساء من مكعبات صغيرة من الزجاج الملون وغير الملون والشفاف وغير الشفاف ومن مكعبات من الحجر الابيض والوردي ومن صفائح صغيرة من الصدف، ثبتت في وضع اقصى كامل باستثناء المكعبات المذهبة والمفضضة التي وضعوها بميل قليل لتعكس الضوء الواقع عليها فتزداد رونقا وجمالا، وانحصرت الزخارف بشكل كلي في موضوعات نباتية كثيرة ومتنوعة. والمرء لا يمكنه تجنب الوعي بالحضور الباهر للفسيفساء في مسجد قبة الصخرة، فهي تتألق بحضورها المتوهج في ركنيات العقود والدعامات وبواطن العقود وعلى عنق القبة، وبالتالي فليس هناك خيار بين القراءة البصرية لهذه الفسيفساء او الاحجام عن تلك القراءة. ويلفت اوليج جرابار وسعيد نسيبه في كتابهما «قبة الصخرة» نظرنا الى ان المشكلة المحورية فيما يتعلق بالزخرفة الفسيفسائية في مسجد قبة الصخرة تدور حول المعنى، او بالاحرى المعاني، التي يمكن اضفاؤها عليها، وقد اقترح تفسيران فيما يتعلق بموضوع هذه الزخرفة، وهما كالتالي: ـ التفسير الأول: يقوم في المقام الأول على السياسات الدينية التي اتبعتها الدولة الأموية، والقائلون بهذا التفسير يرون في جواهر الحكام في الاراضي التي فتحها الله على المسلمين وكنوزهم حقا لبيت مال المسلمين ينفق على الوجوه التي فيها صلاح آخرتهم ودنياهم، وهكذا فان ما نجده في مسجد قبة الصخرة هو احتفاء بعلو شأن الاسلام وانتصاره على اعدائه. ـ التفسير الثاني: يركز على الأشجار الواقعية والمتخيلة والمؤثرات النباتية، ويربط هذه التكوينات بما يدور حول قصر نبي الله سليمان ودخول بلقيس لهذا الصرح الممرد الذي حسبت ارضه الزجاجية لجة فكشفت عن ساقها لتعبره، فلما ابلغها بأنه زجاج وليس لجة اعلنت ايمانها بالله وتصديقها لنبيه. والقصة واردة في القرآن الكريم، بالطبع، وان كان الكثيرون يرون ربطها بهذا السياق تزيدا ومبالغة لا موضع لهما. بالمقابل ترى دومنيك كليفنو في كتابها «الحلى المعمارية والزخرفة في العمارة الاسلامية» ان التفسير المرجح بصورة اكبر هو اننا في هذه الفسيفساء امام استحضار بلغة تشكيلية راقية للجنة التي وعد بها الله المؤمنين من عباده. ولم يكن مسجد قبة الصخرة هو العمل الصرحي الأموي الوحيد الذي تألقت فيه الفسيفساء، وانما هناك كذلك الجامع الأموي بدمشق، فعلى الرغم من الحرائق العديدة التي نالت من هذه الفسيفساء الا ان القدر شاء لنا ان نحقق اطلالة نادرة على ما كان عندما اكتشف الفرنسي دي لوريه في عام 1927 لوحة فسيفسائية بديعة محتجبة تحت طبقة من الملاط، وقد عرفت اللوحة باسم لوحة نهر بردى، وتبدو فيها القصور والمناظر الطبيعية ذات الاشجار والغابات. لم يقتصر استخدام الفسيفساء من جانب الامويين على المساجد وانما وظفوها، على نحو مدهش، في قصورهم ذائعة الصيت ببادية الشام، ومنها خربة المفجر قرب اريحا، حيث نعثر على اكثر لوحات الفسيفساء الاموية تألقا وشهرة. ولا تتردد دومنيك كليفنو في الحديث عن «اختفاء» الزخرفة الفسيفسائية في العصر العباسي، حيث لم نضع يدنا على شيء مما خلفه هذا العصر في السياق الذي يعنينا هنا سوى روايات المؤرخين وقطع صغيرة من الفسيفساء في سامرا، ويوحي هذا كله بأنه لم يكن هناك كبير فارق في هذه الفسيفساء العباسية مقارنة بنظيرتها الاموية، لا سيما وان العراق كان به مبدعو فسيفساء من الروم منذ القرن الاول قبل الاسلام ومن المحقق ان المسلمين قد نقلوا عنهم قدراتهم الابداعية وطوروها. وتستمر مسيرة تطوير الفسيفساء في دار الاسلام على نحو يتجاوز المجال المتاح لنا هنا فدعنا نكتفي ببعض الاشارات في هذا الصدد: ـ لابد لكل متابع للزخرفة بالفسيفساء من التوقف طويلا عند توظيفها في تجميل عقد محراب جامع قرطبة الكبير وكذلك حائط القبلة والقبة التي تعلو المحراب، تنفيذا لما أمر به الحاكم الأموي في عام 1961 ميلادية. ـ احل الفنان المسلم في عهد سلاجقة الروم، استخدام نصوص الخزف مكان الفصوص الزجاجية الملونة في لوحات الفسيفساء وحشواتها، ونجد أبدع نماذج هذا الاسلوب في مساجد مدينة قونية خلال القرنين السادس والسابع الهجريين (الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين) منها مسجد علاء الدين في قباء ومدرسة سرجالي ومحراب مسجد صاحب اطا. ـ ظهر اول استخدام للفسيفساء في مصر في مدينة الاسكندرية خلال العصر الروماني، وورد ان جامع عمرو بن العاص كانت جدرانه محلاة بفسيفساء ظلت فيها الى ان خلع برجوان العزيزي الكثير منها في العصر الفاطمي. ـ الامثلة المادية الباقية للزخرفة الفسيفسائية لا تثبت وجود هذا النوع من الزخرفة في عمارة مصر الاسلامية قبل محراب قبة الملك الصالح نجم الدين ايوب في عامي 647648 هجرية (1249 ـ 1250 ميلادية). ـ قيل الكثير عن استلهام ملامح مسجد قبة الصخرة في بناء مجموعة السلطان قلاوون بالنحاسين، وفي هذه المجموعة نجد ان اعظم نماذج الزخرفة بالفسيفساء في العمارة المملوكية، حيث زخرفت بها جدران الضريح ودعاماته وحنية محرابه فضلا عن احواض السييلين الموجودين في ببمارستانه. ـ على الرغم من الطابع الباهر للزخرفة الفسيفسائية كما عرفناها في مجموعة قلاوون بالنحاسين، الا ان روعتها لا تحجب عنا بهاء نماذج اخرى من الابداع بالفسيفساء كتلك نجدها في العصابة التي تزين محراب جامع احمد بن طولون بالصليبة، والتي أدخلها السلطان لاجين، وتواشيح محراب المدرسة الطيبرسية بالجامع الازهر وطاقية محراب المدرسة الاقبغاوية بالجامع نفسه. اذا انتقلنا الى الخزف فاننا سنجده يعني في مفهومه اللغوي ما عمل من الطين وشوي بالنار فصار فخارا، او هو الطين المعمول انية قبل أن يطبخ ويعرف بالصلصال فاذا شوي فهذا الفخار، او ما يصنع من طينة تشكل وتحرق في أفران خاصة بدرجة حرارة معينة لاكتساب طبقة من الطلاء، ومنه الخزف الصيني، وهو خزف ابيض شديد النقاء عرفه الشرق منذ العصور القديمة وانتقل سر صناعته الى العرب ومنهم الى الاندلس ثم الى الغرب. وفي السياق الزخرفي المعماري الذي يعنينا هنا فان الخزف هو ذلك الطين الذي تصنع منه بلاطات تطلى بمواد مزججة تشتمل على أكاسيد معدنية ملونة اكسبت انواعه المختلفة ألوانا لامعة براقة اختلفت باختلاف انواعها ومراكز صناعاتها وطرق زخرفتها وعناصرها. وقد اتخذ الخزف مسميات متعددة ارتبط بعضها بموطن صناعته كالصيني والفرفوري نسبة الى اليابان التي كانت تعرف ببلاد الفرفوري والقاشاني نسبة الى قاشان في ايران والاضني نسبة الى اضنة في تركيا. كما ارتبط بعضها بطرق نقشه وزخرفته، مثل الخزف الجبري الذي كانت زخارفه تحضر فيه حتى يصل الحفر الى عجينته الاصلية تحت الطلاء، وهناك الخزف ذو البريق المعدني الذي كان يطلى بدهانات مذهبة تشبه بريق الذهب، والخزف المرسوم تحت الدهانات او فوقه والخزف المحزوز، وغير ذلك كثير. ولا تتردد دومنيك كليفنو في التأكيد على أن الخزف الذي يعود الى الألفية الثالثة قبل الميلاد قد أحدث بدخوله زخرفة المباني السلجوقية في القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين ثورة في جماليات العمارة الاسلامية وتشير الى ان البلاطات الخزفية البديعة التي سرعان ما كست المساجد وسائر العمارة الدينية في وسط آسيا وفارس واجزاء من شبه القارة الهندية انتشرت في الشام وتركيا، كما نشأ تقليد ليس من الممكن تأكيده بالادلة الاثرية من حيث ارتباطه بهذا التقليد وهو الزليج في المغرب العربي والاندلس. غير ان من الواضح ان هذه الثورة الجمالية سبقها تمهيد طويل من الاستخدام المتواتر للخزف، فمن المعتقد ان أول نماذج الخزف الاسلامي هي ما عثر عليه في سامرا من نتاج العصر العباسي الأول، وأهمه ما طلي بالبريق المعدني، وهو ابداع نقله الطولونيون الى مصر وازدهر في ظل الحكم الفاطمي ليصل الى ذروته في العهد المملوكي. وظل ابداع الخزف وتوظيفه في العمارة الدينية ممارسة قائمة منتشرة في العراق منذ القرن الثالث الهجري «التاسع الميلادي» حتى سقوط بغداد في يد المغول في القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي) حيث انتقل الى قاشان وسمرقند ثم على يد السلاجقة الى قونية وغيرها، وعلى يد العثمانيين الى اضنة وكوتاهية واسطنبول. ويشير برهان اناسوي وجوليان رابي في كتابهما «الخزف الأضني» فخاريات تركيا العثمانية» الى ان الاقبال من الاسواق الداخلية والخارجية على انتاج اضنة من الخزف كان هائلا الى حد اقدم معه الخزافون في اضنة على تجاهل تكليفات صادرة من القصر السلطاني في اواخر القرن السادس عشر الميلادي بانتاج كميات كبيرة من البلاطات الخزفية لتكسية المساجد والقصور، مما حدا بالسلطان الى اصدار فرمان يقرع خزافي اضنة على اهمالهم في تسليم ما أمر به القصر السلطاني. وقد بلغ من الاقبال على الانتاج الاضني اننا نعثر عليه مثبتاً كما هو بزخرفاته المميزة في كنائس جنوبي اوروبا، كما نعثر على العديد من القطع التي وصلت في انتشارها الى حد حيازة نبلاء انجلترا لها. ومن الواضح ان أصالة الابداع الاضني مستمدة من القيام في أواخر القرن الخامس عشر الميلادي بادخال تجديدات مبتكرة على موروث وسط آسيا والاهتمام بالمواد الاصلية الاساسية والنطاق اللوني المستخدم فضلا عن النماذج الزخرفية الباهرة. ويبدو ان الاضنيين قد عمدوا في مرحلة من المراحل المبكرة الى تقليد الخزف الابيض والازرق الصيني الذي يعود الى عهد تانج غير انهم في منتصف القرن السادس عشر الميلادي تبنوا نطاقا جديدا من الألوان يتميز بتدرجات لونية اكثر رقة ورهافة، كالأخضر الفاتح والبنفسجي، وكذلك الاكثار من اللون الاحمر المتألق ذي البريق الذي يطابق لون البندورة، وهو اللون الذي استخلصوه من طين غني باكاسيد الحديد، وهو المعروف تقليديا باسم الطين الارمني. وكما سبقت الاشارة، فانه اعتبارا من القرن الثاني عشر الميلادي وبعيدا عن التأثير الفارسي، نشأ في المغرب العربي والاندلس ابداع الزليج وهو في جوهره بلاطات مطلية بالمينا وزخارفه تأخذ غالبا اشكالا لا حصر لها من التسطير، ويتزاوج استخدامه في العمائر والبنايات الدينية والدنيوية بصورة متكاملة مع الجص من ناحية والخشب المزوق من ناحية اخرى، وقد استخدم الزليج اساسا في تغشية اسافل الجدران الداخلية في المساجد والاخرمة والمدارس والقصور وغير ذلك كثير. ويتعين علينا ان نلاحظ ان ابداع الزليج بما تقتضيه من حرق البلاطات متعددة الالوان وتقطيعها وتجميعها يتم بالشكل المتبع في الخزف المزجج تماما على نحو ما رأيناه في فارس، لكن فارقا واحدا يميز الزليج، فهو يتوافق بدرجة اكبر مع الادراج في كل منتظم حيث تغلب عليه، كما سبق لنا، القول زخارف التسطير، الامر الذي يخرجه من الاضطرار للخضوع الى التدفق المرتبط بزخرفة التوريق. اسرار دمياط تؤكد الأدلة الاثارية ان المسلمين اذا كانوا قد ورثوا الخزف من الحضارات القديمة التي نشأت على ضفاف الانهار في الصين ومصر وما بين النهرين، فمن الواضح بالدرجة نفسها انهم لم يقفوا عند حد ما ورثوه من الحضارات القديمة، بل قدموا من المساهمات المتميزة ما ادى الى اكتشاف النوع الرائع من الخزف ذي البريق المعدني الذي اختلف لونه بين الاحمر النحاسي والاصفر الضارب الى الخضرة، واوغلوا في مسيرة الابداع فزينوه بشتى انواع الزخارف من الاشكال الهندسية والنباتية المورقة، والمزهرة وبالكتابات الكوفية واشكال الطيور والحيوان والبشر، مما نجد نماذج عديدة منه في المتحف الاسلامي بالقاهرة وغيره. واذا كان استخدام الخزف الملون في زخرفة العمائر الاسلامية قد انتشر في العديد من ارجاء دار الاسلام، وبصفة خاصة في تغطية القباب والمآذن والجدران والمداخل الصرحية، فان الباحثين يشيرون الى ان العمارة الاسلامية في مصر لم تعرف استخدام هذه البلاطات الخزفية قبل العصر العثماني الا في القليل النادر، الذي يوشك ان يكون الاستثناء الذي يؤكد صحة القاعدة، وفي حالات بعينها ترجع الى العصر المملوكي. ومن الأمثلة النادرة التي تضرب في هذا الشأن مئذنة الناصر محمد بن قلاوون بالقلعة، التي تعود الى عام 735 هجرية (1335 ميلادية) ومئذنة الغوري بالأزهر التي تعود الى عام 915 هجرية (1509 ميلادية) وتغطية رقاب بعض قباب مصر المملوكية، كما هي الحال في قبة خوند طغاي الناصرية المعروفة باسم ام ادنوك التي تعود الى عام 740 هجرية (1340 ميلادية) وفي قبة اصلم البهائي السلاحدار التي تعود الى عام 746 هجرية (1345 ميلادية) ثم بعض مساجد مصر المملوكية، على نحو ما حدث في مسجد تمراز الأحمدي الذي يعود الى عام 876 هجرية (1472 ميلادية). طبيعي ان الصورة اختلفت في ظل الحكم العثماني بمصر، فالناس ـ كعهدهم ابدا ـ على دين ملوكهم، هكذا تبرز الزخرفة ببلاطات القاشاني الخزفية في جامع آق سنقر الذي يعرف اليوم بجامع ابراهيم اغامستحخفطان او الجامع الازرق، نظراً للعمارة الكبيرة التي اجراها فيه ابراهيم اغا، حيث عمد الى كسوة جدار القبلة بكامله في هذا الجامع من الارض حتى السقف ببلاطات من القاشاني الازرق، تعد اكبر مجموعة من هذه البلاطات الخزفية في عمارة مصر الاسلامية على الاطلاق، وزاد من أهميتها اغا عملت خصيصا لهذا الجامع برسوم متماثلة تضم اشكالا مختلفة من زهريات تنبثق منها تفريعات نباتية واشكال زهرية. هنا يلفت دكتور عاصم محمد رزق نظرنا في «معجم مصطلحات العمارة والفنون الاسلامية» الى ان مدينة دمياط قد اشتهرت خلال العصر المملوكي بصناعة ترابيع صغيرة من القاشاني، ويشير الى ان ذلك ربما كان المصدر الذي استمدت منه المجموعات المحدودة من القاشاني التي استخدمت في بعض الابنية الاثرية المملوكية، غير انها قد تكون كذلك مستوردة من بلاد فارس الى دمياط باعتباره الميناء المصري الشهير الذي يحفل بالحركة تصديرا واستيرادا. ويظل حسم هذه المسألة، وترجيح صحة اي من الاحتمالين مرتبطا باجراء المزيد من الابحاث مستقبلا عن طبيعة الدور الذي لعبته في هذا العصر دمياط، وهو دور يظل غارقا في الاسرار الى حد كبير. الماء والنور لست أشك في ان لمحة دهشة يمكن ان تأخذ القارئ فتحمله على التساؤل عما اذا كان الماء والنور يمكن اعتبارهما بمثابة مادتين من مواد البناء يستخدمان في ابداع الزخرفة المعمارية الاسلامية. في مواجهة هذا التساؤل، ابدأ باعادة القارئ الى تذكر بعض الأمور، منها ان المعماري الفرعوني حينما جعل اشعة الشمس تتعامد على وجه رمسيس الثاني مرة واحدة في السنة هي في ذكرى يوم ميلاد الفرعون الشهير، وذلك في معبد الرمسيوم، كان يفعل هذا بالضبط، كان باستغلال الرياضيات يوظف النور كمادة تؤثر وتنقل المعاني وتفعم القلوب بالمشاعر والاذهان بالافكار. واتمنى على القارئ ان يتذكر ايضا ما استعدناه مرارا وتكرارا في ايضاحنا لمعنى جماليات المكان في العمارة الاسلامية، حيث يشكل الصحن او الفناء قطعة من السماء احتازها الانسان من الفضاء الكوني لتحقق له في ان الاقتراب من السماء بروحانيتها وصفاء نورها وما تبعثه في نفس الانسان من الطمأنينة وفي الوقت نفسه الشعور بالسكينة والحميمية بعيدا عن الفضاء الكوني المفتوح الذي يعرض الانسان لشتى مشاعر الضياع والاغتراب. ولابد لنا كذلك من ان نتذكر ان المسلمين حينما خرجوا من شبه الجزيرة العربية حاملين رسالة التوحيد ومضوا بها الى اقصى اطراف العالم المعروف لهم آنذاك كانوا اهل بادية وابناء صحراء في غالبيتهم الكاثرة ومن هنا كان للماء وقع خاص في نفوسهم، خاصة وان الماء اقترن في وجدانهم باشارة الحق عز من قائل التي تكررت في محكم تنزيله الى الجنات التي تجري من تحتها الانهار والى الكوثر والسلسبيل. هكذا فان وجدان الانسان المسلم تجتمع فيه عناصر النور والماء والمطر، فاذا هي حلم رجل الصحراء، واذا هي تترك اصداءها في راية الاسلام الخضراء، واذا هي تنعكس في عالمه كله، والعمارة ليست استثناء من هذه القاعدة. انظر على سبيل المثال الى حركة النور، الست تجد فيها انعكاسا مباشرا ليقين الانسان المسلم بأن كل شيء الى زوال الا الله سبحانه وتعالى. أليس هذا هو المعنى الذي نجده في الضوء المنهل من النوافذ المتخذة في رقاب العديد من قباب المساجد في مشارق الارض ومغاربها؟ ان الضوء الذي لا يسمح بدخوله الى بيوت الصلاة الا بعد ترشيحه وكسر حدته ليتيح المجال للتأمل وللخشوع، هذا الضوء نفسه هو الذي يحرص المعماري المسلم على التحكيم به لينسحب خافتا وئيدا على نقوش الجص الدقيقة، وليغدو جزءا من تكوين المقرنصات، ليستقر على الجدار متخللا العتمة، وانه لا بقاء الا لوجه ربك ذي الجلال والاكرام، ليلمس الاشياء فيلونها ويرحل عنها دائما الى مكان آخر، في تأكيد لحقيقة اننا بدورنا راحلون وان دنيانا دار ممر وليست بدار مقر. هذا الذي قلناه حالا يؤكد ان احدى مهام هندسة المعمار تتمثل في تشكيل مقومات هندسة الضوء، حيث التعامل مع النور والظل ليس مجرد تلاعب بالمقومات، وانما هو تركيب محكم لتكوينات متغيرة، مبهمة، يتبادل فيها الضوء الظلام بشكل يبعث على الخشوع والورع ويدعو الى التأمل. وحركة الضوء و الظل على الابواب والنوافذ في المساجد حركة دقيقة ومنضبطة تؤكد في نهاية المطاف ان الكلمة الاخيرة في تعاقب الحضور والغياب الذي يعد سمة مهمة للفن الزخرفي الاسلامي انما هي للغياب، لان الحضور المطلق انما هو لله وحده جلت قدرته. وفي العمارة الاسلامية يستخدم الماء استخداما مكثفا، ويفرد له وضع بارز، ربما الى حد الافراط، ليس للشرب وللوضوء فحسب وانما للمشاهدة والاستماع الى صوت انهماره وانسيابه، بما يبعثه في النفس من سكينة وبهجة، هكذا نجد قنوات الري في العرصات والاحواض وجداول الماء المستقيمة في الرياض الاندلسية والفسقيات وسط الأفنية والنافورات في كل مكان بل نجدها معلقة على الجدران. هكذا فان الماء قريب دائما، وحاضر ابدا، وميسور المنال. فهو ضروري للطهارة والوضوء قبل الصلاة، وهو عنوان الضيافة في المشروبات، وهو دائما امامك في السبيل ومبذولا على يد السقاء. وليس من قبيل الصدفة ان معظم الاعمال الصرحية المعمارية الاسلامية يتاح لها اما ان تنعكس على الانهار او على قنوات واحواض تقام خصيصا ليتضاعف كيانها في عيني الناظر اليها. وليس صدقة ايضا ان العديد من المساجد على امتداد دار الاسلام تلحق بها حدائق غناء، بحيث نجد انفسنا ونحن بازاء الحديقة من جهة المسجد كأننا على اعتاب قطعة من الجنة، حيث تبادل الأضواء والظلال حيثما وقعت انظارنا، فكأننا بازاء واحة مغلقة، بقعة خضراء يرويها الماء الوفير، ارض نضرة، طُوّع فيها ضياء الشمس، وخفتت حدته، ليتاح لنا المزيد من الهدوء والسكينة والتأمل في عبورنا اللاهث هذا بين الممر والمقر. اخيرا، ما دمنا قد تحدثنا فأكثرنا الحديث عن النور، اليس من واجبنا ان نتفهم ونتأمل ما عناه اهل الحقيقة بالنور؟ بلى. ولعله يستقر في وجداننا ما يعلمنا اياه ابن عربي حيث يقول: «النور كل وارد الهي يطرد الكون عن القلب».