الاربعاء 15 رمضان 1423 هـ الموافق 20 نوفمبر 2002 يقول الله تعالى: (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود بولده)« البقرة:233». إن البحوث التى قام بها العلماء توضح بدقة أن أول رضعة يستقبلها الرضيع من ثدى أمه أثناء اليومين الأولين بعد ولادته تحتوى على تركيزات عالية من بروتينات خاصة مضادة لنمو الميكروبات التى تسبب الأمراض.. وهى ما يطلق عليها اسم الأجسام المضادة وهذه الأجسام من العوامل المهمة التى تقف بجوار الوليد وهو لا يزال في أشد حالات ضعفه فلبن الأم معقم بطبيعته وليس به ميكروبات تسبب نزلات معدية أو معوية وهو جاهز في كل وقت تحت طلب الطفل كما أن تركيبه يتغير تبعاً لاحتياجات الطفل وتغير سنه. كما وجد أن اللبن الذى يعطى للطفل له دخل كبير في تكوين جسم الطفل وعقله وسلوكه لأن الطفل يتأثر باللبن الذى يتعاطاه في حياته الأولى ولأن جسمه وعقله يكونان في دور التكوين والبناء. وقد ثبت علمياً أهمية الرضاعة الطبيعية في حماية الأطفال من الإصابة بضغط الدم فهؤلاء أقل عرضة للإصابة بضغط الدم من الأطفال الذين يعتمدون في غذائهم على الألبان الصناعية نظراً لتناسب تكوين لبن الأم مع احتياجات الطفل وانخفاض نسبة أملاح الصوديوم في لبن الأم عنه في اللبن الصناعى. وتقول الأبحاث العلمية إن أعراض ضغط الدم في الأطفال قد تكون على هيئة صداع وزغللة وقيء وكذلك يصاب الطفل بالعصبية الزائدة والتشنجات وهنا تضح حكمة الإسلام العلمية عندما أمر الأمهات برضاعة أطفالهن رضاعة طبيعية. وقد ظهرت دراسة قام بها مجموعة من العلماء توضح أن لبن الأم يحمى الأطفال من كثير من الأمراض إلى أن يحين الوقت لنضوج جهاز المناعة عندهم للاعتماد عليه في التعامل مع الميكروبات والطفيليات التى يتعرضون لها. فلبن الأم يستطيع أن يقتل طفيلاً دقيقاً يعرف باسم «جيارديا» وهو من الحيوانات الأولية الدقيقة التى قد تصيب أمعاء الأطفال وقد تبقى الإصابة لسنوات طويلة لكن الغريب أن كفاءة لبن الأم تقتل هذا الطفيل. ولقد تمكن العلماء من عزل المادة الفعالة في لبن الأمهات واتضح أنها إحدى مكونات الصفراوية التى تجيء على هيئة خميرة(أنزيم) منشطة. ولقد جربت هذه المادة على طفيليات أخرى مثل الطفيل الذى يسبب مرض الدوسنتاريا الأميبية فقتلته. ولبن الأم ينمي ذكاء الطفل وقد ثبت أن الأطفال الذين اعتمدوا في طفولتهم على الرضاعة الطبيعية هم أكثر ذكاء من غيرهم. والسبب في ذلك هو أن أسرع مرحلة لنمو المخ في الإنسان تكون في العام الأول من حياته وخلال هذه الفترة يكون في حاجة إلى مواد غذائية كاملة ومتوازنة وهى لا تتوافر بالشكل المطلوب إلا في لبن الأم فقط. وأى نقص يتعرض له الطفل غالباً ما يؤدى إلى نقص في القدرات العقلية للأطفال كما أن الأطفال الذين يتناولون الألبان الصناعية يتعرضون للإصابة بالنزلات المعوية والنزلات الشعبية أكثر من الأطفال الذين يرضعون ألبان أمهاتهم وفوق ذلك نجد أن الطفل يشعر بالأمان والاستقرار بين ذراعى أمه فينشأ الطفل نفسياً واجتماعياً نشأة صحيحة. تلك هى فوائد الرضاعة للطفل أما فوائدها للأم فقد ثبت علمياً أن الرضاعة تقلل من احتمال الإصابة بسرطان الثدى فقد وجد أن المرضعات هن أقل النساء تعرضاً للإصابة بهذا المرض الخبيث وأنه كلما أكثرت المرأة من الرضاعة كان ذلك أدعى لحمايتها من سرطان الثدى. فضلاً عن ذلك كله يعد الارتباط النفسى والعاطفى بين الأم وطفلها أثناء الرضاعة من أهم العوامل لاستقرار الأم والطفل نفسياً. من ذلك كله يتجلى لنا لماذا حرص الإسلام على إرضاع الأمهات لأبنائهن ؟ ولماذا حددها بعامين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة بل لم يكتف الإسلام بذلك فجعل الأم تطمئن إلى حق وليدها في الرضاعة وواجب المولود له (الأب) في النفقة على الرضيع والمرضع حتى لو قدر بينهما الفراق والطلاق. وومن ناحية أخرى يقول الله عز وجل :«وكلوا واشربوا ولا تسرفوا» «الأعراف:31». فقد أثبتت الدراسات العلمية أننا لا نحتاج إلى كل الكمية التى نأكلها بل نحتاج إلى طعام متوازن ومتنوع فالغذاء الصحى لا يعتمد على نوع معين من المواد الغذائية أو على مجموعة محددة من هذه المواد بل يعتمد على التوازن فيما يدخل في جوف الإنسان من أطعمة. وإن التغذية السليمة تحتم التنويع حيث إن هناك أغذية للطاقة والحرارة تمثل الأغذية الغنية بالمواد النشوية والسكرية والدهنية. وأغذية للبناء مثل الأغذية الغنية بالمواد البروتينية والأملاح المعدنية وأغذية للوقاية مثل الأغذية الغنية بالفيتامينات من فواكه وخضروات وهذه الآية الكريمة تعد من أسس علم التغذية حيث ترشد إلى السبيل الذى يحمى المرء من شر الإصابات بأمراض الجهاز الهضمى التى تنشأ بسبب الإسراف في تناول الطعام والشراب. فالإسراف في الطعام والشراب يضر ضرراً بليغاً بالصحة ويؤثر تأثيراً مباشراً على الجهاز الهضمى وملحقاته كما أنه يؤثر تأثيراً غير مباشر على أجهزة الجسم الأخرى وله علاقة قوية بأمراضها. من هنا لا يغيب عن البال أن الأمر بالأكل والشرب من غير إسراف في الآية الكريمة له هدف طبى جليل يقى الجسم من أمراض عدة مثل السمنة التى تنشأ نتيجة الإفراط في تناول الغذاء وخاصة المواد الدهنية والنشوية والسكرية وغير ذلك من أمراض تدلل على الحكمة العلمية في القرآن الكريم ،«وكلوا واشربوا ولا تسرفوا».