الاربعاء 15 رمضان 1423 هـ الموافق 20 نوفمبر 2002 سورة «الأنعام» التى يغلب على الظن أن نزولها كان فى السنة الرابعة من البعثة النبوية الشريفة، زاخرة بإقامة الأدلة المتنوعة على وحدانية الله ـ تعالى ـ وقدرته وعلمه وحكمته.. ومن الآيات التى وردت فى هذه السورة الكريمة لتأكيد هذا المعنى قوله تعالى ـ «إن الله خالق الحب والنوى يخرج الحى من الميت ويخرج الميت من الحى، ذلكم الله فأنى تؤفكون. خالق الإصباح وجعل الليل سكنا، والشمس والقمر حسبانا، ذلك تقدير العزيز العليم» {الآيتان: 95:96}. ولفظ «خالق» مأخوذ من الفلق بمعنى الشق. والحب: يطلق على ماليس له نوى كالحنطة والشعير. والمنوى: جمع نواة وهو الموجود فى داخل الثمرة مثل نوى التمر وغيره. والمعنى: إن الله تعالى ـ وحده هو الذى يشق الحبة اليابسة كالحنطة، فيخرج منها النبات الأخضر النامى، ويشق النواة الصلبة فيخرج منها النخلة والشجرة النامية، وفى ذلك اكبر دلالة على قدرة الله ـ تعالى ـ التى لاتحد، وعلى أه هوالمستحق للعبادة لاغيره. وقد أفاض الإمام الرازى وهو يتحدث عن هذه الآية فى بيان مظاهر قدرة الله فقال ما ملخصة: «إذا عرفت هذا فنقول: «إنه إذا وقعت الحبة أو النواة فى الأرض الرطبة ثم مر بها قدر من المدة، أظهر الله ـ تعالى ـ فى تلك الحبة والنواة من أعلاها شقا ومن أسفلها شقا آخر، فالأول يخرج منه الشجرة الصاعدة إلى الهواء، والثانى يخرج منه الشجرة الهابطة فى الأرض.. ثم أن هاهنا عجائب: أحداهما أن طبيعة تلك الشجرة أن كانت تقتضى الهوى فى عمق الأرض فكيف تولدت منها الشجرة الصاعدة فى الهواء؟ وأن كانت تقتضى الصعود فى الهواء فكيف تولدت منها الشجرة الهابطة إلى الأرض الصلبة..؟ ثم قال ـ رحمه الله ـ بعد كلام طويل: فإنظر ـ أيها العاقل ـ بعين رأسك فى تلك الورقة الواحدة من تلك الشجرة، وأعرف كيفية خلقه تلك العروق والأوتار فيها، ثم إنتقل من مرتبة إلى مافوقها حتى تعرف أن أنواع نعم الله فى حقك غير متناهية، وأن قدرته كذلك غير متناهية..». ثم بين ـ سبحانه ـ دليلا آخر من أدلة قدرته فقال: «يخرج الحى من الميت ويخرج الميت من الحى». أى: يخرج ـ سبحانه ـ ماينمو من الحيوان والنبات والشجر مما لاينمو كالنطفة والحبة، ويخرج الميت كالحب والنوى، ومن النبات، والبيضة والنطفة من الحيوان. ونقل بعض المفسرين عن ابن عباس ـ رضى الله عنهما ـ أن معنى الجملتين: يخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، ومثله إخراج البار من الفاجر، والصالح من الطالح، والعالم من الجاهل وعكسه، وذلك بحمله الحياة والموت على المعنوى منهما، كما فى قوله ـ تعالى ـ: «أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشى به فى الناس كمن مثله فى الظلمات ليس بخارج منها»؟ ويبدو لنا أن حمل الحياة والموت هنا على المعنى المعنوى، لايناسبه سياق الايات التى معنا، لأنها تتحدث عن مظاهر قدرة الله ـ تعالى ـ فى كونهو لكى يزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم، ولكن يتأمل كل ذى عقل سليم فيما بثه الخالق ـ عز وجل ـ فى هذه الدنيا من كائنات عجيبة، لعله يهتدى إلى طريق الحق. ثم ختم ـ سبحانه ـ الآية الكريمة بقوله: «ذلكم الله فأنى يأتوفكون» أى: ذلكم المتصف بتلك الصفات الدالة بوضوح على وحدانيته وقدرته ـ عز وجل ـ هو الله خالق كل شئ، فكيف تصرفون وتبتعدون ـ أيها المشركون الجاهلون، عن عبادة من يخلق كل شئ، إلى عبادة من لايخلق شيئا وبل هو مخلوق كغيره؟ والإشارة بقوله ـ تعالى ـ «ذلكم» لزيادة التمييز، وللتعريض بعبادة المخاطبين من المشركين الذين غفلوا عن هذه الآدلة الساخر التى تدل على وحدانية الله وقدرته. ثم بين ـ سبحانه ـ ألوانا أخرى من مظاهر وحدانيته وقدرته وحكمته فقال: «خالق الإصباح، وجعل الليل سكنا، والشمس والقمر حسبانا...» ولفظ «الإصباح» مصدر رسمى به الصبح، ولفظ «السكن» بمعنى السكون الذى هو ضد الحركة، ولفظ «حسبانا» مصدر حسب ـ بفتح العين ـ ، تقول: حسبت المال حسبانا، أى: أحصيته عددا. والمعنى: والله ـ تعالى ـ وحده هو الذى شق ظلمة آخر الليل بأن أوجد النار المضئ فى أعقابه، فذهب الليل بظلاق، وجاء النهار بضيائه.. وهو ـ سبحانه ـ الذى جعل الليل محلا لسكون الخلق فيه، ورامز لهم بعد معاشهم بالناهر، وسعيهم للحصول على أرزاقهم، كما قال ـ تعالى ـ: «وجعلنا الليل لباسا، وجعلنا النهار معاشا». وهو ـ سبحانه ـ الذى جعل الشمس والقمر يجريان فى الفلك بحساب مقدر معلوم لايتغير ولايضطرب، كما قال ـ تعالى ـ «لا الشمس ينبغى لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل فى فلك يسبحون». ثم ختم ـ سبحانه ـ الآية الكريمة بقوله: «ذلك تقدير العزيز العليم» أى: ذلك الجعل والتسيير المبديع الشأن لهذا الكون، هو تقدير وتصريف الله الغالب القاهر الذى لايعجزه شئ، العليم بكل صغير وكبير، وجليل وحقير، وظاهر وخفى، لايغيب عن علمه مثقال ذرة فى السموات ولا فى الأرض، ومن كان هذا شأنه يجب أن يختص بالعبادة والطاعة.