الاربعاء 15 رمضان 1423 هـ الموافق 20 نوفمبر 2002 فى عدد من الأحاديث النبوية الشريفة جاء ذكر «عجب الذنب» على أنه الجزء من الجنين الذى يخلق منه جسده، والذى يبقى بعد وفاته، وفناء جسده ليبعث منه من جديد. فقد أشار المصطفى (صلى الله عليه وسلم) إلى أن جسد الإنسان يبلى كله فيما عدا «عجب الذنب»، فإذا أراد الله تعالى بعث الناس أنزل مطرا من السماء فينبت كل فرد من عجب ذنبه كما تنبت البقلة من بذرتها. ومن هذه الأحاديث العديدة روى أبو هريرة (رض الله عنه) عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قوله: (1) «كل ابن آدم تأكل الأرض إلا عجب الذنب، منه خلق،وفيه يركب» (أبو داود، النسائى ، أحمد، ابن ماجه ابن حبان، مالك) (2) وفى رواية لأبى سعيد الخدرى (رضى الله عنه) مرفوعا إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنة قال: «يأكل التراب كل شيء من الإنسان إلا عجب ذنبه، قيل وماهو يارسول الله؟ قال: مثل حبة خردل منه نشأ» (3) وأخرج الإمام مسلم فى صحيحه عن أبى هريرة نصا مثله جاء فيه: كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب، منه خلق، ومنه يركب». (4) وفى لفظ آخر له جاء هذا النص: «وليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظما واحدا هو عجب الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة». (5) وفى لفظ آخر لمسلم كذلك جاء هذا النص: «إن فى الإنسان عظما لا تأكله الأرض أبدا، فيه يركب يوم القيامة. قالوا: أى عظم هو يارسول الله؟ قال: عجب الذنب». (6) وفى لفظ ثالث لمسلم عن أبى هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «ما بين النفختين أربعون » قالوا: يا أبا هريرة أربعون يوما؟ قال: أبيت، قالوا: أربعون شهرا؟ قال: أبيت، قالوا: أربعون سنة؟ قال : أبيت قال: ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون، كما ينبت البقل»، قال: قال: «وليس من الإنسان شيء إلا يبلى، إلا عظما واحدا، وهو عجب الذنب ، ومنه يركب الخلق يوم القيامة». ومعنى «أبيت» فى كلام أبى هريرة هو «أبيت أن أجزم أن المراد أربعون يوما، أو شهرا، أو سنة، بل الذى أجزم به أنها أربعون مجملة»، وقد جاءت أربعون سنة مفصلة فى قول للنووى. وهذه الأحاديث النبوية الشريفة تحتوى على حقيقة علمية لم تتوصل العلوم المكتسبة إلى معرفتها إلا منذ سنوات قليلة، حين أثبت المتخصصون فى علم الأجنة أن جسد الإنسان ينشأ من شريط دقيق للغاية يسمى باسم «الشريط الأولى» الذى يتخلق بقدرة الخالق (سبحانه وتعالى) فى اليوم الخامس عشر من تلقيح البويضة وانغراسها فى جدار الرحم،وإثر ظهوره يتشكل الجنين بكل طبقاته وخاصة الجهاز العصبى، وبدايات تكون كل من العمود الفقرى، وبقية أعضاء الجسم، لأن هذا الشريط الدقيق قد أعطاه الله (تعالى ) القدرة على تحفيز الخلايا على الانقسام، والتخصص، والتمايز، والتجمع فى أنسجة متخصصة، وأعضاء متكاملة فى تعاونها على القيام بكافة وظائف الجسد. وثبت أن هذا الشريط الأولى يندثر فيما عدا جزءا يسيرا منه، يبقى فى نهاية العمود الفقرى (العصعص)، وهو المقصود بعجب الذنب فى أحاديث رسول الله(صلى الله عليه وسلم). وإذا مات الإنسان، يبلى جسده كله إلا «عجب الذنب» الذى تذكر أحاديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن الانسان يعاد خلقه منه، بنزول مطر خاص من السماء، ينزله ربنا (تبارك وتعالى) وقت أن يشاء فينبت كل مخلوق من عجب ذنبه، كما تنبت النبت من بذرتها. وقد أثبتت مجموعة من علماء الصين فى عدد من التجارب المختبرية استحالة إفناء عجب الذنب (نهاية العصعص) كيميائيا بالإذابة فى أقوى الأحماض، أو فيزيائيا بالحرق. أو بالسحق، أو بالتعريض للأشعة المختلفة، مما يؤكد صدق حديث المصطفى (صلى الله عليه وسلم)، الذى يعتبر معجزة علمية سابقة لكافة العلوم المكتسبة بألف وأربعمائه سنة على الأقل. وهنا يتبادر إلى الذهن سؤال هام مؤداه لماذا تعرض المصطفى (صلى الله عليه وسلم) لقضية علمية غيبية كهذه فى زمن لم يكن لمخلوق علم بها؟ ومن أين جاء هذا النبى الخاتم والرسول الخاتم بهذا العلم لو لم يكن موصولا بالوحى، ومعلما من قبل خالق السماوات والأرض؟ وللإجابة على ذلك نقول بأن الله (تعالى) يعلم بعلمه المحيط أن الإنسان سوف يصل فى يوم من الأيام إلى معرفة مراحل الجنين، وسوف يستبين دور «الشريط الأولى» الذى من بقاياه «عجب الذنب» فى تخليق جسد الجنين، فألهم خاتم أنبيائه ورسله النطق بهذه الحقيقة ليبقى فيها من الشهادات على صدق نبوته، وصدق رسالته، وصدق تلقيه عن الخالق سبحانه وتعالى ما يبقى موائما لكل زمان ولكل عصر، ولما كان زماننا قد تميز بقدر من الكشوف العلمية، والتطورات التقنية التى لم تتوفر ـ فيما نعلم ـ لزمن من الأزمنة السابقة، فإن مثل هذه الإشارات العلمية فى كل من كتاب الله، وسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم) تبقى لغة العصر وخطابه، وأسلوب الدعوة إلى دين الله الخاتم الذى لايرتضى من عباده دينا سواه، فلا يمكن لعاقل أن يتصور مصدرا لهذه الحقيقة العلمية من قبل ألف وأربعمائه سنة غير وحى صادق من الله الخالق،...!! فسبحان الذى خلق فأبدع، وعلم فعلم، وأوحى إلى خاتم أنبيائه ورسله بالحق الذى لايأتيه الباطل من بين يديه ولامن خلفه، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، ومن تبع هداه ، ودعا بدعوته إلى يوم الدين. د. زغلول النجار