الثلاثاء 14 رمضان 1423 هـ الموافق 19 نوفمبر 2002 لاتزال مدينة اشورية قديمة تعيش بيننا حتى اليوم من خلال قلعة صامدة على مرور الزمن وشامخة تتحدى الظروف والتقلبات. انها باختصار قلعة «اربيل » وكانت المدينة كلها كالأم الرؤوم تحتضن صغارها وتمنع عنهم البرد والحرب وعدم الاستقرار وتؤمن لهم الحماية ضد الاعداء والتحصن في ايام الحروب العصيبة. وبقيت هذه القلعة مستعصية على المغول حتى هجومهم الرهيب على بلاد الاسلام. ويأتي موقع القلعة في منطقة عابقة بأريج التاريخ وحافلة بكتابات ونقوش وآثار قديمة وتضم ثلاثة احياء سكنية صغيرة هي السراي الذي يقع في الجهة الشرقية والطوبخانة في الجهة الجنوبية الغربية. والمسجد في الجهة الشمالية، وهي ذات شكل شبه دائري ويرتفع حوالي 415 مترا عن مستوى سطح البحر وحوالي 62 مترا من سطح المدينة ويشغل مساحة قدرها 102190 مترا مربعا. وظهر من خلال المسح الميداني لقلعة اربيل ان الطابع السائد فيها هو الطابع السكني الذي يتمثل بالبيوت القديمة. حيث بلغ مجموع الدور فيها 502 دار، اضافة الى 23 دارا فارغة و95 خرابة. بينما بلغ عدد الدكاكين فيها 7 اضافة الى مستوصف صحي صغير وثلاثة جوامع من ضمنها الجامع الكبير الذي يتوسط القلعة اما عدد سكان القلعة فقدوا في عام 1984 بحوالي 4466 نسمة وتتداخل الاحياء الثلاثة السراي والطوبخانة والتكية في بعضها لتشكيل حيا سكنيا واحدا. ولا نبالغ في القول ان القلعة اربيل هي من القلاع التي تقع خارج الزمن او التي هربت من الزمن المعاصر وتغيراته وما باباها القديمان الا مفتاحان لدخول عالم سحري يعيدنا اشور وسومر فتلج اسواق وشوارع وساحات ومسارح وحمامات ومساجد سكنت اجيال تعد بالالاف والكل مضى وبقي المكان وبقيت القلعة واسوارها وابراجها. وكان الباب الرئيسي للقلعة الواقع في الجهة الجنوبية يمثل برجا عظيما كان منظره يدل على انه كان حصنا للقلعة وقد اتخذ هذا الحصن مدة دارا حكومية ومدرسة ومستوصفا ودارا للعجزة وقد هدم هذا الباب خوفا من انهياره اما الباب القديم الآخر فيقع في الجهة الشرقية. وتضفي على القلعة قيم جمالية اضافية تلك البيوت الساكنة فيها التي تتميز بروعتها وقد شيدتها العائلات الثرية احتلت مكانة مرموقة في تاريخها مثل دار جلبي ودار صالح جلبي ودار شيخ رشاد المفتي وديواخانه رشيد آغا وتحولت دار ملا صالح الى متحف يضم الآثار السومرية والبابلية وغيرها مما عثر عليه في القلعة. وتعد القلعة من ابرز المعالم التاريخية في مدينة اربيل وقد احتفظت بشكلها وبكونها آهلة بالسكان الى يومنا هذا ويعتقد ان القلعة بنيت على تل اصطناعي من قبل الاسرى اسرى الحروب الاشورية مع الامم الاخرى وشيدت بالدرجة الاولى لاغراض دفاعية حيث كانت بمثابة الحصن المنيع. بيوت القلعة المشيدة بالاحجار القديمة تشعر بجلالة التاريخ اما درجات السلم المتآكلة فتخشى ان تطأ بأقدامك خشية تهديمها لكنها في الحال تكتشف انها تؤدي بك الى بيت فقير يختفي في نهاية الزقاق. ويقال ان الامبراطور الروماني الذي يدعى كاراكلا غزا اربيل بعد عودته من حملته على طيسفون في عام 216 ميلادية هدم ذروتها ونبش قبورها التي تعزى الى الملوك الفريتيين وان داريوس الملك الاخميني بعد خسارته الحرب امام الاسكندر المدوني سنة 331 قبل الميلادية اتجه نحو اربيل وترك في قلعتها كنوزه ثم هرب وقتل على يد اتباعه. القلعة باسوارها الشاهقة وانضمامها كالحلزون على نفسها كانت تبعث مشاعر الخوف في قلوب الملوك والامراء لا لشيء الا لانها شامخة ومرتفعة ولا تهتز للرياح العاتية. ولبيوت قلعة اربيل شرفات مطلة على المدينة وتنتشر تماما كأعشاش الطيور التي تروح وتجيء اليها في هذا الصباح المشمس فالقلعة بالنسبة للاهالي القاطنين فيها بيضة وكما تختبئ الطيور على اشكالها في الاعشاش يختبئ الناس في قلاعهم اذ يتحول كل بيت الى قلعة. وقلعة بأكملها الى بيت كبير. وعلى الرغم من الظروف الصعبة التي مرت بها القلعة عبر تاريخها الطويل فانها بقيت محافظة على كيانها كمكان لاغلب البشرية ومن المعتقد ان بعض هذه الفعاليات قد خرجت مرتين خارج حدود القلعة المرة الاولى وكانت في العهد الاتابكي الا انه بعد نهاية هذا العهد عادت تلك الفعاليات الى القلعة. والمرة الثانية كانت في بداية القرن التاسع عشر وبخاصة في فترة ازدهار الامارة السودانية واستمرت تلك الفعاليات تحافظ على نشاطاتها ببطء حتى اواسط الثلاثينيات من هذا القرن حيث بدأت المدينة تتمدد نحو اطرافها لم يكن يقدر لاهالي القلعة النزول من ابراجهم الا في مطلع هذا القرن فأغلب العائلات المعروفة في اربيل كانت تقطن القلعة حتى بداية العشرينيات لكنها نزحت الى السهل المحيط حيث تتوفر البيئة الصحية ووسائل الراحة. خاصة القلاع هي ان مغلفة وفي الوقت ذاته تكون مفتوحة من كل الجوانب ومن كثرة ما سكنها بشر كما يقال فان القلعة كانت مدينة سومرية واستمرت دور السكن فيها خلال العهود البابلية واليونانية والبارثية والاسلامية فالمدينة بقيت ولم يتبدل فيها الا السكان فكل حجر من احجار القلعة ترتبط بأحد تلك الاجناس حيث يصبح الناس انفسهم من خلال ممارسة طقوسهم. يعتقد المؤرخون ان القلعة ليست الا بقايا مدينة اشورية مهمة تعرف باسم اربا.. ايلو ويعتقد ان القلعة كانت تشمل المدينة في مرحلة ما الا انه ومع تطور التاريخ اصبحت تقع على طرف المدينة وقد بقيت القلعة مسورة في العهود الاسلامية. وكانت تضم مركزا للسكن وحصنا للدفاع لم يظفر بها المغول في هجماتهم المتوالية على اربيل وبقيت القلعة طيلة العهود التالية التي تلت الاحتلال المغولي الاخير سنة 656 هجرية حصنا قويا للدفاع وآخر ذكر للقلعة كمركز دفاع عسكري نسمعه عند احتلال نادر للقلعة شاه لاربيل سنة 1732 حيث حاصرها مدة ستين يوما ان يفتحها. وتحيط بالقلعة هالة من الغموض والمنطقة ذاتها تبدو وكأنها تأخذ الحيطة والحذر من العزباء واصل المنطقة ايضا سمتهم الاحتراس. واسوار القلعة وبواباتها تجعل منها عالما فريدا وغريبا ويصعب علينا ان نسبر اغواره بسهولة. انه التفرد بعينه والمكان الذي شهد ولادة العديد من الافكار الهندسية المبدعة كما يبدو واضحا من تصميم القلعة وابراجها السامقة واسوارها الحصينة. وكان الملك الاشوري سنحاريب اول من اولى مشكلة الري عناية كبرى في القرن السادس قبل الميلاد واقام مشروع سنحاريب لارواء اربيل وقد حفرت في زمنه قناة لايصال المياه من باستورة وتقع قرب قرية وقلعة مورتكة وعلى بعد عشرين كيلومترا من اربيل. وفي عهد الدولة الاسلامية صارت القلعة من ابرز حصون الاسلام التي تذود عن السكان وتحميهم من الاخطار التي تحيق بهم وتحقق مبادئ الاسلام وقيمه المتمثلة في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وحماية الانسان وتأمين الحياة السعيدة له ومنحه الامان والطمأنينة كي يتمكن من ممارسة عبادته وما افترض الله عليه من فرائض واوامر هي في النهاية لخيره وصلاحه وخلاصه في الدين والآخرة. ومن الملاحظات التي اوردوها بعض الذين زاروا قلعة اربيل ان سكانها لايخافون تقلب الايام وهبوب الريح. ما دامت بيوتهم مسيجة بألواح من كتابات التاريخ فالسكان يشعرون لأول مرة بان اسوار القلعة هي بمثابة جدران بيوتهم الصغيرة منهم من يضع الواحا خشبية بجوار الاسوار الشاهقة ويشيد له فسحة يمضي فيها الليل وفي النهار يزيل تلك الالواح الخشبية ليخرج الى العمل. هكذا تبنى البيوت وتهدم في تعاقب الليل والنهار دون ان يشعر احد بالخوف من العراء لا يزال اهالي القلعة يعتقدون بان مدينة اربيل هي قلعتهم وكل اطراف المدينة الاخرى هي قابلة للزوال او انهم يريدون اقناع الزائر بان اطراف القلعة ما هي الا مدينة اخرى ولدت شأنها شأن المدن الاخرى. كما ان الزائر القادم الى اعماق يثير الشكوك في نفوس الاهالي دائما ربما لانهم يتذكرون بان نادر شاه حاصر قلعتهم ستين يوما الى ان تمكن من فتحها. أميمة وجيه